طائفية 'عقارية' في لبنان
رأي القدس
2011-01-04
في الوقت الذي يسود فيه القلق مختلف الاوساط
اللبنانية، بغض النظر عن طائفتها او مذهبها، بسبب تزايد حدة التكهنات حول
احتمال حدوث عدوان اسرائيلي، يلجأ بعض المسؤولين اللبنانيين الى طرح افكار
او مواقف، تصب في مصلحة التقسيم، وزيادة حدة التوتر بين ابناء البلد
الواحد.
نقول هذا الكلام بمناسبة مشروع القانون الذي تقدم به السيد
بطرس حرب وزير العمل اللبناني الذي يستهدف الحد من بيع العقارات والاراضي
من ابناء طائفة الى اخرى تحت ذريعة تفادي حصول فرز سكاني.
مشروع
القانون هذا، اذا ما جرى اقراره، سيؤدي حتما الى الفرز السكاني الذي يريد
الوزير حرب تجنبه، ويحذر من حدوثه، فمنع بيع العقارات من ابناء طائفة الى
اخرى يعني ان يتحول لبنان الى 'غيتوهات' منعزلة عن بعضها البعض، وهذا ابشع
انواع الفصل العنصري والديني والمذهبي.
فمن الواضح ان مشروع القانون
هذا يأتي في وقت تزايدت فيه وتيرة التقارير الصحافية عن اقدام جهات، يتردد
انها تابعة لابناء الطائفة اللبنانية الشيعية، على شراء مساحات شاسعة من
الاراضي والعقارات في المناطق المسيحية وكسروان على وجه الخصوص معقل
الطائفة المارونية، الامر الذي يراه ابناء هذه الطائفة تمددا بشريا
وعقائديا يدعو الى القلق.
لا نعرف مدى صحة هذه التقارير، مثلما لا
نستبعد في الوقت نفسه احتمالات المبالغة في تضخيمها اذا كانت صحيحة فعلا،
وحتى لو كان هناك من ابناء الطائفة الشيعية من يريد شراء منزل او ارض في
المناطق المسيحية او العكس فما الخطأ في ذلك؟ أليس المواطن الشيعي مواطنا
لبنانيا يتساوى في مواطنته مع شقيقه السني او الماروني او الارثوذكسي او
اي مذهب آخر؟
الوزير حرب يبرر مشروع قانونه هذا بالاستناد الى فتوى
ادلى بها المرحوم الشيخ محمد مهدي شمس الدين تقضي بحرمة بيع اراضي
المسلمين لغير المسلمين قبل 27 عاما، وهي فتوى نقبت عنها احدى الصحف
اللبنانية ونشرتها لتعزيز ومساندة مشروع القانون المذكور، وهي فتوى ينطبق
عليها القول المأثور 'شهادة حق اريد بها باطل'.
هناك فرق كبير بين فتوى
يصدرها امام ومشروع قانون يتقدم به وزير، فالاولى ليس فيها صفة الالزام،
وحتى لو كان الحال كذلك فان مفعولها الالزامي يقتصر على اتباع مذهب صاحب
الفتوى، اما مشروع القانون في حال اقراره فهو ملزم لكل اللبنانيين بجميع
طوائفهم ومذاهبهم، مثله مثل كل القوانين الاخرى.
مضافا الى ذلك ان فتوى
الامام شمس الدين صدرت في ظروف مختلفة، واثناء احتلال اسرائيلي، وفي اعقاب
حرب اهلية اندلعت على ارضية طائفية، وقبل حدوث المصالحة اللبنانية التي
تجسدت في اتفاق الطائف الشهير.
من المؤسف ان نرى لبنان ينجرف بسرعة نحو
التقسيمات الطائفية والمذهبية، وهو بلد الحريات الديمقراطية، والنموذج
الازهى في التعايش بين الاديان والمذاهب، ومن المؤسف اكثر ان نرى هذه
العنصرية الطائفية والمذهبية تنتقل من الفلسطينيين وحظر بيع العقارات لهم،
ومنعهم من التملك الى اللبنانيين انفسهم، فالعنصرية مثل الكفر ملّة واحدة.
لبنان
يجب ان يظل وطنا للجميع، لجميع ابنائه، بغض النظر عن طوائفهم او مذاهبهم،
واللبناني وفق هذا المفهوم يجب ان يتملك في اي بقعة يريد، خاصة في بلد
يؤمن بحرية انتقال رأس المال والتجارة الحرة، في وقت كان العالم العربي في
معظمه يفرض قيودا اشتراكية ويتبنى افكارا ماركسية مغايرة لذلك تماما.