مدخل لدراسة منحولات العهدين القديم والجديد 2
منحولات العهد الجديد
تشير دراسة منحولات العهد القديم، التي رأينا أن جزءًا كبيرًا منها يجد أصوله في المدرسة الأسينية، إلى أن حركة أدبية كانت قد شكلت أرضًا خصبة خلال قرنين من الزمن تقريبًا لولادة اتجاهات فكرية ودينية جديدة في المنطقة. لكن أحدًا لم يكن يعرف إلى أي مدى سيمكن لهذه الأفكار أن ترتحل، وما هي الاتجاهات الجديدة التي سوف تتلاقح معها أو تؤثر فيها. لكن لا شك أننا بتنا نلمح من خلالها إرهاصات لتيارين فكريين سادا المرحلة الجديدة، خلال القرون التالية للميلاد، وهما التيار الفكري المتشدد المرتكز على الشريعة بالدرجة الأولى، متمثلاً بما يعرف بالنصرانية، والتيار الفكري الملقح بالعرفان السراني، والمنفتح على البحث عن خلاص إنساني يعيد الصلة مع الإله على أسس جديدة. وفي هذا الإطار استمرت كتابة النصوص التي حملت اتجاهات الفكر الجديد، مستمدة في جزء منها الدفق الأساسي للأدب الرؤيوي والأسيني. ومع ما قبلت به الكنيسة من هذه النصوص وما رفضته، بدأ فصل جديد من الأدب المنحول، عرف بمنحولات العهد الجديد.
لكي نستطيع الولوج إلى دراسة منحولات العهد الجديد، لا بد لنا من تحديد الإطار التاريخي الذي جرت خلاله عمليات فصل الكتب بين "مقدسة" و"منحولة"، وهو إطار يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتاريخ أسفار العهد القديم نفسها، المنحولة وغير المنحولة كما رأينا.
النصوص "المسيحية" المنحولة
تمثل الكتابات المعروفة ب-"المنحولات المسيحية" اليوم مجموعة كبيرة جدًا من النصوص المتشابكة والمتصلة. ولهذا من الصعب في كثير من المواضع تحديدها بسبب تعديلاتها أو تنويعاتها عبر العصور والمناطق وحتى الكتاب والكنائس في بعض الحالات. كذلك من الصعب جدًا تصنيفها من خلال نوعها الأدبي بسبب عدم تميزها في خصوصية أدبية محددة، إلا في حالات أو مقاطع قليلة. ومع ذلك، يمكن تمييز خطوط عامة تساعد في تحديد تسلسل زمني وإطار تاريخي لتطور هذه الكتابات وانتقالاتها وترجماتها. ولما كانت هذه الكتابات المنحولة تندرج في الإطار نفسه إلى حد كبير مع نوع الكتابات المقدسة، أو غير المنحولة بالنسبة للمراجع الرسمية، فإنها تطرح المسائل الجدلية نفسها المتعلقة بالتأريخ أو النوع الأدبي أو الأصالة الفكرية، إلخ.
ولكي ندرك مدى تعقيد هذا المجال المتعلق بهذه الوثائق الآتية عبر عصور مختلفة، نشير إلى أن الوثيقة نفسها يمكن أن تكون آتية من فترات مختلفة ومكتوبة في عدة لغات. ومن هنا يكون من الصعوبة بمكان أحيانًا معرفة النسخة الأصلية والنسخ المنقولة أو المترجمة. هذا إضافة إلى أن كل وثيقة تمثل ضمن اللغة الواحدة التي وصلتنا بها، تاريخًا وثقافة لا بد من إعادة اكتشافهما وتشكيلهما وفهم أبعاد تأثيرهما في هذه الوثيقة.
يميل معظم المؤرخين إلى تصنيف نصوص لم يأخذ بها التصنيف الرسمي للكتب المقدسة ضمن هذه الفئة من الكتب المنحولة، مثل سفر برنابا. كذلك تصنف ضمن هذه الفئة الكتابات التي لم يأخذ بها آباء الكنيسة بسبب سمتها التي تشير إلى أنها منحولة، مثل راعي هرماس.
وهكذا فإن السمة العامة والأساسية للكتابات المنحولة المسيحية هي أنها كانت مرفوضة ولهذا ظلت مخبأة ومتناقلة في السر. غير أن هذه السمة نفسها تختلف بدرجاتها من الكتابات التي ظلت منسية ومخبأة لفترة طويلة، إلى تلك التي انتشرت عبر قرون طويلة في مناطق كثيرة. ويشير ذلك بالنسبة إلى الباحثين إلى ضرورة متابعة تاريخ كل كتاب أو سفر على حدة، وتأمل تاريخه ودراسة ومقارنة ترجماته ونسخه، من أجل تمييز الأسباب المختلفة التي أدت إلى انتهائه في سلة الكتابات المنحولة.
"المنحولات" في سياق الكتاب المقدس
يقر بولس الرسول[1] بأهمية الوحي في العهد القديم وفي ذلك إشارة إلى قوة الفكرة التي كانت سائدة في ذلك العصر للكتابات الملهمة أو الموحى بها. ويؤكد المؤرخ يوسيفوس بأن عدد الكتب التي يعتبرها اليهود أنفسهم "إلهية" (أي من مصدر إلهي) هو 22سفرًا، في حين أن باقي الكتب التي أضيفت إلى العهد القديم بعد النبي الأخير، ملاخي، ليس مصدرها سوى الإنسان نفسه. وفي الحقيقة، فإن أسفار العهد القديم التي يبلغ عددها فعليًا 22 أو 24 سفرًا، في حين أن عددها يصل إلى 39 بسبب توزيع بعض النصوص لا أكثر، يزداد في طبعات معينة حتى يصل إلى 46 سفرًا. وهذه الأسفار المضافة فوق ال- 39 هي التي أدت في البداية إلى طرح مفهوم الكتب "المنحولة" في إطار الكتاب المقدس. ولفظة المنحولة تشير إلى الكتب التي اعتبرها اليهود أنفسهم غير "ذات مصدر إلهي" في حين لا تزال موجودة في بعض طبعات "الكتب المقدسة" التي تضم العهدين القديم والجديد. غير أن ليس ثمة ما يجمع هذه الكتب الإضافية مع أسفار العهد القديم، لا موضوعًا ولا شكلاً أو أسلوبًا، ولا حتى من خلال البلد المنشأ (فلسطين ومصر)، أو اللغة التي كتبت بها (العبرية، الآرامية، اليونانية). كانت اللغة اليونانية في القرن الثالث قبل الميلاد هي اللغة الأكثر انتشارًا في شرقي المتوسط. وقد طلب بطلميوس الفلادلفي Ptolémée Philadelphe
أن تترجم له الكتابات الدينية اليهودية ليضيفها إلى مكتبته الكبيرة[2]. وهكذا ظهر ما يعرف بالترجمة "السبعينية"، وهي الترجمة اليونانية للكتابات اليهودية "الموحاة"، والتي أضيفت إليها أخبار دنيوية متعددة. إن العهد الجديد المكتوب باليونانية يستند غالبًا إلى العهد القديم، ويذكر شواهده من الترجمة اليونانية السبعينية، إنما لا يشير أبدًا إلى "المنحولات" التي لا يستشهد بها يسوع ولا أي من كتاب الأناجيل الملهمين. وهذه النقطة هي أحد الأسباب التي أدت فيما بعد كما سنرى إلى خلاف في الكنيسة حول اعتماد أو عدم اعتماد هذه الكتب ضمن أسفار العهد القديم في الكتاب المقدس.
وفي القرن الرابع للميلاد، أصبحت اللغة السائدة هي اللاتينية. وكُلف القديس جيروم Jérome، الذي كان سكرتيرًا للبابا، بترجمة الكتاب المقدس إلى لغة فيرجيل Virgile، أي اللاتينية. وبعد أن ترجم جيروم العهد الجديد، حاول ترجمة العهد القديم اعتمادًا على النسخة السبعينية. لكنه سرعان ما تخلى عن ذلك وفضَّل تعميق معرفته باللغة العبرية لكي يعطينا في النهاية الترجمة الشهيرة المعروفة ب- "اللاتينية Vulgate" التي ضمَّت تحديدًا المنحولات، أي الكتب الإضافية التي لم يكن اليهود يضمنونها كتابهم. وقد اعتُبر رأي جيروم رأيًا أساسيًا حول موضوع المنحولات هذه التي اعتبرت أساسية ضمن أسفار الكتاب المقدس. وقد اعترف هو نفسه بأنه إن كان قد ترجم هذه "الحكايات" فذلك نزولاً عند قناعات الشعب، لكنه ترجمها بأسلوب يؤدي في النهاية إلى "إنهاء" هذه الكتب. غير أن أوغسطينوس هو الذي جعل مجمعي هيبونيا Hippone (الاسم القديم لمدينة عنابا في الجزائر) وقرطاجة يقبلان بهذه المنحولات، إنما فقط ككتب للقراءة والاستشهاد لا أكثر. واستمر وجود هذه الأسفار الإضافية في الكتاب المقدس عبر القرون، مع وجود الأساقفة والآباء الذين كانوا يؤكدون بأنها ليست كتبًا من وحي الله.
في القرن السادس عشر، أدى عصر النهضة من جهة والإصلاح الديني من جهة أخرى إلى تغيير الآراء والتأثير على الفكر الديني. وهكذا استبعد لوثر Luther في عام 1534 في طبعته للكتاب المقدس الكتب المنحولة من العهد القديم من موضعها التقليدي فيه وجمعها في نهاية الكتاب تحت عنوان: "المنحولات، الكتب التي لا يجب اعتبارها مساوية للكتابات المقدسة، إنما المفيدة للقراءة". وفي عام 1546 عقد مجمع ترانت Trente، وأقرت فيه السلطات الكهنوتية المجتمعة حصرية النسخة "اللاتينية" كنسخة رسمية للكنيسة الرومانية. وكان هذا القرار في جزء منه موجهًا ضد الإصلاحيين في المجمع. وقد استبعد هذا المجمع بعض الكتب المنحولة مثل كتابي عزرا الثالث والرابع، بينما حفظ لبعضها الآخر إلهامًا إلهيًا فأصبحت تعرف بالكتب القانونية "الثانية" أو الملحقة.
ارتكزت كافة الترجمات الكاثوليكية حتى القرن العشرين[3] على النسخة اللاتينية الأمر الذي يفسر وجود 46 سفرًا في العهد القديم من هذه الترجمات بدلاً من 39. أما الترجمة المسكونية للكتاب المقدس[4] التي أنجزت بالتعاون بين الكاثوليك والبروتستانت والأورثوذكس، فقد أحلت الكتب "القانونية الثانية" في نهاية العهد القديم مع مقدمة ملفتة جاء فيها: اليهود لا يعتبرون هذه الأسفار موحاة، ومجمع ترانت يثبتها ككتب قانونية بالنسبة للكاثوليكيين، والبروتستانت لا يقبلون بها ككتب موحاة من الله، والأوروثوذكس لم يأخذوا قرارًا حاسمًا بشأنها بعد.
يشير هذا العرض السريع إلى جانب من قصة المنحولات، جانب سيطر على الفكر المسيحي بشكل خاص طيلة ألفي سنة، لكن تسمية "المنحولات" هذه، أو حتى "الكتب القانونية الثانية"، تتعلق بجزء بسيط من مسألة المنحولات التي يتضح لنا اليوم أنها أوسع بكثير من مجموعة الأسفار التي تثير الجدل بين طوائف المسيحية الحديثة!
أصول لغوية - تاريخية للفظة "منحولات"
إن لفظة منحول apocryphe
في اللاتينية (apokruphos
) مؤلفة من apo
التي تعني "بعيد عن" ومن الصفة kruphis
التي تعني "مخفي" أو "مخبأ"، وهي ترجع إلى أصل يوناني كلاسيكي حيث نجدها عند هيرودوت[5] ويوريبيدس[6] وكسينوفون[7]، وتأخذ لديهم معنى السر. وفيما بعد استخدمت في الأدب المسيحي للإشارة إلى الكتابات المجهولة الأصل، أو إلى الكتابات التي كانت تتناول مواضيع مماثلة لمواضيع العهد الجديد إنما التي لم تكن مقبولة بين الكتب المقدسة، وبعبارة أخرى الكتب التي كانت مستبعدة من الكنيسة الرسمية. وفي الحقيقة، فقد ارتبط أو اختلط إلى حد ما فهم المعنى السري للكتابات مع المعنى السراني. واجتمع المعنيان في شكل من التراث غير المطابق للفهم الرسمي الديني. وهذ التلازم الأدبي السراني معروف في منطقتنا المشرقية منذ ما قبل الأدب التوراتي والمسيحي بالطبع. ونجد هذا المعنى منذ فترة مبكرة ماثلاً في أدب المشرق أيضًا، ونحن نعلم أن العديد من الرقيمات البابلية وغيرها كانت تشير إلى ضرورة حفظ التعاليم والكتابات التي تمثل معلمًا من معالم القداسة الطقسية التي كانت تمارس في المعابد القديمة[8]. وينعكس ذلك لاحقًا في سفر دانيال[9] حيث يشار إلى ضرورة أن "تحفظ سرية" عبارات الكتاب أو اللوح "المحفوظ حتى نهاية الدهور". وقد أشير في كتاب عزرا الرابع، وهو من الكتب التي تصنف في الأدب الرؤيوي ويعود إلى نهاية القرن الأول للميلاد، إلى ضرورة نشر "الكتب الأربع والعشرين [الكتب المقدسة] بين الناس، في حين يجب حفظ الكتب السبعين الأخرى للمساررين، أي للحكماء"[10]. ومن هنا فإن كلمة "مخفي" التي كانت مطبقة في حضارات المشرق القديم، وفي اليهودية، على الكتابات المقدسة لم تكن تعني بالضرورة معنى محقرًا لهذه الكتب. وهكذا فقد أطلق في اليهودية لفظة "المخفية" غنوزيم (من الجذر غاناز، ومنها اشتقت الغنيزاه) على الكتب التي كان يجب إخفاءها أو سحبها لأسباب مادية أو ظرفية من التداول بين أيدي الناس. وأطلق المصطلح نفسه أو الصفة نفسها على الكتب التي كانت قداستها لا تزال موضع جدل ونقاش وكانوا يطبقون أيضًا هذا المصطلح على الكتابات التي كانت لا تزال نوعيتها مثار جدل في نسبتها إلى الكتب المقدسة[sup][11][/sup]، والتي تختلف عن الكتابات التي "تدنس" الأيدي أو الكتابات المقدسة. بالمقابل، سميت الكتابات المعتبرة ككتابات مهرطقة، وخاصة الكتابات اليهودية النصرانية منها، السيفاريم هيسونيم، أي "الكتابات الغريبة"، وصنفت مذاك ككتابات لا يجب أن يطلع عليها كل الناس، لا في الاجتماعات العامة ولا بشكل فردي. نستطيع القول بيقين إذًا إن لفظة apokruphos
اليونانية كانت تشير إلى ما هو خفي وسري وليس لها أي معنى تحقيري. وقد استخدم هذا المصطلح عدد من المؤلفين المسيحيين (خاصة إيريناوس Irénée
وترتوليانوس Tertullien
من القرن الثاني للميلاد وعوسيب وأثناثوس Athanase
من القرن الرابع) في إطار العديد من الجدالات التي نشأت ضد الهرطقة، وربطوه بمصطلح nothos
، وهو مصطلح تقني كان مستخدمًا في النقد النصي الإسكندراني ويشير إلى الكتابات الهجينة (أو غير الشرعية)، أي التي نشأت من أصول غير شرعية أو بالأحرى لم تعتبر شرعية. ونجد أول استخدام نوعي لمصطلح المنحول (الأبوكريف) في وسط مسيحي عند إيرينه الليوني[12] حيث استخدم في إطار الجدل مع الغنوصيين. وهكذا لم يعد "المنحول" كتابًا أو مؤلفًا كان الوصول إليه أو إلى معناه مخصصًا للنخبة أو للمساررين في عقيدة ما أو لاتباع فئة معينة، بل أصبح يشير إلى كتاب غير شرعي وفاسد وغير أصيل. وبعبارة أخرى، فإن الكتاب المنحول يوافق كتابًا مخفيًا وسريًا وغير شرعي وفاسدًا وغير أصيل. ظهر بعد ذلك معنى آخر للفظة "منحول". فقد صنفت السلطات المسيحية بين الكتب "السرية" - كما فعلت بالنسبة للكتب الغنوصية التي صنفت على أنها "منحولة" - الكتب اليهودية التي كانت السلطات اليهودية نفسها قد استبعدتها، وهي كتب كانت قد شهدت لدى المسيحيين أنفسهم شهرة وشعبية واسعة. وهي في أغلبها كتب تنتمي إلى نوع الكتب الرؤيوية، وشكلها ومحتواها ينحو بشكل كبير إلى السرانية، والتي نصنفها اليوم على أنها "منحولات العهد القديم". وبهذا المعنى إنما يتكلم أوريجينس Origène
عن مثل هذه الكتابات على أنها كتابات منحولة. وقد بينت مكتشفات نجع حمادي أن المؤلفين الغنوصيين كانوا يقدمون تعاليمهم على أنها "عقيدة سرية". بل وتحمل إحدى الوثائق عنوان "منحول يوحنا". ونعرف عبر التاريخ إلى أي حد جرت محاربة الأدب الغنوصي كأدب "مزيف" على يد الآباء الأوائل أو الكتاب الكنسيين من القرنين الثاني والثالث. وهكذا أصبحت لفظة "منحول" مرادفًا لـ "مهرطق". وكان إيريناوس نفسه من قارب بين أبوكريفوس apokryphos
(المنحول) ونوثوس nothos
(أي "معيب" أو "مفسد")[sup][13][/sup]. ومن جهته استخدم ترتوليان Tertullien
لفظة أبوكريفا apocrypha
باللاتينية كمكافئة لـ "مزيف" أو "معيب" falsa
[sup][14][/sup]. فيما بعد، أدرجت الكنيسة بين الكتب "السرية"، على غرار "المنحولات" الغنوصية، الكتابات من أصل يهودي التي كان حاخامات الكنيس اليهودي قد استبعدوها من مجلد الكتابات المقدسة. وهكذا ظهر استخدام جديد لكلمة "منحول". وقد عرفت هذه الكتب خلال مرحلة معينة شهرة كبيرة بين المسيحيين، إلى حد أنها دمجت أحيانًا أو لم يمكن التمييز بينها وبين الكتب القانونية. وتلك كانت بشكل خاص حالة الأعمال الرؤيوية (مثل كتاب أخنوخ الأول، وكتاب الخمسينيات في الكنيسة الإثيوبية)، حيث كان ينظر إلى محتواها بشكل خاص كموضوع سراني. وفي هذا المعنى نجد أن أوريجينس (النصف الثاني من القرن الثالث) يتحدث عن هذه الكتابات مثل كتابات "منحولة". ونحو عام 400 استخدم المعنى التخفيفي للفظة أبوكريفوس، كما يشهد على ذلك القديس أغسطينوس، للإشارة إلى هذه النصوص الموروثة في جزء كبير منها عن اليهود.
في بداية القرن الخامس الميلادي، ساد المعنى الأدنى فلنقل أي "غير الشرعي وغير الأصيل" للفظة apokruphos، والتي طبقت أيضًا منذ ذلك الوقت على الكتب التي أورثها اليهود، وكان أغوسطينوس هو الشاهد الأساسي على هذا التكريس لهذا المعنى[15]. أما الاستخدام التقني للفظة "المنحولات" للإشارة إلى الكتب غير المعتمدة رسميًا ككتب مقدسة فمتأخر نسبيًا. فهو كما يبدو واضحًا لا يعود إلى ما قبل جيروم. وفي الواقع، فإن ناسك بيت لحم هذا حذف من مجموعة الكتب المقدسة التوارتية النصوص المعتبرة من "المنحولات" والتي لا نجدها إلا في التوراة اليونانية، وهي كتب غائبة أو غير موجودة في التوراة العبرية. ومن هنا يعيد بعض المؤرخين أصل تمييز "المنحولات" إلى ما قدمته الترجمة اليونانية للكتب المقدسة من إضافات أو تعديلات، في حين يرى غيرهم أن الأصول العبرية أو الآرامية لهذه الإضافات ترجع إلى ما قبل الترجمات اليونانية في الاسكندرية أو غيرها. وهذا عمليًا ما أثبتته مخطوطات البحر الميت بشكل أو بآخر، أو ما دعمته على الأقل من خلال تقديم الأصول العبرية أو الآرامية لعدد من النصوص "المنحولة" أو "السرية". وهكذا فقد آثر جيروم أن يأخذ جانب الكنائس الشرقية، المختلفة عن كنائس الغرب التي كان أوغسطينوس هو ممثلها وداعمها الرئيسي. فبالنسبة لجيروم، لا تعني كلمة "منحول" ولا تشير إلى معنى الهرطقة، كما لا تعني السري أو المخفي، بل تشير ببساطة إلى ما هو أقل درجة من الكتب المقدسة، أي بالنسبة للكتب التي تعتبر مرجعًا وقانونًا بالنسبة للعقيدة المسيحية. وكما نلاحظ، فإن لمصطلح "المنحولات" تاريخ معقد يساير، بشكل من الأشكال، تاريخ مصطلح "الكتب المقدسة"، الأمر الذي يشير إلى دلالة عميقة فيما يتعلق بالعلاقة التي تربط الأحداث المتعلقة بالكتب المقدسة مع الكتب المنحولة، بل وحول العلاقات التي ربطت بينهما لاحقًا والتي لا تزال تربطهما حتى اليوم. ولعلنا نجد مشقة في تجريد الكثير من الكتب المقدسة التي لا تزال بين أيدينا اليوم من هالتها عند مقارنتها بتاريخ الكتب "السرية والمخفية" التي لا زلنا نعتبرها منحولة حتى اليوم. وبهذا المعنى، فإنه من الصعوبة بمكان أيضًا الاعتراف بأن التسميات التي نطلقها اليوم على الكثير من هذه الكتب المنحولة لا يمكن أن تحمل صيغة تعبر فعليًا عن تاريخ هذه "المنحولات" بما هي كتب أدبية بل ودينية ذات أصول لا تختلف بشكل من الأشكال عن الكثير من الكتب المقدسة. وهكذا فإننا نطلق اليوم صفة "المنحولة" على كامل الأدب المسيحي غير المقدس أو الرسمي والذي يأتي في صيغة كافية السوء ومفتقرة للنقد المنهجي عندما نقول "منحولات العهد الجديد".
ويمكننا أن نتخيل مدى اتساع هذا الأدب الذي بات يوصف بالمنحول لأنه غير قانوني أو معترف به من اليهود ومن الكنيسة على حد سواء. وهو يشتمل بالتأكيد على الرؤى بمعناها الدقيق، بل وكذلك على الوصايا، وهي كثيرة، وكذلك على مجمل الأعمال التي وجدت في قمران، إضافة إلى أعمال أخرى كثيرة من الصعب تصنيفها. أما اليوم، فإن هذا الأدب بات يعرف في إطار البحث الجدي والموضوعي تحت أحد عنوانين: "منحولات = مزيفات[sup][16][/sup] pseudepigraphes
العهد القديم"[sup][17][/sup] أو "كتابات ما بين العهدين"[sup][18][/sup]. أما الطبعات الحديثة ذات التقليد الأكثر كاثوليكية مثل الإيطالية والإسبانية فتستمر في استخدام الصيغة التقليدية ذات الدلالة الأكثر مذهبية: "منحولات العهد القديم". ونشير هنا إلى أن الناشرين الألمان اعتمدوا مصطلحات أكثر حيادية للسلسلة المؤلفة من العديد من الكراسات بعنوان: Jüdische Schriften aus hellenistisch-römischer Zeit
. وأيًا كان الأمر فإن هذه التسميات تشهد على أهمية هذا الأدب الغني حتى الآن. لا يزال البروتستانتيون يعطون حتى اليوم للفظة "منحول" معنى تقنيًا خاصًا بهم. فهم يشيرون من خلاله إلى الكتب التي لا يضمنونها مثل الكاثوليكيين في كتابهم المقدس. ولم يفرض هذا التوجه نفسه إلا بعد حركة الإصلاح الديني. مع ذلك، فهو يعود إلى القديس جيروم Jérôme (توفي عام 420). فقد قام هذا الأخير باستبعاد الكتب التي لم تكن توجد سوى في التوراة اليونانية والتي تغيب عن التوراة العبرية. وقد آثر معارضة القديس أوغسطينوسAugustin والكنيسة الغربية والانحياز إلى ما كان قد أصبح منتشرًا في الشرق، وهو ما نعرفه عن معاصر إيريناوس Irénée أسقف ساردس Sardes ميليتون Méliton.
وبهذا المعنى، استُخدم مصطلح "المنحول apocryphe
" في عمل كارلستاد Karlstadt
"الكتب المقدسة"[sup][19][/sup]. غير أن هذا المصطلح لم يأخذ دفعًا حاسمًا ويبرز كمصطلح أساسي لتمييز الكتب التي لا تنتمي إلى الكتاب المقدس إلا مع الكتاب المقدس الذي أقره لوثر Luther
. وحتى لو وجدت بعض "منحولات العهد القديم هذه" في الكتب المقدسة البروتستانتية، لكنها لم تكن تعتبر بين أبناء "الإصلاح" ككتب شرعية حقيقية. لم يكن مصطلح "المنحول" apocryphe يعني "الهرطقة" بالنسبة لجيروم كما بالنسبة للوثر، ولا أيضًا "المخفي" أو "السري"، بل ببساطة درجة أقل من الاعتراف مما يعطى للكتب الأخرى التي تشكل "الكتب القانونية" أكان بالنسبة للعقيدة أو للإيمان. ومن هنا، لا يختلف كثيرًا المعنى المقصود بالمنحول عن المعنى المقصود بالكتب "من الدرجة الثانية". وعندما نتحدث عن الكتاب المقدس بروتستانتيًا، حيث لا يتم الاعتراف بهذه الكتب المنحولة أو من الدرجة الثانية، نجد فراغًا أدبيًا يظهر بشكل واضح على مدى التسلسل الزمني بين العهد القديم والعهد الجديد، فراغ لا يمكن ردمه إلا بضم ما بات يعرف بـ "كتابات ما بين العهدين".
وعلى خلاف الكنيسة البروتستانتية، فإن الكنيسة الرومانية تعتبر هذه المنحولات البروتستانتية ككتب قانونية. فهي تسميها "الكتب الأصلية الثانية أو الملحقة [sup][20][/sup]deutérocanoniques
". وقد وضع مجمع ترانت Trente
هذه النصوص ضمن النصوص "المقدسة" الملهمة والقانونية، مخالفًا بذلك الإصلاحيين. وبذلك فقد اعتمد بشكل نهائي التقليد الكنسي الغربي القديم الذي دافع عنه أوغسطينوس. أما لفظة "المنحولات" فقد حفظتها الكنيسة الكاثوليكية إلى مجموعة الكتب الواسعة من أصل يهودي والمؤلفة بشكل خاص، بكاملها في جزء منها، من رؤى أو كتابات ذات صبغة من الأدب الرؤيوي. في عام 1556 كان قد استخدم للمرة الأولى من قبل سيكستي ده سيين Sixte de Sienne مصطلحا الأسفار "قبيل القانونية protocanonique"، الذي ينطبق على الكتب "ذات الموضوع الذي لم يكن ثمة أي شك حوله أو جدال في الكنيسة"، والأسفار "القانونية الثانية". وكان هذان المصطلحان يطبقان على العهدين القديم والجديد على حد سواء. إن أسفار العهد القديم "الثانية" في المنظور الكاثوليكي، والتي تعد منحولة في المنظور البروتستانتي، هي: طوبيا، ويهوديت، وحكمة سليمان، والجامعة أو بن سيراخ، وباروخ الأول، ومكابيون الأول والثاني، وأستير من x، 4 إلى xvi، 24 (بحسب نسخة الكتاب المقدسة الشعبية اللاتينية)، ودانيال iii، 24 - 90 وxiii وxiv. إن معظم هذه الأسفار لم يصلنا إلا عبر النص اليوناني لمخطوطات وطبعات النسخة السبعينية. ونشير هنا إلى أن البروتستانت يضيفون إلى سلسلة منحولاتهم الكتابين الثالث والرابع لعزرا كما وصلاة منسي.
أما الكتب التي تعتبر ثانية بالنسبة للعهد الجديد فهي: الرسالة إلى العبرانيين، ورسالة يعقوب، ورسالة بطرس الثانية، والرسالتين الثانية والثالثة ليوحنا، ورسالة يهوذا، ورؤيا يوحنا.
منحولات متعددة
ندرك مما سبق أنه قد جرى استخدام عبارات "منحولات الكتاب المقدس"، أو "منحولات التوراة bibloi apokruphoi
" و"المنحولات apokrupha
" وغيرها من قبل كتاب مسيحيين قدماء في معاني مختلفة من المهم جدًا في كل مرة نتناولها فيها تمييزها وتحديد معناها في المكان وفي الزمان. ونشير من بين أهم هذه المعاني إلى: الكتب المنحولة عن الكتب الرسمية التي تعتبر مقدسة، أو الكتب المنحولة بأسماء مستعارة من أسماء الرسل والقديسين، أو كتب الهرطقة. إن أول إثبات لاستخدام مصطلح الكتب المنحولة بأسماء مستعارة، وهو المعنى القريب جدًا من معنى الكتب المنحولة عمومًا، يرجع إلى مؤلف مسيحي هو سيرابيون الأنطاكي نحو نهاية القرن الثاني للميلاد، واصفًا إنجيل بطرس بأنه كتاب باسم منحول[21]. وهو يرى أن كتابًا اعتمدته الكنيسة لا يمكن أن يكون منحولاً في عنوانه أو محتواه، في حين أن كتابة متداولة بين الهراطقة فقط هي بالضرورة كتابة كاذبة، خاصة إذا كانت تنسب إلى يسوع أو إلى أحد رسله. وبالنسبة لسيرابيون، فإن المستخدمين هم الذين يجعلون كتابة ما منحولة أو غير منحولة. ما يزيد تعقيد المسألة أن صفة النحل لا تشير إلى المعنى نفسه أو هي ليست الصفة نفسها بحسب ما يتعلق الأمر بالآداب اليونانية أو اللاتينية أو السريانية أو القبطية أو الحبشية أو العربية أو الأرمنية أو الجيورجية أو السلافية أو غيرها. هذا دون أن نعدد الآداب أو الكنائس الأخرى التي اعتمدت كتبًا منحولة في تاريخها، حيث لم نشر هنا سوى إلى أقدمها وأكثر أساسية في التأثير على تاريخ الأدب المنحول والكتب المنحولة. فعلى سبيل المثال هناك الكثير من الكتب المنحولة في الأرمنية هي نسخ أنجزت على نماذج يونانية أو لاتينية أو سريانية، في حين أن نصوصًا أخرى هي من إنشاء أرمني صرف. وفي العالم الأرمني كان دور الكتابات المنحولة مشابهًا لدور الكتابات المتعلقة بتاريخ وسير القديسين. وكانت الكتابات المنحولة في هذه الحالة تسهم أو تستخدم في قراءة الطقس بالمعنى الكنسي ولكن ليس بمعنى طقس المناولة. ولهذا كان دور هذه الكتابات المنحولة كبيرًا جدًا في الفكر والثقافة الأرمنيين. وهكذا فقد دخلت الموروثات المذكورة في هذه النصوص المنحولة في النصوص التي عالجت مواضيع لاهوتية أو تفسيرية كما وفي الكتب التي تروي تسلسل الأحداث المتعلقة بالكنيسة أو كتب التأريخ. وبالتالي فقد حفظت الكنائس القوقازية - الأرمنية والجيورجية - نصوصًا كثيرة جدًا اعتبرت أحيانًا نصوصًا منحولة من قبل الكنائس اليونانية واللاتينية، وهذا يعني أن مفهوم النحل ليس نفسه في هذه المناطق البعيدة فلنقل عن المناطق الكنسية المحورية. والأمر نفسه ينطبق على كنائس مصر والحبشة، خاصة بالنسبة لهذه الأخيرة التي كانت مخزنًا حقيقيًا للنصوص التي اختفت في معظم الأحيان في الكنائس الأخرى أو التي وجدت فيها حديثًا إنما بشكل مجتزأ جدًا وناقص.
منحولات وكنائس كثيرة
إن التساؤلات المتعلقة بالنصوص المنحولة تطرح بأشكال مختلفة بحسب ما إذا كنا ننطلق من الكنائس المعتبرة ككنائس محورية أو مركزية أو كنا ننطلق من الكنائس غير المحورية أو البعيدة. وغالبًا ما اعتبرت هذه الأخيرة ككنائس مهرطقة من قبل الكنائس الأولى التي تعرف نفسها بأنها أوروثوذكسية. ولا شك أن علينا أخذ هذا المعيار أو هذا التقسيم بالأحرى بعين الاعتبار من أجل تفسير أسباب حفظ عدد كبير من النصوص المنحولة من قبل الكنائس البعيدة، وهي نصوص ضاعت أو تم التخلص منها في الكنائس المحورية. ومما لا شك فيه أن مفهوم النحل ليس هو نفسه في الكنائس الشرقية. ففي الكنائس البعيدة يبدو أن هذا المفهوم يرتكز على معايير أقل اتصالاً بالممكنات اللاهوتية، وهي في كل الأحوال معايير ليست مقترنة بالممكنات اللاهوتية نفسها التي في الكنائس المحورية. فكل نص منها ضمن موروثه اللساني، أي في سياق ترجماته وتعديلاته وما دخل عليه من موروث ثقافي ولغوي، يحتمل نظامًا خاصًا، فيمكن تصنيفه مثلاً بين المنحولات في نسختها اليونانية أو اللاتينية ولا يصنف بين النسخ الشرقية. وهكذا، فإنه من الملائم عدم النظر إلى كافة النسخ من وجهة نظر واحدة، وعدم تصنيفها منهجيًا في فئة المنحولات، الأمر الذي يشكل مصدرًا للخطأ في فهمها، على الأقل من منظور المؤرخ والباحث.
إن الكتابات المنحولة المسيحية – مثلها مثل الكتابات التي جمعت في إطار الكتب المقدسة وشكلت العهد الجديد – تنقل لنا تمثيلات وفهمًا لشخص وحياة يسوع ومريم والرسل كما تصورها المسيحيون خلال القرون الأولى. بل إن بعضها كتب خلال فترات معاصرة لكتابة أناجيل وأسفار العهد الجديد. فهي تحمل بالتالي التساؤلات التي كان المسيحيون الأوائل يطرحونها والإجابات التي كانوا يتوصلون إليها. لهذا تعتبر هذه الكتابات من وجهة نظر المؤرخين مصدرًا هامًا جدًا لفهم عدد كبير من التيارات والمذاهب التي انضوت تحت تسمية المسيحية والتي يرجع بعضها إلى مرحلة المجتمعات المسيحية الأولى. إنها تعكس مسائل عقائدية وأخلاقية تمس في بعض الأحيان نقاطًا فائقة الأهمية في تطور الفكر الديني في المنطقة.
إن الأدب المنحول لا يقدم لنا صورة موحدة عن المسيحية بل على العكس يدخلنا إلى تنوع عقائدي كان ممارسًا بل وأدى إلى تباعدات كثيرة، الأمر الذي ينعكس أيضًا في التباعدات اللسانية والثقافية الماثلة في هذه الكتابات. وهو أمر يعكس لنا الأوضاع التي كانت توجد فيها المجتمعات المسيحية المختلفة حتى بداية القرن الرابع بعد الميلاد. إن هذا الأدب يعتبر بالتالي مصدرًا لا يعوض بالنسبة للمؤرخين من أجل معرفة وولوج عالم المسيحية القديم.
ومن جهة أخرى فإن التمييز بين الأدب المسيحي المنحول بحصر المعنى، أي الأدب الذي كتب لغايات تبسيطية أو إرشادية أو تأريخية أو حتى عقائدية إنما من قبل كتاب مسيحيين أرادوا أن يعطوا كتاباتهم موثوقية أو بعدًا تقديسيًا، وبين الأدب التوراتي المنحول الذي اعتمد من قبل كنائس مسيحية، هو أمر على غاية من الأهمية. وهذه المجموعة الثانية من الكتب هي التي تهمنا في هذه الدراسة.
يشكل فهمنا لهذه الخلفية التاريخية لمصطلح المنحولات مدخلاً ضروريًا لفهم الصلة التي ربطت الكثير من الكتابات الكنسية التي عرفت بالمنحولة بأصول ما قبل مسيحية، هي أصول تعود في جزء كبير منها على الأقل إلى نمط من الكتابات عرف بالأدب الرؤيوي.
حول انتشار ما يعرف بالمنحولات المسيحية
رأينا أن لفظة "المنحولات apocryphe" مشتقة في اللغات اللاتينية من اللفظة اليونانية التي تعني "مخبّأ" أو "مخفي"، وكانت تشير عند المسيحيين الأوائل، مثل إيريناوس Irénée (توفي عام 202م) وكليمنضوس الاسكندراني (توفي نحو عام 215) وأوريجينس Origène (توفي عام 253) وعوسيب القيصري (توفي عام 339)، إلى نصوص مشكوك في أصلها أو في مؤلفها أو في عقيدتها ومحتواها، ولهذا كانت تُستبعد من مجموعة الكتابات المقدسة التي كانت تنسب إلى شخصيات من محيط يسوع. فهي عبارة عن كتابات يعتقد أنها وُضعت ونُقلت وتم تلقيها وقبولها في جماعات مختلفة، منذ القرن الثاني بعد الميلاد وحتى أيامنا هذه. مع ذلك، فقد أمكن لبعض هذه الكتابات (مثل إنجيل توما) أن تساهم في تحرير بعض النصوص المعتمدة من الأناجيل، في حين أن بعضها الآخر (مثل راعي هرماس، والديداخي) لقي تقديرًا عظيمًا ومثِّل ضمن الكتب الرسمية في بعض الكنائس (الرسالة الثانية لكليمنضوس إلى الكورنثيين في الكنائس السريانية)، في الوقت الذي كانت فيه بعض الأسفار المعتمدة اليوم مثل "سفر الرؤيا" مرفوضة وتعتبر كأسفار "مشكوك فيها".
ما يسميه الإنجيليون اليوم، خاصة في الغرب، بـ "المنحولات apocryphes" يسميه الكاثوليكيون بـ "الكتب الشرعية الملحقة deutérocanoniques"، وهي الكتب السبعة من التوراة اليونانية التي لا توجد في التوراة العبرية. وهكذا، بدلاً من الحديث عن الكتب المنحولة من العهد القديم ومن العهد الجديد، فإنه يتم الحديث عن كتابات يهودية قديمة (مزامير سليمان، كتاب موسى، أخنوخ الثاني، كتاب عمران) وعن كتب مسيحية منحولة. والحقيقة أن الكثير من الكتب أو النصوص اليهودية ترجمت أيضًا إلى لغات وثقافات "مسيحية" مختلفة (كتاب الخمسينيات، كتاب الشيوخ الإثني عشر، كتاب عزرا الرابع)، وبالتالي فإن العديد من المنحولات المسيحية القديمة هي إعادة كتابة لنصوص يهودية (مثل "حياة آدم وحواء"، و"صعود أشعيا"، و"إنجيل بطرس"). وفي هذا السياق فقد جاءت اكتشافات مخطوطات البحر الميت لتكشف عن أصول هذه الترجمات أو الكتابات المسيحية المنحولة، ولتعيدها إلى هذه الجماعات من الملل المنشقة أو المعارضة للسلطة اليهودية السياسية والدينية الرسمية التي كانت خاضعة للسلطة الرومانية في بدايات العهد المسيحي.
وقد لعبت منحولات كثيرة دورًا كبيرًا في لاهوتيات وطقوس وشعائر كافة المناطق تقريبًا في العالم القديم. كما لا تزال تلعب دورًا لا يستهان به في العديد من الاتجاهات المتحدرة من النصرانية - اليهودية القديمة في العالم الجديد اليوم. ولعل أحد أكثرها انتشارًا هو إنجيل يعقوب الذي كتب باليونانية في القرن الثاني للميلاد ولقي على الرغم من رفض الكنيسة له وإدانته شهرة واسعة في العصور الوسطى اللاتينية (إنجيل الطفولة لمتى المنحول).
كذلك لقيت "رؤيا بولس" التي كتبت باليونانية أيضًا في القرن الثاني، وتتناول العقوبات المنزلة بالخاطئين في الجحيم، شهرة واسعة باللاتينية كما في اللغات الغربية الناشئة عنها، كما وتم تصوير أجزاء منها في فسيفساء الكنائس الأوروبية من تلك الفترة. وقد استمر نقلها في نسختها السريانية حتى القرن التاسع عشر. كذلك فإن قصة العذراء، ورقاد العذراء مريم، وهما كتابتان ترجعان إلى القرن الخامس، تعتبران نموذجًا يمثل بوضوح الورع واللاهوت الذي ساد لفترات طويلة في الأوساط الشعبية المسيحية في العالم، وهو فكر لا يزال مؤثرًا حتى اليوم في صور ومفاهيم الورع المسيحي. أضف إلى ذلك القصص الكثيرة جدًا والتي تكاد لا تحصى حول الأعمال المنحولة للرسل التي سمحت لكثير من المدن أو المناطق بنسب أصل رسولي لكنائسها.
دراسات الكتابات المنحولة
درست الكتابات المنحولة في عصر النهضة من قبل أشخاص اهتموا بأصول المسيحية، وكانت هذه الكتابات والدراسات مثال جدالات في النقاشات الدائرة حول الإصلاح الديني في ذلك الوقت، وهكذا فقد جمعت ونشرت في عام 1703 على يد فابريسيوس J. A. Fabricius الذي كان يهتم بشكل خاص بتاريخ العقائد. وفي القرن التاسع عشر نشرت مجموعة من علماء مختصين بفقه اللغات وطرق انتقالها (مثل تيشندورف C. Tischendorf وبشكل خاص ليبسيوس R. A. Lipsius وبونيه M. Bonnet) دراسات نقدية معمقة حول هذه النصوص. أما في القرن العشرين فقد بدأت أعمال النشر الضخمة في مجلدات عديدة للنصوص المنحولة (ونذكر منها أعمال جيمس R. M. James البريطاني وهنيكيه E. Hennecke وشيملشر W. Scheemelcher في ألمانيا، وإربتا M. Erbetta في إيطاليا، وأخيرًا السلسلة الواسعة من الكتابات المنحولة Series Apocryphorum الصادرة في البلاد الناطقة باللغة الفرنسية).
نستنتج مما سبق أن تشكيل أو تجميع مجموعة الكتب أو الكتابات التي سميت بالمقدسة أو السماوية أدى عبر طرق مختلفة إلى تشكيل أدب سمي بالكتابات المنحولة. وبالتالي فإن مفهوم الكتب المنحولة يرتكز كما يبدو جليًا على معادلة بسيطة: فاعتماد كتب على أنها مقدسة وسماوية يلغي هذه الصفة عن بقية الكتب التي تعتبر بالتالي "منحولة". لكن، مع ذلك، لا يجب تعميم هذا التعريف على كافة الحالات. فالترجمات المقدسة حملت في بعض الأحيان تغييرات جدية على النص، وبالمقابل، فإن الكتابات الأصيلة التي سميت منحولة تضمنت في أحيان عديدة معاني أدبية تفوقت على بعض جوانب الكتابات الأصيلة التي صنفت ضمن الكتابات المقدسة. ومع ذلك، يمكننا القول في هذا الإطار إن ما انتقل إلى المسيحية كان مصدره في الكثير من جوانبه الأدب القمراني - اليهودي. لكننا لا نستطيع القول مع سمعان الميموني[22] إن كل ما انتقل إلى الأدب المسيحي كان من مصدر يهودي، خاصة مع الدراسات المقارنة التي تكشف عن جوانب التأثيرات الهلينستية كما والفارسية إضافة إلى إسهامات منطقة المشرق المباشرة في تطور الفكر والأدب المسيحيين. وإن كان سمعان الميموني يشير في المصدر السابق إلى أن ما حصل في المسيحية استمر وحصل أيضًا في ديانات أخرى مثل المزدكية والمانوية والإسلام، لكن ذلك يعكس في النهاية حركة واسعة جدًا من محاولة تصنيف وغربلة الكتابات، والحفاظ على أكثرها ارتباطًا بأصالة الخبرة الدينية ضمن مفاهيم العصر والبيئة، ولا يعني بحال من الأحوال استمرارية فكر واحد وأصالة كتابة واحدة سابقة (هي في هذه الحالة وفق الميموني الكتابات اليهودية، بما فيها المنحولة). يشير مصطلح "الكتابات المسيحية المنحولة" أو "الأدب المسيحي المنحول إلى مجموعة الكتابات التي تصنف تحت عنوان "منحولات العهد القديم" ومنحولات العهد الجديد". وعلى الرغم من اختلاف الكثير من مصادر أو أصول هذين العنوانين الأساسيين للكتابات المنحولة، لكن الأمر الهام والأكثر أساسية هو نقل هذه الكتابات الذي تم بالنسبة للمجموعتين عبر مجموعات نصرانية أو مسيحية، حتى وإن كان عدد من هذه الكتابات يعود في أصوله إلى اليهودية.
لا يميز الميموني، ولا غيره من الكتاب والباحثين الذين تناولوا موضوع المنحولات المسيحية مع الأسف، أهمية ملاحظة المجموعات (التي سميت بالمسيحية) التي نقلت أو ترجمت هذه الكتابات وأصولها. ولهذا يصبح من السهل إلصاق هذه الكتابات بالمسيحية الناشئة، دون تمييز التداخلات التي كانت قائمة عندها مع التيارات اليهودية المناوئة للسلطة الرسمية الدينية المتحالفة مع الرومان، الأمر الذي أدى إلى ربط المسيحية بتيار كامل من الأدب الذي أثر عبر مئات السنين في تاريخ الفكر المشرقي بشكل رئيسي، ليس عبر المسيحية فقط بل وعبر الفكر المانوي والمزدكي والإسلامي، وانتهى إلى التطابق مع الفكر المسيحي أو الإسلامي في الكثير من الأحيان والمواضع. غير أن مكتشفات قمران أو نجع حمادي أو غيرها من المكتشفات في بعض الكنائس في مصر أو أوروبا الشرقية أو الحبشة، إضافة إلى الدراسات الهامة التي بدأت منذ مطلع القرن العشرين حول شبه الجزيرة العربية وتاريخها الديني، تشير إلى أصول هذه الجماعات التي اهتمت بهذه الكتابات ونقلتها ككتابات مقدسة في القرون الميلادية الأولى، لكن لا بد هنا من التأكيد على ضرورة عدم التسرع في الاستنتاجات، والتعمق في تاريخ المنطقة الديني لكي نكتشف مزيدًا من الروابط التي تصل بين هذه الكتابات وأصولها. ويعتبر ذلك مفتاح المتابعة الأعمق لتاريخ المنطقة الحافل بالتشعبات الدينية.
المنحولات بين الشرق والغرب
بشكل عام يمكننا القول إنه لا ينظر إلى المنحولات النظرة نفسها في الشرق وفي الغرب. فهي تمثل في الشرق ف