** متابعات ثقافية متميزة ** Blogs al ssadh
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.
** متابعات ثقافية متميزة ** Blogs al ssadh

موقع للمتابعة الثقافية العامة
 
الرئيسيةالرئيسية  الأحداثالأحداث  المنشوراتالمنشورات  أحدث الصورأحدث الصور  التسجيلالتسجيل  دخول  



مدونات الصدح ترحب بكم وتتمنى لك جولة ممتازة

وتدعوكم الى دعمها بالتسجيل والمشاركة

عدد زوار مدونات الصدح

 

 لمسلم الأخير أم الثّائر الأخير؟ (3/1) (ميشال فوكو والثّورة الإيرانيّة)

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
بن عبد الله
مراقب
مراقب
بن عبد الله


التوقيع : لمسلم الأخير أم الثّائر الأخير؟ (3/1)  (ميشال فوكو والثّورة الإيرانيّة) Image001

عدد الرسائل : 1516

الموقع : في قلب الامة
تعاليق : الحكمة ضالة الشيخ ، بعد عمر طويل ماذا يتبقى سوى الاعداد للخروج حيث الباب مشرعا
تاريخ التسجيل : 05/10/2009
وســــــــــام النشــــــــــــــاط : 8

لمسلم الأخير أم الثّائر الأخير؟ (3/1)  (ميشال فوكو والثّورة الإيرانيّة) Empty
09072011
مُساهمةلمسلم الأخير أم الثّائر الأخير؟ (3/1) (ميشال فوكو والثّورة الإيرانيّة)



لمسلم الأخير أم الثّائر الأخير؟ (3/1)  (ميشال فوكو والثّورة الإيرانيّة) Arton8032

"ولأنّه يوجد هذا القدر من الأصوات لم يكن لزمن النّاس شكل التّطوّر، وإنّما شكل التّاريخ."
"(…) c'est parce qu'il y a de telles voix que le temps des hommes n'a
pas la forme de l'évolution, mais celle de l' «histoire», justement"
ميشال فوكو

للقصص الكبرى في رأي الفيلسوف الألماني بيتر زلوترداك Peter Sloterdijk
وظائف عديدة، فهي تستخدم لصياغة نظريّة عن الزّمن الحاضر تعتني بكتابة
تاريخ واسع النّطاق يشمل العالم بكلّ تعقّداته ورحابته الهائلة. بل إنّ
للقصص الكبرى مزيّة أخرى هي إبانة هذا الّذي غدا في الأزمنة الحديثة
عالميّا معولما، وكونيّا كوكبيّا planétaire، وجعله ماثلا أمامنا على نحو
موضوعيّ 1) ).
إذا سلّمنا بهذا التّعريف للقصص الكبرى بوصفها إحدى الوسائل الّتي تعتمد
في كتابة تاريخ الحضارات والأفكار والأزمنة والدّول والفلسفات
والجغرافيّات… جاز لنا من هذا المنظور أن نعتبر "الإسلام" اليوم قصّة من
القصص الكبرى لسببين على الأقلّ :

- أوّلهما أنّ موضوع هذه القصّة الكبرى عظيم يشمل فضائيّا مناطق جغرافيّة
رحيبة من العالم تمتدّ من «الشّرق» إلى «الغرب» - وهو ما يؤكّد قول ليو
باك Leo Baeck من أنّه "لا وجود لديانة توحيديّة من دون تاريخ للعالم."
(2) - ويمتدّ تاريخيّا على مدى عقود. فالإسلام اليوم بما هو ظاهرة ثقافيّة
اجتماعيّة سياسيّة بالغة التّعقيد قد نجم بالتّحديد في النّصف الثّاني من
القرن العشرين.

- ثانيهما أنّ هذه القصّة الكبرى قد ساهم في كتابتها أطراف كثيرة
كالصّحفيّين وخبراء السّياسة والفلاسفة… ومن الطّبيعيّ أن تكتب هذه القصّة
بصيغ مختلفة (كالصّيغة المسيحيّة، أو اللّيبراليّة التّقدّميّة أو
المحافظة، أو الهيغليّة، أو الماركسيّة، أو الدّيمقراطيّة …). غير أنّ
القصّة الكبرى لـ«إسلام» قد أضحى يعدّ اليوم مليارا و300 مليون مسلم
موزّعين في بقاع من الأرض شديدة التّنوّع جغرافيّا وثقافيّا، إنّما هي
قصّة كبرى، ولكنّها غير كبيرة بالقدر الكافي. ويرجع ذلك في تقديرنا إلى
أنّ كتّاب هذه القصّة يميلون إلى جعل الإسلام ومسلم اليوم، أو«المسلم
الأخير»، شيئا واحدا، بحيث أنّ كتابة قصّة المسلم هي في الآن نفسه كتابة
قصّة الإسلام. فإذا كان المسلم إرهابيّا فلأنّ "الإرهاب المعاصر كامن في
نزعات ثقافيّة معيّنة في الإسلام". (3).
فثقافة الموت عند المسلم الأخير نابعة من ثقافة الموت في الإسلام. مثلُ
هذه المطابقة بين المسلم والإسلام نجدها عند كبار الكتّاب الغربيّين.
فكاتب من قامة جيل كبال Gilles Kepel متخصّص في الدّراسات السّياسيّة
المتعلّقة بالعالم الإسلاميّ يستعمل في كتابه "الإرهاب والشّهادة" مفهوم
"القصّة الكبرى"، ويشتقّ منها قصّتين واحدة للإرهاب وأخرى للشّهادة
بصفتهما قصّتين تتنازعان "رقابة العالم الإسلاميّ في بداية هذه الألفيّة"،
قد نشأت كلتاهما في العصر الرّقمي وإستراتيجيّات الاتّصال (4).
وليس الإشكال في مفهوم "القصّة الكبرى"، وإنّما في طريقة كبال kepel في
استعمال هذا المفهوم الّذي كان من المفروض أن يبسط لنا بانوراما واسعة
النّطاق تتعلّق بالإسلام اليوم في مجرى التّاريخ العالميّ. غير أنّه في
كتابه "الإرهاب والشّهادة"، وقبل ذلك في كتابيه "جهاد" (5) و"فتنة"
(6)، ينزلق من كتابة قصّة «الإسلام» الكبرى إلى قصّة «المسلم الأخير»
الكبرى بوصفه يمثّل الحركات الإسلاميّة الّتي بدأت في الظّهور منذ
السّتّينات إلى ما بعد أحداث 11 سبتمبر 2001.
هذا الانزلاق هو في الحقيقة ضرب من الاختزال يجعل «الإسلام» بكلّ ما فيه
من تنوّع إثنيّ وثقافيّ وجغرافيّ وتناقضات لا حصر لها مختصرا في حالة
خاصّة هي "الإرهاب والشّهادة". وهي حالة لا تصدق إلاّ على بعض الحركات
الإسلاميّة لا كلّها، ولكنّها تصدق على الوعي العالمي الّذي يقرن على نحو
آليّ بين الإرهاب والإسلامويّة islamisme (7). ولم ينشأ هذا الاقتران بين
الإرهاب والحركات الأصوليّة، أو بين الإرهاب و«المسلم الأخير»، إلاّ حين
فشلت هذه الحركات في تأسيس دولة إسلاميّة (باستثناء إيران والسّودان) على
أنقاض الدّولة الوطنيّة، دون أن يمنعها ذاك الفشل من الانتشار في الكثير
من بلدان العالم (8).
وبذلك الفشل فقدت هذه الحركات مضمونها الثّوريّ الأوّل بما هو عمل سياسيّ
بامتياز يهدف (من خلال النّزاع السّياسيّ والتّوتّر الاجتماعيّ الّذي
تمثّله في العادة الثّورات والانتفاضات وحركات التّمرّد المختلفة…) إلى
إبلاغ أصوات المقصيّين من الّذين "لا نصيب لهم" وجعلها مسموعة في الدّائرة
السّياسيّة، والاعتراف بمن لا مكان لهم في الجسم الاجتماعيّ بوصفهم طرفا
شرعيّا (9). وبهذا الفقدان أصبح مضمون هذه الحركات (أو بعضها على الأقلّ)
إرهابيّا يترجم في الواقع نوعا من الانسحاب السّياسيّ (10)، ونفيا جذريّا
للدّولة تجسّم عمليّا في "التّفجيرات الانتحاريّة" أو "العمليّات
الاستشهاديّة". وعلى أساس هذا التّصوّر، نرى أنّ ظهور "المسلم
الشّهيد/الإرهابيّ" على مسرح السّياسة العالميّ، كان بعد ظهور "المسلم
الثّائر" الّذي كان سبّاقا في لفت أنظار العالم (الغربيّ أساسا) إليه.
وقد كان ظهوره التّاريخيّ ملازما لحدث "الثّورة الإيرانيّة". وهو حدث قد
تابعه عن كثب وبتأمّل فلسفيّ متحيّر، أحد كبار الفلاسفة المعاصرين، ميشال
فوكو Michel Foucault. وقد أثارت كتابات هذا الفيلسوف عن "الثّورة
الإيرانيّة" ردود فعل مختلفة إبّان صدورها، ولكنّها مازالت إلى اليوم تثير
اهتمام بعض المثقّفين من المفكّرين والكتّاب الصّحفيّين والفلاسفة. فقد
كتبت في الآونة الأخيرة مقالات وكتب عديدة أعادت النّظر في علاقة فوكو
بـ"الثّورة الإيرانيّة" ومواقفه منها ومن الإسلام (11). ولا نريد في هذا
المقام استعراض هذه الكتابات الحديثة، وإنّما نريد أن نتبيّن ملامح
"المسلم الثّائر" من خلال تصوّر فوكو الطّريف للثّورة عموما، و"الثّورة
الإيرانيّة" خصوصا. فهل "المسلم الأخير" هو "الثّائر الأخير"؟ وبأيّ معنى؟

لقد اعتنى هذا المفكّر المثقّف بالإسلام في سياق اهتمامه بمفهوم الثّورة،
انطلاقا ممّا جدّ من أحداث في إيران قبيل سقوط الشّاه وصعود الدّولة
الإسلاميّة. وقد حاول طوال متابعته لما حدث آنذاك بإيران أن يتفهّم هذا
"الحدث" الفريد من منظور "الثّورة" ويفسّره انطلاقا من مقولة "الثّورة"
ومنوالها، وذلك في نطاق مشروع كامل سمّي "ريبورتاجات" الأفكار Les
"reportages" d'idées. فأمام تهافت الإيديولوجيات المختلفة، أضحى العالم
بأسره يغلي بأفكار لا حدّ لها، تولد وتتحرّك وتختفي وتعاود الظّهور، صادمة
بحراكها البشر والأشياء. وهو غليان لا يمكن حصره في حلقات المثقّفين ولا
في جامعات أوروبا الغربيّة، وإنّما صار يشمل بصفة خاصّة الأقلّيات
والشّعوب الّتي لم يمنحها التّاريخ حقّ الكلام والإنصات إليها، "وهذه
الأفكار هي أكثر فاعليّة، وأقوى وأشدّ مقاومة، وأشدّ حماسة ممّا يمكن أن
يفكّر فيه السّياسيّون. ينبغي أن نتابع ولادة الأفكار وانفجار قوّتها.
وهذه المتابعة لا تكون في الكتب الّتي تعلن عنها، وإنّما في الأحداث الّتي
تتجلّى فيها قوّتها وفي الصّراعات الّتي تنشب من أجل الأفكار، ضدّها أو
معها. وليست الأفكار هي الّتي تقود العالم، وإنّما لأنّ للعالم أفكارا
ولأنّه ينتج منها الكثير باستمرار فإنّه لا ينصاع على نحو سلبيّ وفق إرادة
الّذين يقودونه أو الّذين يريدون تعليمه والتّفكير فيه دفعة واحدة." (12).
في نطاق هذا المشروع الّذي تبنّته الصّحيفة الإيطاليّة (Corriere della
sera) كتب ميشال فوكو ثمانية مقالات تابع فيها عن كثب حدث "الثّورة
الإيرانيّة" (13).
غير أنّه خارج هذا المشروع كتب كذلك مقالات أخرى لمجلّة (Nouvel
observateur) وصحيفتي Le Monde و Le Matin تضمّنت أيضا بعض الرّسائل
والرّدود (14)، كما شارك في حوار واحد مع كلار بريار Claire Brière وبيار
بلانشي Pierre Blanchet نشر أوّل مرّة في كتابهما "إيران، الثّورة باسم
الله" (15). ورغم تنوّع هذه الكتابات الصّحفيّة فإنّها كانت تدور كلّها
على حدث "الثّورة الإيرانيّة" وتطوّراتها المتلاحقة الّتي أفضت كما هو
معلوم إلى تحوّل سياسيّ خطير جدّ في أعقاب سنة 1978 ومطلع سنة 1979. وقد
توّج هذا التّحوّل بسقوط نظام الشّاه وانهيار إمبراطوريته وصعود "الحكومة
الإسلاميّة" بقيادة الإمام الخميني… بيد أنّ ما يلفت الانتباه في كلّ ما
كتبه فوكو عمّا كان يجري في إيران هو تردّده اللاّفت للنّظر في استعمال
لفظ "ثورة". والأمثلة عديدة، يمكن أن تجدها في فقرة واحدة. يقول في مقالة
"مخزن بارود يدعى إسلام": " طهران. 11 فيفري 1979، حدثت الثّورة في إيران.
هذه الجملة، أشعر بأنّي قرأتها في صحف الغد، وفي كتب التّاريخ في
المستقبل. والحقّ أنّه من هذه السّلسلة من الأحداث الغريبة الّتي وسمت
الشّهور الاثني عشر الأخيرة من السّياسة الإيرانيّة، ظهر، أخيرا، وجه
معروف. فهذا المسلسل الطّويل من الاحتفالات والحداد، وهؤلاء الملايين من
النّاس وهي تهلّل في الشّوارع الله، والملالي في المقابر يعلنون الثّورة
والصّلاة، وهذه الخطب الموزّعة في الكاسات، وهذا الشّيخ الّذي يعبر كلّ
يوم شارعا من ضاحية باريس ليركع في اتّجاه القبلة، كلّ هذا قد كان من
العسير علينا أن نسمّيه ثورة. واليوم نشعر بأنّنا في عالم مألوف. فقد وضعت
الحواجز، ونهبت مخازن الأسلحة، والتأم مجلس بعجلة لم يترك للوزراء إلاّ ما
يكفي من الوقت لتقديم استقالتهم قبل أن تحطّم الحجارة زجاج النّوافذ
وتنفتح الأبواب باندفاع الجماهير. لقد وضع التّاريخ الآن في أسفل الصّفحة
خِتْمه الأحمر الّذي صادق به على الثّورة. " (ص759).
فكيف نفسّر هذا القلق بين "الحدث" (ما جرى بإيران بين 1978-1979) ولفظ
"الثّورة" الّذي يحاول أن يسمّيه ويفسّره في آن واحد؟ لماذا كان فوكو
متردّدا في اعتبار هذا "الحدث" "ثورة"؟ ينبغي أن نشير إلى أنّ فوكو لم
يعالج هذا "الحدث" على نحو بعديّ إثر اكتمال وقوعه، وإنّما كان يتابعه عن
كثب أثناء وقوعه، ولأجل ذلك اختار متابعته في السّجلّ الصّحفيّ لا في
النّسق الفلسفيّ، لأنّه سجلّ ينهض على أولويّة الحدث. ويلاحظ قارئ هذه
المقالات أنّ فوكو، رغم متابعته المتحمّسة لما كان يحدث بإيران، لم يكن
مناصرا لآية الله الخميني (16) ولا للنّظام الجديد الّذي ستفضي إليه
الثّورة، وإنّما كان متحمّسا لحدث التّمرّد في ذاته، لهذا الرّفض الشّامل
والعامّ للسّلطان القائم، بامتداداته وبدائله. فما كان يعني فوكو من كلّ
ما جرى ليس "الإسلام" في حدّ ذاته ولا إيران ولا الملالي، وإنّما تجربة
"الحدث"، أي حدث "الثّورة" بما هو قطيعة مع النّظام القائم، ودور الدّين
بما هو "روح عالم بلا روح" (ماركس) في كلّ ما حدث، أو علاقته بذلك
"الحدث". فهل ما وقع بإيران آنذاك يمكن أن نعتبره ثورة سياسيّة أم ثورة
ضدّ السّياسة والسّياسيّ (17)؟

يمكن أن نبرّر هذا التّردّد في استعمال كلمة "ثورة" بغياب هذا اللّفظ في
ردود الإيرانيّين من الّذين طرح عليهم فوكو سؤال "ماذا تريدون؟". لقد كان
ردّهم في أغلب الأحيان "[نريد] حكومة إسلاميّة". وتبدو هذه الحكومة
يوتوبيا أو مثالا، ولكنّها تسمح بأن تدرج في الحياة السّياسيّة بعدا
روحانيّا يمنع التّعارض بين السّياسة والرّوحانيّة. ورغم أنّ فوكو يشعر
بالحرج وهو يتحدّث عن "الحكومة الإسلاميّة" بوصفها فكرة أو مثالا فإنّه لم
يخف انبهاره بها بصفتها "إرادة سياسيّة" تسعى جاهدة إلى تسييس أبنية
اجتماعيّة ودينيّة لا تنفصم بما يضفي على السّياسة بعدا روحانيّا.
وتتجلّى هذه "الإرادة السّياسيّة" في مجرى الأحداث من خلال "الإضراب
السّياسيّ" المعمّم في إيران بمقاطعة النّظام القائم بأجهزته وإدارته
واقتصاده، ورفض أن تحلّ محلّ هذا "الإضراب السّياسيّ" معركة سياسيّة
مدارها على الدّستور الجديد والخيارات الاجتماعيّة والسّياسيّة الخارجيّة،
وباختصار تتجلّى "الإرادة السّياسيّة" في تجنّب الوقوع في قبضة السّياسة
والإعراض عنها. ولقد كانت نقطة الثّبات والارتكاز والوحدة لهذه "الإرادة
السّياسيّة" متمثّلة في شخص الإمام الخميني هذا "الزّعيم الأسطوريّ" الّذي
رغم أنّه كان، في وصف فوكو له، غائبا "لم يكن هنا" بإيران، "ولا يقول
شيئا"، و"ليس برجل سياسة" إلاّ أنّه اضطلع بدور الزّعيم الّذي كان يحرّك
هذه "الإرادة السّياسيّة" ويوحّدها بما ينفي العمل السّياسيّ أو يجعله
عسيرا على الأقلّ. ألا تذكّرنا هذه الطّريقة في وصف دور "الزّعيم
الأسطوريّ" الّذي مثّله في هذا السّياق الإمام الخميني بتحاليل بيار
كلاستر Pierre Clastresفي كتابه "المجتمع ضدّ الدّولة" بصورة الزّعيم في
المجتمع البدائيّ الّذي بتجرّده من كلّ سلطان سياسيّ يهيمن به على
الأفراد، إنّما كان يمثّل تنظيما سياسيّا ينفي قيام كلّ سلطان سياسيّ،
ويمنع في الآن نفسه ظهور الدّولة؟ ألم يكن فوكو وهو يتحدّث عن "الزّعيم
الأسطوريّ"، إنّما يصف "الحدث الثّوريّ" الجاري في إيران آنذاك ويفسّره
بكونه تمرّد مجتمع ضدّ الدّولة (18)؟
مهما تكن رجاحة هذا التّفسير فإنّ فوكو يميل إلى أن يرى في هذه "الإرادة
السّياسيّة" "الجماعيّة" نواة "الثّورة الإيرانيّة" ومرتكزها، بل هي ما
يميّز "الحدث الثّوريّ" بإيران لأنّ لها موضوعا وهدفا محدّدا هو رحيل
الشّاه. غير أنّ إطلاق لفظ "الثّورة" على هذه "الإرادة السّياسيّة" الّتي
كانت تحرّك هذا "الإضراب السّياسيّ" العامّ في إيران كان نادرا عند فوكو.
فهو يستعمل بدل لفظ "الثّورة" (La révolution) ألفاظا وعبارات أخرى مثل
"التّمرّد" (La révolte - l'insurrection)، أو "الحركة الدّينيّة"، أو
"حركة ثوريّة"، أو "الحدث الثّوريّ". ويبدأ لفظ "الثّورة" في الظّهور لمّا
غادر فوكو إيران: "لمّا غادرت إيران كان السّؤال الّذي يطرح عليّ دون
هوادة هو بطبيعة الحال: «هل هي الثّورة؟» (…) لم أجب. ولكن كنت أرغب في أن
أقول: ليست ثورة بالمعنى الحرفيّ للّفظ، أي طريقة في النّهوض والقيام…"
(ص716). بيد أنّه في حواره مع كلار بريارClaire Brière وبيار بلانشي
Pierre Blanchet نراه يسم هذه "الثّورة" بكونها "ظاهرة ثوريّة" مثيرة
للفضول. فهي "ظاهرة يمكن أن نقول إنّها ثوريّة بالمعنى الواسع للكلمة، بما
أنّها تتعلّق بانتفاضة أمّة برمّتها ضدّ نظام يضطهدها. ولكنّنا نعرف
الثّورة حينما نتمكّن من الوقوف على ديناميكيّتين: الأولى هي ديناميكيّة
التّناقضات في هذا المجتمع، ديناميكيّة الصّراع الطّبقيّ أو المجابهات
الاجتماعيّة الكبرى. تليها ديناميكيّة سياسيّة، أي حضور طليعة أو طبقة أو
حزب أو إيديولوجيا سياسيّة، باختصار، حضور رأس حربة يقود معه كامل الوطن.
ولكن يبدو لي أنّه، من خلال ما يجري بإيران، لا يمكن أن نتعرّف إلى أيّ من
هذين الدّيناميكيّتين اللّتين تمثّلان لنا العلامات المميّزة والأمارات
البارزة للظّاهرة الثّوريّة." (744). فمن دون صراع طبقيّ ننزّل في نطاقه
تناقضات المجتمع الدّاخليّة، ومن دون وجود طليعة، يعسر عند فوكو الحديث عن
"حركة ثوريّة".
إنّ غياب كلّ هذه العلامات قد حمل فوكو على عدم إجراء تصوّر فلسفة
التّاريخ الماركسيّة أو الهيغليّة على ما حدث بإيران سنة 1978، أيّ ذاك
التّصوّر الّذي يفترض أنّ نظاما جديدا سينجم من تناقضات المجتمع، شأن
الثّورة الفرنسيّة 1789 والثّورة الثّقافيّة الماويّة وتمرّد شي غيفارا
وصراعه ضدّ الإمبرياليّة الأمريكيّة… بل هو يرفض إجراء هذا التّصوّر لصلته
الوثيقة بفلسفة التّاريخ. فما أبهر فوكو في إيران هو أنّ الحدث الّذي كان
يتابعه يتعلّق في جوهره بـ"ثورة دينيّة"، فـ"لا يحتاج المرء إلى أن يكون
مستبصرا حتّى يتبيّن أنّ الدّين لم يكن شكلا من التّواطؤ، وإنّما هو في
الواقع قوّة، تلك الّتي بمقدورها أن لا تجعل شعبا ينتفض ضدّ الملك وشرطته،
وإنّما ضدّ نظام بأكمله، ونهج كامل في الحياة، والعالم بأسره (…)" (ص760).
وهي ثورة لا تقبل عند فوكو أن تقارن بالثّورات السّياسيّة السّابقة لسببين
على الأقلّ: "إجماع المجتمع" الّذي منع الحرب الأهليّة وصراع الطّبقات
بوصفه محرّك كلّ ثورة، وكذلك "غياب إيديولوجيا" أو برنامج سياسيّ، ممّا
جعل مشكلة الحكم المقبل مفتوحة. فالثّورة من هذا المنظور تحمل عند فوكو
دلالتها في ذاتها، فهي بمثابة رفض جذريّ للسّلطان. ولعلّه لأجل ذلك رفض
فوكو كلّ تفسير ماركسيّ للثّورة الإيرانيّة بمنطق الصّراع الطّبقيّ، ذلك
أنّ كلّ الطّبقات الاجتماعيّة قد تورّطت في التّمرّد ضدّ السّلطة بإيران،
فلا أحد قدّم مطالب اقتصاديّة أو اجتماعيّة… وحتّى المجموعات الّتي كان
نظام الشّاه يدلّلها بما يقدّمه لها من امتيازات كموظّفي خطوط الطّيران
الإيرانيّة وعمّال البترول قد طالبت برحيل الشّاه. وفي ردّه على كلار
بريار، نراه يرفض كذلك مقارنة ما يجري بإيران بالثّورة الثّقافيّة
الصّينيّة لأنّ ما حصل بالصّين يتعلّق بحرب أهليّة، في حين أنّ الأمر في
إيران يتعلّق بـ"إضراب ضدّ السّياسة" شارك فيه كلّ فرد من الشّعب.
فالطّبقات الاجتماعيّة موجودة، ولكنّها تطالب بإجماع تامّ برحيل الشّاه.
فـ"الثّورة الإيرانيّة" هي ثورة سياسيّة خالصة، ولكنّها ضدّ السّياسيّ
ذاته. فهنالك إرادة قد عقدت الإجماع، رغم تنوّع البلد الشّديد واختلافه،
على نقطة سلبيّة واحدة هي أنّ الشّاه ينبغي أن يرحل، وهذا ما كان الخميني
يردّده رافضا كلّ تواطؤ سياسيّ وهو في منفاه بنوفل لو شاتو
Neauphle-le-Château بفرنسا.
*
ولكن أيّ معنى تحمله الثّورة إن لم يتولّد من مخاضها مجتمع جديد سواء أكان
يوتوبيا أم كابوسا؟ فلغز التّمرّد هذا، هذا اللّغز وحده، قد استقطب اهتمام
فوكو. فـ"الحركة" – سواء أكانت دينيّة أم ثوريّة – كانت تشغله لا بوصفها
حبلى بالمستقبل، وإنّما لكونها نفيا للسّياسة، ولأنّها تفكّك وتتجاهل
وترفض وتعصف وتدحض وتنزع شرعيّة السّلطان. فحركة التّمرّد تجرّد
السّلطانle pouvoir من الخطاب الّذي يمثّل "الإرادة الجماعيّة" لأنّها
تقدّم نفسها على أنّها هي الّتي تمثّل هذه "الإرادة الجماعيّة".
فالثّورة تعرّي السّلطان وتجعله متجرّدا من وسائطه الّتي تمثّله. ولأجل
ذلك كانت الثّورة "إضرابا سياسيّا" « grève de la politique » على حدّ
عبارة فوكو. هذا "الإضراب السّياسيّ" هو في جوهره دينيّ، ممّا يعني أنّ
هذا التّمرّد هو دينيّ إن في شكله وإن في محتواه. فقد كان في محتواه
تحويلا للمذهب الشّيعيّ (عودة الإمام المنتظر…) إلى إيديولوجيا سياسية.
أمّا شكله فهو الطّقس: طقس الشّهيد والحداد وتكراره في سجلّ عذابات
الحسين. فالطّقوسيّ هو مسرح يحتلّ الشّعب ركحه ليتخلّص من كلّ محدّداته
الاجتماعيّة. إنّه طقس كالكرنفال الّذي يقلب الزّمان الاجتماعي وقوانينه
الّتي تحدّد منزلة الأفراد وهويّاتهم الاجتماعيّة، فيجعلهم ينهضون بدور
مسرحيّ وسياسيّ جديد يخلّصهم من هيمنة الزّمان الاجتماعيّ وثقل التّاريخ
ويزجّ بهم في زمنيّة أخرى، هي زمانيّة الطّقوسيّ والتّكرار. فالطّقوسيّ
يحيل على ضرب من التّعالي لا يمكن أن يختزل في السّلطان السّياسيّ، لأنّ
السّلطان هو ثمرة التّاريخ، أمّا الانتفاضة فهي لازمنيّة intemporel . فهي
قطيعة مع كلّ السّلاسل السّببيّة والتّحديدات الحتميّة. وهي بهذا المعنى
لا يمكنها أن تكون إلاّ حدثا لأنّها مثله من نسق الانبثاق (باديو).
ولذلك يعلي فوكو من شأن الحدث فهو عنده حرّية، وقطيعة مع الحتميّات،
وقطيعة مع التّاريخ. فالانتفاضة تحرّر لأنّها ممكنة في كلّ وقت، فهي تعيد
للإنسان حرّيته. ومعنى ذلك أنّه لا وجود لثورة إلاّ إذا كانت دينيّة، لأنّ
كلّ ثورة دينيّة تريد في جوهرها تحقيق الجنّة في الأرض. غير أنّها ثورة
مهدّدة دوما بعودة السّياسيّ الحتميّة. فإذا كان هدف الثّورة هو تطهير
السّياسيّ وطرده فإنّ كلّ ثورة منذورة للفشل. فهي مجرّد لحظة مقتطعة من
الزّمن السّياسيّ سرعان ما تزول لتفسح المجال من جديد للسّياسيّ حتّى
يعود، لا باعتباره تنفيذا لوعود الثّورة، وإنّما بوصفه نفيا لفعل
التّمرّد. فتجسّم التّمرّد في شكل سياسيّ، إنّما يعني نهاية التّمرد ذاته.
فهو لا يهدف من حراكه إلى خلق نظام جديد، وإنّما أن يجعل النّظام عاريا
تماما مجرّدا من كلّ شروط وجوده. فعمل التّمرّد ينتمي إلى زمان وفضاء
آخرين ونسق مختلف غير نسق السّلطان السّياسيّ. فليس التّمرّد إنجازا
ليوتوبيا مّا، وإنّما هو إزالة الوهم وأوهام السّلطان. فكلّما كان
التّمرّد منتزعا لكلّ أسطرة وسالبا كلّ قداسة تخصّ السّلطان كان له معنى،
فهو يسمح بفهم إوالياته وفراغه العميق. فالانتفاضة هو هذا الخواء في رحم
النّظام وحدوده (19).
يفضي بنا كلّ هذا إلى أن نتساءل ثانية: هل "المسلم الأخير" هو "الثّائر
الأخير"؟ وبأيّ معنى؟ يشترط فوكو في كلّ ثورة حقيقيّة أن تكون "ثورة
جذريّة في تجربتنا" و"أن تكون طريقتنا في الوجود، وعلاقتنا بالآخرين
وبالأشياء وبالخلود وبالله إلخ أن تتغيّر تماما." (ص749). فالانقلاب
الفرديّ هو مفتاح لتغيّر نظام العالم. بل بالتّمرّد والانتفاضة يمكن
لذاتيّة أيّ كان، لا ذاتية العظماء فحسب، أن تسجّل في التّاريخ وتحرّكه.
فالشّعب الّذي ينتفض هو عند فوكو كالمجنون أو الجانح le délinquant لا
يبشّران بمناهضتهما للسّلطان نظاما جديدا، وإنّما يُكرهان كلّ سلطان على
سماع صوتهما والبحث عمّا يريدان قوله. فهل يكون "المسلم الأخير"، هذا
"الثّائر الأخير"، على شاكلة المجنون والجانح؟
يجيب فوكو وهو يتحدّث عن معنى "الثّورة الإيرانيّة" بهذه العبارة: "إنّها
تمرّد l'insurrection أناس عزّل يريدون أن يرفعوا الحمل الهائل الّذي ينوء
بثقله كلّ واحد منهم (…) ولعلّه أكبر تمرّد ضدّ الأنظمة
الكوكبيّةPlanétaires وشكل التّمرّد الأحدث والأشدّ جنونا." (ص716).
ويضيف في موضع آخر، في مقالة "مخزن بارود يدعى إسلام": "وإنّه لاختيار
حاسم لهذه الحركة الّتي توصّلت إلى نتيجة نادرة جدّا في القرن العشرين وهي
أنّ شعبا بلا سلاح قد نهض برمّته وقلب بأيديه نظاما "شديد البأس". ولكنّ
أهمّيته التّاريخيّة لا تكمن في مطابقته لمنوال "ثوريّ" معروف. إنّما هي
تكمن في الإمكان الّذي به سيقلب المعطيات السّياسيّة في الشّرق الأوسط،
وإذن التّوازن الإستراتيجيّ العالميّ. وفرادته الّتي كوّنت إلى حدّ الآن
قوّته توشك كذلك على أن تصنع فيما بعد قوّة توسّعه. وإنّه لفعل يمكنه،
بوصفه حركة إسلاميّة، أن يشعل الفتيل في كامل المنطقة، وأن يقلب الأنظمة
الأشدّ اضطرابا وأن يثير قلق أشدّها ثباتا. فالإسلام، وهو ليس مجرّد
ديانة، وإنّما نهج في الحياة، وانتماء إلى تاريخ وإلى حضارة، يوشك على أن
يصنع مخزنَ بارود une poudrière هائلا على صعيد مئات الملايين من النّاس…"
(ص761).
لقد قال فوكو هذا الكلام سنة 1979، فهل يكون تنبّؤه بمآل هذه "الحركة" قد
تحقّق؟ وبأيّ شكل؟ ذاك ما يحملنا إلى التّأمّل في ملامح "المسلم الأخير"
عند فلاسفة آخرين شغلهم الإسلام أيضا، وكانت نظرتهم إلى "مخزن البارود"
هذا مختلفة تماما.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
مُشاطرة هذه المقالة على: reddit

لمسلم الأخير أم الثّائر الأخير؟ (3/1) (ميشال فوكو والثّورة الإيرانيّة) :: تعاليق


اخي الفاضل .............
سلمت الانامل التي خطت هذا الجمال .
ونسجت من الاحرف بديع اللوحات
دام عطائك العذب
ودمت نجما لامعا فى سماء الروقان
 

لمسلم الأخير أم الثّائر الأخير؟ (3/1) (ميشال فوكو والثّورة الإيرانيّة)

الرجوع الى أعلى الصفحة 

صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
** متابعات ثقافية متميزة ** Blogs al ssadh :: دراسات و ابحاث-
انتقل الى: