موقع للمتابعة الثقافية العامة
 
الرئيسيةالأحداثالمنشوراتالتسجيلدخول

عدد زوار مدونات الصدح

شاطر | 
 

 سعد القصاب:آيريس مردوخ:العلاقة بين الفلسفة والأدب متمايزة وشديدة الالتباس

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عزيزة
فريق العمـــــل *****
avatar

التوقيع :

عدد الرسائل : 1394

تاريخ التسجيل : 13/09/2010
وســــــــــام النشــــــــــــــاط : 4

07102018
مُساهمةسعد القصاب:آيريس مردوخ:العلاقة بين الفلسفة والأدب متمايزة وشديدة الالتباس




“الكتابة الفلسفية السيئة لن تكون فلسفة على الإطلاق، في حين أن العمل الفني السيئ يمكن أن يعد فناً في نهاية المطاف”- عبر هكذا مقاربات تنطوي على قدر من التفضيل والمقارنة، تعاين الفيلسوفة والروائية الإيرلندية آيريس مردوخ (1919ـ 1999) طبيعة العلاقة المتمايزة، الشديدة الالتباس، المحرضة على الجدل والتفكر بين مجالين خلاقين عمادهما الذهن والخيال، هما الفلسفة والأدب. وهي تفترض وتقدم أحكامها بنبرة واضحة، وصارمة، بشأن التعارض القائم بينهما، أو تحديداً بشأن “الوحدة المفقودة” التي تجمعهما كنشاطين كتابيين، وتفرقهما في آن، بأسباب فرادة الخبرة التي تكتنف كل منهما.
الأدب كظاهرة فنية، ما قبل عقلية، ممارسة تتمثل الحدس والأنفعال والتخيل. الكيان الشديد التحرر من أتباع موقف نظري، والمنغمر في فعل الخلق، وحينما يفصح عن نفسه بصورة مباشرة، من خلال الكتابة كشكل من أشكال التعبير المتفاوت بين الصنعة والتفرد. والذي لا يخلو، كذلك، من نظرات التسامح من قبل الآخر، فيما إذا كان رديئاً ومتهافتاً وضعيفاً، لكنه المؤهل لأن يفعل الكثير. أما الفلسفة، التي تتخذ سبيل الكتابة بصورة دقيقة ومنضبطة، الساعية إلى إيضاح هدفها وغايتها بصراحة، القادرة على كشف الدقائق الجوهرية للأمور، فقابلة لأن تفعل أمرا واحدا فحسب، وفي غياب شبه تام لألعاب اللغة، وتمثيلات الأنا، وفرط البلاغة غير المجدية.
كتاب “نزهة فلسفية في غابة الأدب”، ترجمة الروائية العراقية لطفية الدليمي، الصادر عن دار المدى، بغداد (2018)، هو حوارية بين الروائية والفيلسوفة آيريس مردوخ والفيلسوف البريطاني بريان ماغي، تفصح عن أسباب التمايز بين الفلسفة والأدب والفن، باتخاذ الرواية أنموذجا، وقراءة إشكالية للعلاقة بينهما لجهة ما هو متعين ومحدد في هذين المجالين، والتأكيد على حضور كل منهما بشكل مختلف عن الآخر، وإيضاح الفروق الدقيقة ما بين الكتابة الأدبية والفلسفية. الأدب حين يسعى كي يكون مكتملاً جمالياً، وباعثاً على التخيل والمتعة والاستكشاف، والذي تكتنفه غالبا “الرغبة الدفينة بهزيمة الفوضى في العالم”، والفلسفة بوصفها جهداً تفكرّياً لاستخلاص النظام من هذه الفوضى، وممارسة نقدية تجاه ما هو غرائزي، تلتزم الشك والحذر الدائمين تجاه الخيال ومقاومة ما هو فن فيها.
أمام مثل هذه التوصيفات الحاملة لضلال عدة في الطرح، لا بد من ذريعة للاختلاف في الحوار، ليمضي، كي يؤطر مجال الأدب وبشكل مغاير عما هو كائن في صميم الفلسفة، إذ ليس كل منهما، أي الفلسفة والأدب، تفريعاً عن الآخر أو منتمياً له.
في الفلسفة، هناك أبعد من تمثّلات الأدب وحساسيته الجمالية، بل إن الفيلسوفة والروائية تحذّر من غواية القول وتستبعده من مجالها، فالكتابة “الفاتنة” لا تجعل من الفيلسوف فيلسوفا أفضل؛ حيث “قدرة المجالدة الصبورة على استكشاف معضلة ما هي ما يميز الفيلسوف”. في الفلسفة، تقول مردوخ، لا سبيل للتسامح لكتابة فلسفية سيئة وغير منضبطة، لأن شأنها شأن آخر؛ ذلك أن الفلسفة تبدأ من نقد الاعتقاد، إرباك العادات، معاكسة الغريزة، البحث في المعضلات ومساءلتها، تحديد الإشكاليات، نبش المفاهيم، السعي كما العلم لفهم العالم، ومن دون تفضيل ذاتي ومعايشة وجدانية. لذا تبقى الفلسفة، غالباً، ممهورة بعدم الرضى عنها ومن قبل أناس كثيرين، جراء ما تقوم به، بوصفها تلك الممارسة، الغريبة، التي تتطفل على النشاط الطبيعي للإنسان وميوله الخدرة. وثمة مسعى يكتنفها دائما لاستخلاص النظام، أن تبدي كفاءة في مجالها كي تكون فلسفة، أي المحاولة “لإدراك ونبش مفاهيمنا الأكثر عمومية وعمقاً ورسوخاً”.
فيما الأدب، كما الفن، يبقى منتميا لنمط آخر من الإدراك. إنه حقل واسع يوظف الكلمات بشكل خلاّق، والذي لا يتخلى عن انجذابه الدائم لسحر الخيال الفردي وحريته، كما في إيثار الجاذبية العاطفية وتضمين المشاعر وتمثيل ما هو حسي وحقيقي. صنعة تكتنفها المتعة والمزايا المبهجة الباعثة على السرور. هو إعادة لتشكيل الحكاية للحصول على ما يمكن الحصول عليه من الهناءة. في الأدب هناك قدر من المراوغة من الفضاءات الشاغرة التي تتيح للقارئ إعادة تشكيل رغباته، وملاعبة قريبة وشغوفة مع قوى اللاوعي الكامنة فيها. القادر على تعزيز خيالنا والدخول إلى مملكة الرؤية الخلاقة والحقيقية، بما يتضمنه من قوة محررة تمكن من تلمس ما هو كامن وغامض، بعيداً عن عالمنا الضيق وذاتنا المتقوقعة في مساحاتها الصغيرة. تقول مردوخ: “ليس للأدب مهمة ذات استمرارية طاغية مثلما هو الحال مع الفلسفة، فالأدب في نهاية المطاف هو شيء يستغرقنا ونندفع فيه تلقائياً ولحظياً”، بذلك سيصبح الأدب هو الأقرب إلينا في الحياة اليومية التي نحياها بوصفنا بشراً.
تندرج الرواية كأنموذج لهذا الاختلاف، إذ لا مكان للفلسفة في العمل التخيلي، باعتبار أن الموضوع الروائي أعمق من كونه محض أفكار مجردة، إنه بطريقة ما فضاء يتسع لأسرار غامضة، والتي تلتصق بتلك الصراعات القائمة في الحياة البشرية. فالإفصاح عن نظرية فلسفية على شكل حكاية يبقى أمراً شديد العسر. عدا أن “الفلسفة متى ما اقتحمت في الأدب فإنها تستحيل دمية يلهو بها الكاتب ويحرفها عن مآلاتها المرجوة لها”، باعتبار أن الحكاية الروائية باتت اليوم أكثر انجذابا إلى وعي الكاتب “الذي يرويها من خلال وعي شخصياته الروائية”.
تحمّل آيريس مردوخ الفلسفة رؤية ملتبسة عن الفن، ولقد كان هذا المجال الخلاق ليس سوى “مسألة فرعية صغيرة” بالنسبة للفلاسفة، الذين يتوجب عليهم تكييفها داخل إطار نظريتهم العامة. وترى “أن الكثير من التنظير الفلسفي بشأن موضوعة الرؤية الفلسفية للفن هو مجادلات مفتقرة الى الخيال وتقتصر على وضع رؤية محدودة لإحداهما في مقابل رؤية محدودة للآخر”. إن الفلسفة هنا تمارس دوراً إقصائيا تجاه الفن، بتفضيلها بعض أشكاله، أو الدعوة لإنتاج شكل واحد للفن. فالماركسية، مثلا، نظرت إلى الفن بكونه أداة للثورة الاجتماعية وانعكاساً للحالة الحاضرة عنها، ليس بدافعية الخلق بل كجزء من عملية دعائية ذات طبيعة سياسية وأيديولوجية، متناسية أن الفن، كشكل وحقيقة، هو تمثيلي بقدر ما هو “كينونة مستقلة”.
بدأ الأمر مع أفلاطون الذي “شعر على الدوام إن الفن معاد لكل نزوع ديني مثلما هو معاد للفلسفة”، ومفتقد لدلالة جوهرية، وهو ليس سوى وسيلة لمنح المتعة الذهنية “للجزء الأنوي الأحمق من الروح الإنسانية”. وثمة فن سيئ، لكن بنظر مردوخ لا يمكن اعتباره نزعة سيئة في ذاته، لكنه استخدام سيئ للفن، فيما الفن الجيد هو الجهد القادر على تعزيز الخيال البشري. الفن قوة محررة، رغبة حارقة في استحداث أنماط وتجارب جمالية غير معهودة، موضوع “يدور حول العالم ومسوغ وجوده هو ترسيخ معرفتنا بالعالم”. هو بنظر شوبنهور رؤية بالغة العمومية وبالغة الخصوصية معاً. هذا الفيلسوف الذي كان بخلاف أفلاطون قد وجد إن للفن قيمة جوهرية أساسية في الحياة الإنسانية، والذي باستطاعته أن يقول أشياء بالغة الأصالة بشأن تلك الحياة، ويجعلنا نمسك بفيض تيارها الهادر، وأن “نرى العالم الحقيقي من خلال الصدمة المقترنة بأية تجربة جمالية”.
ما بين ظلال هذه الرؤية ذات النزعة التفاوضية تفترض الروائية والفيلسوفة آيريس مردوخ أن الفنانين، برغم ذلك، لا يعيرون الكثير من الاهتمام إلى الفلاسفة، لكنها تصرّح “أن من الممتع أكثر هو أن يكون المرء فناناً بدل أن يغدو فيلسوفاً”.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
مُشاطرة هذه المقالة على: diggdeliciousredditstumbleuponslashdotyahoogooglelive

سعد القصاب:آيريس مردوخ:العلاقة بين الفلسفة والأدب متمايزة وشديدة الالتباس :: تعاليق

لا يوجد حالياً أي تعليق
 

سعد القصاب:آيريس مردوخ:العلاقة بين الفلسفة والأدب متمايزة وشديدة الالتباس

الرجوع الى أعلى الصفحة 

صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
** متابعات ثقافية متميزة ** Blogs al ssadh :: اخبار ادب وثقافة-
انتقل الى: