موقع للمتابعة الثقافية العامة
 
الرئيسيةالأحداثالمنشوراتالتسجيلدخول

عدد زوار مدونات الصدح

شاطر | 
 

 عزيز العظمة سوريّة والصعود الأصولي: الأصوليّة والطائفية والثقافة (3/1)

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عزيزة
فريق العمـــــل *****
avatar

التوقيع :

عدد الرسائل : 1394

تاريخ التسجيل : 13/09/2010
وســــــــــام النشــــــــــــــاط : 4

07112018
مُساهمةعزيز العظمة سوريّة والصعود الأصولي: الأصوليّة والطائفية والثقافة (3/1)


   1 – الأستاذ عزيز العظمة، كل التحيّة لك، وأشكرك جزيل الشكر على قبول الحوار. أنت غني عن التعريف؛ فاسمك وجهودك النقدية والتاريخية يشهدون على ذلك. لكنْ اسمح لي أنْ أقدم تهانيّ على صدور كتابك الأخير «The Emergence of Islam In Late Antiquity, Allah And His People, Cambridge University Press, 2014»، والذي يأتي في ظل فوضى نقدية ودراسية هائلة تشهدها ميادين الدراسات الإسلامية، وتحديداً في مسألة صعود الإسلام. ورغم الرغبة الشديدة الّتي تنتابني في الحديث عن هذا الكتاب القيّم، إلا أنّه بسبب ضغط اللّحظة التاريخية الّتي تمرّ بها بلاد المشرق، على رأسها سورية، فإنّني أحب الإفادة منك ومن خبرتك في تحليلك التاريخي في الحديث عما تشهده هذه البلدان حيال ظاهرة «الصعود الأصولي».

   إله فقط بإمكانه إنقاذنا الآن(1)». هذه الصرخة كان مارتن هايدغر قد أطلقها مرةً. ورغم أني أقدّر ربما نفورك منها، أو من أشباهها، إلا أنّها صرخة ما بعد الحداثة، صرخة عدميّة، صرخة نبيّ كبير من أنبياءها. اليوم أستذكرها بغية غايتين: الأولى، في سبيل إثارة بداية الحوار؛ حيث أُطلقت في مراحل منتصف القرن العشرين، أي في الوقت الّذي بدأت فيه الأصوات تعلو معلنةً فشل مشروع الحداثة في مقابل صعود الظاهرة الدينية شرقاً وغرباً، الصعود الّذي عُبّر عنه لاحقاً في استحقاقات ما بعد الثورة الإيرانية، حكم رجال الدين، ثم ما جرّته مسبحة الأصولية في التسعينات، إلى عمليات سبتمبر، ومن ثم ما شهده العراق، وصولاً إلى ما تشهده اليوم مناطق المشرق، رغم أنف ما يسمى بـ«الربيع». وبالفعل، فقد كان المدّ الأصولي خير تعبير، عند تلك الأصوات، وأكبر عنوان على فشل الحداثة.

   الثانية، أستذكر جملة هايدغر وأنا اليوم أقرأ جملاً تقول أنّ «الربّ قد عاد إلى الشرق الأوسط (2)»، هذا رغم اختلاف السياقات التاريخية والمفهومات. إلا أنّها، مرة أخرى، جملٌ تصعد في ظلّ هذا المدّ الأصولي الكاسح في البلاد الإسلامية. حيال مثل هذه الجمل، وغيرها الّتي تنتشر في هذه الأيام على نطاق واسع، كيف تقيّمها في ظل المدّ الأصولي؟

   – إنّه لنذير شؤم أنْ نبدأ الحوار مع هايدغر، على الأقل إذا كنّا نسعى إلى الوضوح، لا الإبهام، فيما يتعلق بالقضايا ذات الأهمية. ربّما قد نتحدث عن هايدغر في وقت لاحق إنْ أردتَ؛ لكن الآن، دعنا نحاول ونفكر سويةً على نحو خلاق بطريقة قد تساعدنا على فهم الأحداث الجارية في سورية، في سياقها الأوسع، وهذا ما يدعو إلى تفكير جديد بدلاً من استخدام مفاهيم وقضايا مثل الحداثة والتحديث وانتقام مختلف الآلهة والمصائر والمنايا في اللعب معنا واللعب بنا. إننّا بحاجة إلى لغة مناسبة: لكن دعني أقول في البداية أنّ المفاهيم الأقدم في هذا هي بالغة الأهمية، ومقاصدها كذلك مهمة وحاسمة، وينبغي أنْ نعود إليها في مرحلة مّا، ليس أقلها، دحض الأطروحات الشائعة حول فشل التحديث والحداثة. إنه طرحٌ سهلٌ، و مناسب و ملائم للعقول الكسولة أو العقول الّتي تبتغي ذلك عن قصد (وهناك أسباب كثيرة لسوء الإدراك المتعمد هذا بين المثقفين العرب من دون التقليل من أهمية الكسل الصرف والبسيط)، إنّه تبسيط شديد فظيع، وهو ببساطة خاطئ تماماً وتمثيلٌ زائف لهذه المسألة. هكذا أيضاً مسألة «عودة» الدين؛ فإنها لا تصمد أمام النظر والتحريّ، لكنْ يتم إعادة اختراعها بطرق مبتكرة، وخاصة بين المسلمين.

   لغة جديدة: إننّا بجاجة إلى لغة جديدة طالما أننّا نتعامل الآن مع ظواهر جديدة، ظواهر اعتبرت وكأنّها لا تستحق النظر، وكأنهّا مجرّد انحرافات عن السوّية، مثل فشل الدولة، والفاعلين السياسيين والاجتماعيين خارج نطاق الدولة، وبروز وتوسع نفوذ الجهادية المتطرفة، من الجزائر منذ أكثر من عشرين عاماً إلى أفغانستان والشيشان والصومال واليمن وشمال أفريقيا والزرقاء والكرك، إلى الرقة والموصل وأماكن أخرى. هناك ظواهر اجتماعية تُناظِرُ الأخيرة هذه في خروجها على بنى الإنتظام الدوليّة و القانونيّة و غيرها من البنى الرسميّة ، و بالتالي إستعصاؤها على المسارات التحليليّة المعتادة والمبتناة على إفتراض التنظيم والتمأسس الرسميّين:ظواهر مثل عصابات المخدرات في كولومبيا أو الجيوش الميليشياويّة في وسط أفريقيا (حول مناطق الثروات المعدنية في الكونغو وغيرها) و في غربها حتّى زمن قريب، وفي المثلث الذهبي في جنوب شرق آسيا، حيث نجد حركات لا تزال قائمة على تجارة المخدرات نشطة ومتماسكة كانت قد رعتها وكالة الاستخبارات المركزية سي آي إيه من الستينات في لونغ تينغ في شمال لاوس. إنّ العديد من هذه الجماعات (وربّما كلّها)، بما في ذلك الجماعات الإسلامية، لها أو كان لها اتصال مع الـ سي آي إيه، أو على الأقل بعض الأجهزة السرّية الأخرى الّتي عملت بمثابة داعم أساسي ولوجستي لها. لكل فاعليات هذه الجماعات أسس إقتصاديّة واضحة وأساسية.

   بعبارة أخرى، لدينا ظواهر نتجت عن وضع حيث «اللارسمي» (الاقتصاد غير الرسمي أو “الأسود”، من خلال شبكات المافيات، أو السياسات اللادستورية ذات الوزن الغالب للأجهزة الأمنية- لكن أيضاً، ولا ينبغي علينا أنْ ننسى هذا، العديد من المظاهر الراهنة للأسواق المالية -الخارجة على القانون ولكن المتمتعة بحماية سياسية، من أنشطة صناديق التحوط والاقتصاد الافتراضي والتجارة الإلكترونية السريعة جداً في الأسهم والأموال) يتطلب منا اليوم اهتماماً أكبر من «الرسمي»، مع نتائج أكيدة لفهم العلاقة بين النظام القانوني الرسمي والأساليب و البنى غير الرسمية من التنظيم. وعلى نحو متلازم، لدينا أوضاعاً غدت فيها نسب وتوازنات الأهمية النسبية للمركزي والهامشي مشوشة: إنه وضع الانكماش البيّن لعناصر وأدوات الترابط والتكامل المركزية (سواء أكان ذلك جغرافياً أو اجتماعياً أو اقتصادياً أو سياسياً)، وتوسع مدى الهوامش بكافة معانيها وانقلاب بعضها على المركز مشكلة ترتيبات جديدة وانقلاباً نوعياً في الاوضاع الّتي كنّا قد اعتدنا عليها وتدرّبنا على النظر فيها. وفي مسام إنحسار النظم الدولتيّة وغيرها، تقوم نظم تدير التوحّش إنطلاقاً من بقايا النظم السابقة الجغرافية والبشريّة والعمرانيّة والبتروليّة والمنجميّة.

   إنّ أوجه التشابه بين الحالات الّتي ذكرتُها (وسوف أنحي جانباً حالياً الأيديولوجية) لهي مهمة وعديدة، وقد نُظر إليها بازدراء من قبل المراقبين، تم اعتبارها على أنّها مجرّد حالات غير سويّة ملؤها الإجرام والانحراف، ولم تؤخذ على محمل الجدّ بما فيه الكفاية، ولم يتمّ التعامل معهما بأدوات ولغة ملائمة لفهمها. فإن المشترك بينها هو، أولاً، أنّها حركات تعيد إنتاج نفسها وتستمر في أوضاع تناحريّة. و أنّها ظواهر بنيوية مرافقة لضمور أو تهتّك أو للإنهيار الكارثي لبنى وميكانيزمات ضبط وتماسك سابقة عليها باستخدام مادّة هذه البنى السابقة الإقتصادية والبشريّة. كما أنّها تشترك (وهذا مهم للغاية) بميزة أنّها تأتي من اللامكان. فما حدث في شرق سورية في الأشهر الأخيرة كان تماماً غير متوقع ومن غير المرجح على الإطلاق: هكذا، فقد أصبح غير المحتمل وما كان عصيّاً على التصور، من يوم لآخر، أمراً واقعاً. هذا تصور للأمر يؤكده تنظيم داعش الّذي له خاصية الكابوس- وغالباً ما تعيق الكوابيس الفهم وبشكل آخر تتحداه ، لهذا يحتاج المرء أنْ يبقى متزناً في مثل هذه الأوضاع. إن لداعش علاقة غريبة مع المكان، كما يفهم عموماً: أي المكان بكونه ليس مجرد إحداثيات خطوط طول وعرض، أو مجرد اسم، ولكن المكان بها هو نظام مستديم من العمران ومن البشر والحجر ضمن شبكة من الأماكن المرتبطة معه. وفي المقابل، ليست هذه الحركة مجرد جيوب متّصلة فحسب، أُخذت غالباً بالعنوة، بل هي تنشأ من اللامكان وتصدر عنه، هذا رغم أنّها حينما تتشكل تقوم ببناء علاقات محليّة، وهي علاقات، بحكم طبيعة الأشياء، هشّة وغير مستقرة؛ وهذا يعود، ليس أقلّه، بسبب أنّ هؤلاء الدواعش آتون من اللامكان – للعراق بهذا الاعتبار، بالمناسبة، وضع آخر.

   علاقات هشّة وغير مستقرّة: هذا إذا لم توّلد داعش وما شاكلها من داخل الحركات الجهادية عناصر داخلية للاستمرارية والتجذّر ومن المقدرة على الاستنساخ الذاتي محلّيّاً: غالباً المال والأسلحة والانضباط ومناطق فارغة لحكمها -شريطة أن يتاح مستمر من الزمن كافٍ للاستقرار على وتائر وممارسات قابلة للاستنساخ ثمّ الاستقرار لدى قطاعات محوريّة من المحكومين أو للاستقرار باعتباره نسقاً لهيمنة وإدارة للفوضى. لدينا لدى الحركات الجهادية (وهذا واضح جداً في سورية) انشقاقات مستمرة وصعود وهبوط لحركات، مثل انشقاق «أحرار الشّام» في ريف دير الزور والاندماج مع داعش ومثل التداخل المنظور في مخيم اليرموك في نيسان 2015، ثمّ الاندماجات والتحالفات في ربيع2015. دعنا لا ننسى أنّ البيعة (تاريخياً وفي استخدامها الحالي من قبل داعش أو عائلة الأسد أو آل سعود) هي إشارة على الخضوع وليس الشراكة. وهذا قد ينشأ عن اتّقاء الشرّ، أو لغياب سلطة أخرى، أو بالتواطؤ، كما شاهدنا في الموصل وجبل سنجار، حيث انتهز بعض السكان هذه الفرصة لسلب الأملاك والبضائع والأراضي العائدة لجيرانهم. إنّني أذكر كل هذا لأقول أنّ داعش ليس لديها على نحو كبير بيئة حاضنة بقدر ما لديها بيئة غير ممانعة و في بعض الأحيان متواطئة. وعلاوة على ذلك، المهم ألاّ ننسى أنّ شرق سورية قد تصحّر سكانياً نتيجةً لتطورين اثنين في السنوات الأخيرة: الأزمة الزراعية، ومن ثمّ، بالطبع، العنف الّذي حلّ منذ سنة 2011 والّذي ربّما كان قد آزر وعورة الطباع في بعض البوادي والأرياف، وأخرجها من عُقالها. وأخيراً، إنّنا بحاجة إلى أنْ نتذكر أنّ داعش، رغم اندماجها مع الطائفية في بعض الأوساط وفي ظلّ ظروف معينة (لا سيّما في بعض أجزاء من العراق) فإنّها لا تسلب وتقتل وتسرق وتهجّر وتطرد المسيحيين والشيعة فحسب، بل إنّها تقوم بمثل هذه الشناعات ضدّ السنّة من غير الموالين أيضاً. وفي الواقع، إنّ العشائر الّتي قدمت البيعة في أجزاء من سورية تعي تماماً هذا الأمر.

   وبالرغم من قدوم هذه الجيوش الخاصة من اللامكان، في العالم العربي كما أيضاً في لاوس أو الكونغو أو كولومبيا، فإنّها قد نجحت بدرجات متفاوتة في الاستمرار والدفاع عن الجيوب والمناطق الّتي استقطعتها. لدى البعض منها طموحات أيديولوجية في جعل هذه الأراضي يوتوبية، حيث تحاول تحويل الأراضي الّتي تسيطر عليها من لا مكان إلى مكان يوتوبي قادم (هكذا، نجد أنّ داعش وما ناظرها تريد خلق أطفال مجاهدين متطبّعين بالقتل وكذلك استيراد مقاتلين، فضلاً عن مجاهدات النكاح، وإعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية والسلوك الشخصي، بل الدين الإسلامي على صورة غريبة غير مألوفة، مع جرعة قصوى من السُمّية الّتي تحملها جميع الأديان التوحيدية)، في صراع دائم مع العالم الخارجي الماثل أبداً كنقيض ترسم بموجبه صورة الذات. إنّهم يتوسلون ويستندون إلى مفهوم وحشي للهوية، وهو مزيج من طائفية محلية حادة ممتزجة مع جيلٍ في سورية والعراق لم يشهد إلاّ القليل مما إبتعد عن الوحشية والبؤس. هم يستندون أيضاً في الخطاب والتعبئة إلى نتائج التعددية الثقافية الأوروبية، وهي تمثل تصوراً عن الذات باعتبارها متفردة ومتوحدة ومستوحشة، على نحو جمعي. ومعظم تلك التنظيمات تجعل من أفرادها، ومنهم الأطفال أيضاً، متوحشين على نحو كامل ومقصود، وذلك من أجل زيادة التماسك الداخلي والتأكيد على التمايز النوعي بل الجوهري وحدّة الانفصال عن الخارج. لقد ظهر هؤلاء ذوي الهوى الإسلامي مع مسرح سياسي مغرق في الإغراب، شاهد على خيال محدود مشدود نحو بورنوغرافيا دموية. كما أنّهم يعملون على إعادة التنشئة الاجتماعية للأعضاء كلياً وذلك على صورة تسمح بتفكيك الهيئة الاجتماعية والروابط الاجتماعية السابقة على الانتماء لهذه الجماعات، وتفكيك الشخصية الفردية ودمجها في كتلة من الغوغاء لا حدود لمطالبها: إنّه انتقال من الإنساني إلى الوحشي لتحقيق الكمال. نجد دوماً في سياق هذا الضرب من التنشئة الاسلامية المستأنفة سلوكيات تتبدى فيها الفظاظة أو قلّة الأدب على أنّهما من باب الالتزام بالواجب الديني: الزجر والتدخل في شؤون الآخرين، مثلاً، أو التمنّع عن مصافحة الأفراد من الجنس الآخر.

    2- هل من الممكن أنْ نحدد النقاط أكثر، علّنا نعود إلى الظاهرة الجهادية، تحديداً، الّتي تغزو سورية اليوم بكثافة كبرى أكثر من أي وقت مضى؟ ما الّذي يمكن أنْ تقرأه من مفهوم «الأصولية» نفسه إذن، وبخاصة في ظلّ التخبط الكبير الّذي يُستخدم به عالمياً ومحلياً؟ وإنْ بدا هذا السؤال عاماً جداً، وربما استسهالياً، إلا أنّنا بحاجة إلى القليل من الوضوح في ضبط الاصطلاح نقدياً، ونحن نستخدمه في بداية هذا الحوار. ومن جهة ثانية، إنّنا، بالفعل، أمام ظاهرة أصولية شديدة التعقيد، أخطبوطية في سياقتها الّتي تعمل بها، ما إنْ تركن بأرض حتّى تستقبلها أخرى، تصعد من اللامكان، كما ذكرت وركزت…الخ.

   – يشكل سؤالك هذا فرصةً جيّدة يمكن من خلالها الانتقال من العام إلى الخاص. ما هي الأصولية؟ لقد اكتسبت هذه اللفظة معنًا اصطلاحياً يشير إلى أشخاص أو جماعات أو أمزجة وأهواء تنطوي على مفارقات تاريخية وتستند إليها، وتُسلّم ببدايات وتفترض بدايات كاملة وناجزة (في معظم الأحيان على نحو خيالي) لجماعة معينة – أي الأمّة في كلا المعنيين: الأمّة الوطنية والجماعة الدينية (اشتراك في المعنى يقود إلى غموض عام وتشوش أو ازدواجية في العربية) أو الطائفة أو أي شيء يُتخذ على أنّه جماعة طبيعية ما قبل سياسية. تتم مناقضة صورة هذا العصر الذّهبي بصورة حاضر فاسد منحط جاهليٍّ. وأخيراً، إن القيام بمحاولة لإعادة تكوين الحاضر على صورة العصر الذّهبي واستئناف البدء السمة المميزة لهذه الأصولية. تكمن المفارقة التاريخية في افتراض أنّه يمكن الرجوع بالزمان إلى الوراء، وأنّ التغير الّذي حدث على امتداد أكثر من ألف سنة هو وهم أو على الأقل قابل للرّد وللدحرجة الى الوراء. وليس من قبيل الصدفة أن كل الحركات الأصولية الّتي تستولي على السلطة السياسية أو تحاول الوصول إليها تحتاج إلى ممارسة درجة هائلة من العنف ضدّ المجتمعات الّتي تسيطر عليها، ذلك أنّها تفترض أنه هناك جوهر مّا في هذه المجتمعات، جوهر بحاجة إلى إعادة النشأة ضدّ تحولات التاريخ و ضدّ الواقع، وأن إعادة التنشئة هذه إنّما هي عملية تقويم واستعادة للأصول القارّة. سوف أحجم عن الحديث حول التّقدم والنكوص في الوقت الراهن وقد أعود إليه لاحقاً.

   إنّ هذا الاتجاه متضمن في جميع الأديان التوحيدية، الّتي تشير إلى الكتب المقدسة وإلى بعض الحوادث والعِبر والشخصيات في الماضي، سواء كانت حقيقية أو متخيّلة، كنماذج إيجابية أو سلبية. ولكن حتّى الإصلاح البروتستانتي، وعلى الرغم من انتشار الدعوة إلى العودة الحصرية والشاملة الى الأصول في سياق الحكم على الحاضر، فقد كان من النادر جداً وفي أقصى الهوامش فقط أنْ يؤخذ هذا الأمر على محمل الجدّ على صورة منهجية — المثال الافضل لذلك هو المملكة المعمدانية في مدينة مونستر الالمانية (١٥٣٤-١٥٣٥) الّتي قامت على الاحتذاء بتفاصيل العهد القديم السلوكية حذو النعل بالنعل و الّتي تتبيّن فيها تناظرات أساسية مع رقّة أو موصل داعش. ليس هناك مسلمون قبل عصر الحداثة أو الإصلاح الإسلامي (الّذي يماثل البروتستانتية في نقاطها الأساسية) قد سعوْا إلى استمداد نظام سياسي من القرآن، هذا رغم أنّ نصوصاً من القرآن قد استخدمت دوماً للجدال في كل أنواع المسائل، ولإضفاء الشرعية على هذه الحجّة أو تلك في السياسة و في غير السياسة .إن أول من قام بذلك، أي باستلال نظرية سياسية ونموذج سياسي من القرآن بشكل منهجي كان سيّد قطب — وإن أول من بنى نظرية شاملة ومتكاملة في السياسة كان الأسقف بوسّويه Bossuet (المتوفّي عام 1704)، واعظ الملك لويس الرابع عشر، وباني نظرية الحق الإهي للملوك انطلاقاً من الأناجيل في عصر الاصلاح الكاثوليكي.

   يحتاج المرء لأنْ يميّز بين اتجاهين في سياق الإشارة إلى الأصولية الإسلامية – ينبغي دعوة الاثنين بالسلفية على كل حال. الاتجاه الأول كان إصلاحياً في تراث سلفية محمد عبده، الّذي اعترف بواقع وشرعية التّحول التاريخي، وسعى إلى ملائمة خطابية بين واقع التحوّل ومناط الأصول، ومنها أساساً القرآن الّذي نظر إليه بكونه منفتحاً على تفاسير تتطور مع الوقت، أو بالأحرى ذهب إلى أنّ النّص يمكن أن يفهم ضمناً على هذا النحو لاستيعاب المدلولات الأساسيّة للحداثة. وقد استمر هذا الاتجاه عند دوائر واسعة من المثقفين والسياسيين واندمج في الإسلام الرسمي (سعد زغلول وقاسم أمين وطنطاوي جوهري من أعضاء حلقة عبده المباشرة مثلاً؛ الأزهر لاحقاً في أوضاع معينة، خصوصاً في عهد عبد الناصر) حيث أخذ يتطور في البلاد العربية الأكثر تقدماً، على الرغم من أنه — أي اسلام الدولة — في العقود الأخيرة اتّخذ مواقف محافظة بشكل متزايد من أجل حماية أطرافه المنفتحة على أفكار أكثر راديكالية وأصولية. أمّا الاتجاه الثاني الّذي ابتدأ فعلاً مع رشيد رضا، فهو ما يمكن أنْ يسمى على نحو دقيق بالأصولية: وهنا فإنّ الفهم الحرفي للقرآن (وغيره من النصوص المعتمدة) أو ما قارب هذا الفهم أو ادّعاه هو المبدأ الموجه، كما أنّه باعتبار هذا النزوع وهذا الهوى، فإن الواقع والممارسات الاجتماعية والقانونية وغيرها من الممارسات الفعليّة تحتاج إلى أن تقوّم بحيث يتم لها التطابق مع ما تمّ اختياره ليكون أصلاً، لا أنْ يكون الأمر بالعكس. وقد أقرّ سيّد قطب بهذا بشكلٍ واضح، حين قال بالجاهلية وبالتكفير، كما أنّ الأشكال الأصولية الأكثر تقادماً الّتي توسعت في الثلاثين سنة الماضية تندرج هي أيضاً ضمن هذا الإطار. ولئن كان تنظيم داعش من النمط الأخير، وكذلك بالطبع الإخوان الوهابيين القبليين وعلماء عبد العزيز بن سعود وخلفاؤه (لقد ثار أولئك الإخوان، من بني مطير وجماعات أخرى، لاحقاً ضد عبد العزيز، وقمعوا في 1929-1930، وقد أدرجت الجماعة المهزومة وأهلها وأقاربها في وقت لاحق في الحرس الوطني السعودي)، فإن جماعة الإخوان المسلمين (وخاصة منذ السبعينيات) تدمج هذه النزعة الحرفية المتقادمة في فهم القرآن مع استعمالات اصطلاحية مستمدة من الإصلاح الإسلامي في القرن الفائت.

   يتضاعف الأثر إن أضفنا عنصر الجهادية المقاتلة إلى هذا الخليط. بنت الجهادية المقاتلة هذه على الشكلين التنظيميين الّتي أُخذت عن الإخوان (التنظيم السرّي والاستعداد للقتل المرتبط بالتضحية والشهادة)، كما بنت على التمدد الفكري والثقافي لجملة من المواقف الإخوانية الّتي تدّعي للمسلمين طبيعة معزوّة وسجيّة حصريّة وتامّة التميّز والتمايز من جهة، وتشير الى الذات الفئويّة هذه، أي إلى جماعة الاخوان المسلمين الإخوان على أنّها تجسيد تامّ وحصريّ لهذه الطبيعة من جهة أخرى. يضاف إلى هذا نزوع الإخوان تالياً لسيد قطب إلى القول بالتكفير و لشكري مصطفى للقول بالجهاد فريضة مغيّبة في المجتمع الجاهلي. ليس لهذا أية سوابق في تاريخ المسلمين، بصرف النظر عن الخوارج والوهابية (الّذين وصفوا من قبل المعاصرين لهم بأنّهم خوارج).

   3- أحب أنْ أشير إلى مقولة مهمة لك تطبع في ذهني، وهي أّنه «من غير الممكن وجود أية حركات إحيائية إسلامية دون وجود كثرة مصاحبة لها من “اللاإسلام”(3) (التأكيد من عندي). هل هناك من شيء تعدله أو تضيفه إلى هذه الجملة فيما يخص كيف تصعد الأصولية؟ هل بالفعل لأنّ الإسلام قد تحول إلى مجرد فلكلور شعبي، إسلام فلكلوري مدنس، فلكلور يتطلب تطهيراً مّا؟ هل أنّ هيجان وكثافة الحركات الأصولية الإسلامية، يعني كثافةً في المدنس؟

   وبإشارتك وردك على دعاوى الأصالة الثقافية والنزعات القدرية في الثقافات، فإنّ هذا يدعوني أنْ أدخل في المحور الثاني من هذا الحوار. سننحي قليلاً مسألة العلاقة بين الأصولي والثقافة الواسعة والحاضنة، وندخل بهذا الإشكال: بعيداً عن الإشكالات العضوانية في النظر إلى الثقافات الأخرى بكونها تسير في مسار ثقافي أو حضاري محتوم بحتمية الأصل والاحتكام الأبدي إليه، هل أنّ ردَّنا ضدّ مقولات «العقل الإسلامي» (الأصيل) وما إليه، يدعونا بنفس الوقت إلى إنكار قضايا مهمة عادة ما يطلق عليها بـ «العقل الأصولي»، «الثقافة الأصولية»؟ وعلى نحو أكثر تحديداً أليس للأصولي «سواراً ثقافياً Enclave culture» إذا ما استعرنا هذا التعبير من الأنثروبولوجية ماري دوغلاس، سواراً يسجن الأصولي به نفسه ويعزله عن المحيط العام، يتخيل وينمط من خلاله العالم من حوله، يخترع الأعداء من خلاله؟ بالطبع من غير أنْ نعزل هذا السوار عن الحركة التاريخية وتأثير التاريخ به بكل ما يحمله من أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية، وكذا أنه لا يمكن أنْ يستقيم بماهية وخاصية ما من غير السُلط الّتي تسنده…الخ.

– القول الّذي تستشهد به عن امتناع تحديد الإسلام كقوّة ديناميكية بوصفه كياناً قائماً بذاته متقوّماً بها دون احتياج هذا التحديد الى التضاد والفصل الّذي ينطوي عليه أي تعريف (ودعنا نتذكر أنّ الوصف الكلاسيكي لأي تعريف يتناول كلاً من الجمع والمنع أي الاشتراك والانفصال) لهو قول أزكّيه و أحدده تاريخياً. ففي بدايات الحركات الإصلاحية الإسلامية وعمليات التحديث في أراضينا، كان مناط الخطاب الاصلاحي يتناول تحديد الإسلام النقيّ الخالص الاصلي المتقبل لمتطلبات الحداثة في مقابل إسلام الخرافات، الإسلام الميّت والمتخشب، والّذي يتمثل في انعدام المرونة والإبداع، وقبوله المعتقدات بالفعالية السحريّة لأضرحة الأولياء الأموات وممارسات أخرى كثيرة (وكان ذلك بالغ الشيوع بل كان النمط الأساسي للتدين في ذلك الوقت ولم يكن مجرد فولكلور أو ديناً شعبياً كما قد يقال اليوم). ومع الوقت، فقد انحسر العديد من هذه الاعتقادات والممارسات مع التطور الّذي كانت تشهده مجتمعاتنا، بشكل متفاوت السّعة والعمق من حيث العمران والفئة الاجتماعية والتعليمية والريف والمدينة، والمنطقة الجغرافية وهكذا دواليك، كما هو حال جميع العمليات التاريخية في كل مكان.

   إنّنا ونحن ننظر إلى العملية هذه يتعين علينا الانتباه، ونحن نتناول ما يدعى بـ«عودة» الدين، إلى آثار العمليات الكونية للتّحول: أي تنامي التمايزات الوظيفية في المجتمع بين الأنماط المختلفة من الأنشطة ذوات الطبائع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والقانونية والتعليمية وغيرها. وكان من نتائج العمليات الاجتماعية هذه تهميش مؤسسات الدين، مرّة أخرى بوتائر وأعماق متفاوتة: استبدال المدارس الدينية ودور الحديث بالجامعات والمدارس الحديثة، وظهور الأنظمة القانونية الحديثة والتشريعات المدنية بدلاً من المحاكم الشرعية (حتّى قانون الأحوال الشخصية، الّذي يستصلح عناصر مهمّة من الفقه، فهو يُطبق في معظم الحالات من قبل قضاة مدنيين في محاكم مدنية)، والاستعاضة بالجغرافية عن جبل قاف، وبالتاريخ عن عاد وثمود، وبالطبّ عن «الطبّ النّبوي» والرقى والعزائم والزار، وبعلم الفلك عن السماوات السبع، وهكذا دواليك. وبالتلازم مع هذا، أخذنا عموماً بالدساتير والمراسيم بدلاً عن الفتاوى، والبنطلون بدلاً من القنباز، والطربوش الّذي تلاه رأس حاسر بدلاً من العمامة، وبطبيعة الحال، السيارات بدلاً من الحمير (فضلاً عن الطائرات) وفي وقت لاحق، شبكة الإنترنت بدلاً من الجنّ. ودعونا لا ننسى المفاهيم الحديثة نسبياً عن الأمّة، والتوجهات السياسيّة والأيديولوجيّة الجديدة، وغلبة دوافع السلوك الفردي والعام الّتي لا تستخدم قاموس العبارات والمفاهيم الدينّية في الافصاح عن نفسها. إنّ هذه حقائق وليست أوهاماً ولا حتّى إملاءات من جانب القوى الكولونيالية كما يدعي الإسلاميون وأولئك الّذين يركضون وراء الحلول السهلة، وليس النكوص الّذي شهدناه في ربع القرن الماضي بقادر أن يكذب هذا ولو أنّه يعمل جاهداً على تأكيد نفيه، وعلى الرغم من تناسي البعض منّا ما شهدناه ونشهد عليه ممّا كان منذ عقود ثلاثة أو أربعة، أو نزوعه إلى تلوين الماضي القريب بألوان أهواء الحاضر الماثل أمامنا اليوم.

   وبالنظر إلى ذلك مجتمعاً، فإنّ مسار تلك التحولات تشكّل موضوعياً عملية العلمنة. ودعونا لا ننسى أن العلمنة هي دينامية موضوعية كونية، ولم تكن سوى في حالات نادرة أيديولوجيّة صريحة للدولة (كما في فرنسا وتركيا والمكسيك والبلدان الشيوعية السابقة). لا ينبغي التبسيط إذ أن هذه الدينامية الموضوعية كانت عموماً معقدة. ففي بلد مثل بريطانيا، وهو البلد الّذي ربّما كان أكثر البلدان علمانيةً في العالم، ما زالت هنالك ملكة تحكم بفضل الربّ وعنايته وتترأّس كنيسة دولة. للولايات المتحدة الأميركية، الّتي تعد نسبة التدين والممارسة الدينيّة فيها من أعلى المعدّلات في العالم، دستور علماني. لقد كان للتمايز الاجتماعي الوظيفي الّذي أشرنا إليه في سياق الكلام حول ديناميات الحداثة نتائج أخرى: حيث إنّ تهميش الدين قد سمح للدين أن يعّرف ذاته على أنّه وحدة متمايزة وظيفياً وأن يكتسب استقلالية وأتاحت له أن يغدو كياناً مستقلاً بذاته متجرداً عن ديناميات المجتمع. وهذا ما سمح أنْ يعاد تحديد الدين كنظام ونموذج لمجتمع بديل يتجاوز ويغاير ديناميات المجتمع (وفق هذا التحديد ومن حيث الدين كما أعيد صياغته) الفاسد والمحتاج إلى تقويم- تقويم تمتد أشكاله على طول سلسلة متصلة من الشدّة والمرونة من الإخوان المسلمين إلى داعش.

   لهذا، فإنّ الدين الّذي تشير إليه في سؤالك قد تغير: انتقل من العمل على إصلاح فساد الإسلام المعاش إلى وسم المجتمع المحيط بالدين المتجرد عن الممارسة الاجتماعية بالفساد والجاهلية. وهذا يعيدنا مباشرة إلى سؤالك مرة أخرى، السؤال الّذي يتعلق بالقطائع الثقافيّة، وهو ما أرغب أنْ أدعوه بـ«الثقافات الفرعية» – وهنا فإنّني لا أتحدث عن السعودية الّتي كانت ولادتها مرتبطة بنمط طهراني وسواسي قهري من التدين كان قد ربط عائلة آل سعود بآل الشيخ، سليلي محمد بن عبد الوهاب. إن ما أضحى ثقافة فرعية لدينا هو صياغة جديدة للإسلام على صورة طهرانية وسواسية أضحت اليوم مألوفة وتمت خلال النصف الأول من القرن العشرين. عاش هذا الإسلام كثقافة فرعية بين ظهراني العلماء، الّذين كانت وظيفتهم رعايته، لكن دعنا لا ننسى الصورة السلبية للعلماء في الثقافة الشعبيّة حيث قرنوا بالجهل والجشع والسعي في سبيل الذات فضلاً عن نسبة بعض الميول الجنسية إليهم- إنّني لا أتحدث هنا عن دقة هذا الوصف، بل فقط لتذكير القارئ، الّذي قد يكون قد عاين بعضا من هذا في الصور الكاريكاتورية للأزهريين في الأفلام المصرية في الأربعينيات والخمسينيات والستينات، وربّما لاحقاً أيضاً. وفضلاً عن ذلك، ربّما كان لنا أن نستذكر بدء إرسال عائلات العلماء السوريين لأولادهم في النصف الثاني من القرن التاسع عشر إلى سلك التعليم الحديث وخدمة الدولة بدلاً من المسار الديني السابق. إنّ الوضع في مصر كان مختلفاً إلى حدٍّ كبير، إذ كان الأزهر يستقطب الأولاد من القرى، ذلك أن الأسر الأرستقراطية الدينية الّتي عرفت في دمشق أو تونس مثلاً، لم يكن لها نظير في القاهرة. لقد عاشت مثل هذه الثقافة الفرعية في جمعيّات محددة وشملت جماعات من المثقفين المحافظين المتدينين، مثل جمعية التمدن الإسلامي في دمشق. ولقد عاشت، بالطبع، في جماعة الإخوان المسلمين، و تأثرت بالسلفية في وجهها المحافظ و المتزمّت.

   بدأ الانتقال من الأطراف والهوامش إلى المركز في مرحلة الستينات، وأخذ يستجمع القوة وإمكانيات البنى التحتيّة في السبعينيات والثمانينيات، ثم أصبح في التسعينات قائماً بذاته متقوّماً بها مستنسخاّ نفسه ذاتياً بديناميّة اجتماعية أعرض من الديناميّة الحركيّة. أما المحركات الأساسية لانتقال الدين لدينا من موضع إلى موضع فقد تمثلت في تحالف المصالح الاستراتيجية الدولية والصراعات بين الدول العربية والتوترات الاجتماعية خلال الحرب الباردة. لقد كان هناك في تلك الحرب، و على نحو واضح، عدوّ: الناصرية والبعث والشيوعية والاتحاد السوفيتي والتّقدم الاجتماعي الثقافي الّذي وسم بالماسونية والإلحاد. تم صياغة هذه المواقف الرجعية باسم المقاومة للعلمانية والشيوعية والماسونية والصهيونية. سبق وإن قلت أنّ العلمانية كانت إلى حدّ كبير ضمنية وغير أيديولوجية في العالم العربي؛ بل وحتّى أن الشيوعيين قد حابوا عموماً ما فهموه على أنه مشاعر دينية جيّاشة حتى أن أحدهم (محمد عيتاني) وجد المادية الجدلية في القرآن. هكذا، كان صعود الإسلامية في أحد وجوهه تحويل العلمانية والتّقدم الاجتماعي الّذي استندت إليه إلى أرضية صراع شكلت الاسلاميّة السياسيّة و الاجتماعيّة نفسها بموجبه على صورة تضاد ونفي أباح لها إمكانيات صياغة هذه الذات السياسيّة وتنظيميها. إن القصد من مناقشة هذه الامور — هنا وفي مناسبات أخرى من هذا الحوار — هو التشديد على نقطة منهجية وتوجيهيّة محوريّة، وهي أن الدين تاليٌ للدنيا، وأن دين الدنيا تاليٌ لدنيا الدين.

   لقد صيغ الشّق الثقافي للحرب الباردة من خلال تشجيع الميول الاجتماعية المحافظة والحركات الإسلاميّة وأيديولوجيّة العداء للعلمانية. دعونا لا ننسى العلاقة الاستراتيجية الطويلة الأمد بين الولايات المتحدة والإسلام السياسي الّذي إبتدأ في الاجتماع بين إيزنهاور وبين وفد من إسلاميين يترأسهم الإخواني سعيد رمضان في البيت الأبيض سنة 1953، وهو ما افتتح تحالفاً خفياً استمر إلى وقت قريب جداً (وهو لا يزال ذلك قائماً في وزارة الخارجية)، واستمرّ علانية في الاجتماع بين إسلاميين أفغانيين ورونالد ريغن في سنة 1985 الّذي لم يمتدحهم فقط كمقاتلين من أجل الحريّة، بل قارنهم أيضاً إيّاهم بالآباء الأميركيين المؤسسين (جيفرسون وواشنطن والبقية). لم يكن هذا التحالف مقتصراً على العالم العربي. فقد تمّ للأميركيين إيجاد الحلّ الأمثل في باكستان في ظلّ الجنرال ضياء الحقّ، بموجب الصيغة المثلى الّتي تتم فيها السيطرة على النزاعات الاجتماعية بالرجوع للدين والمؤسسات والجماعات الدينية ويتم تسليم الأمن الداخلي والخارجي للجيش. نفس الشيء حصل في السودان حين قضى النميري على الحزب الشيوعي واتّجه نحو الأسلمة القسريّة. علنا نستذكر كيف أنّ فكرة استخدام الإسلام حصناً ضدّ الشيوعية قد قادت إلى تأسيس المدارس الدينية في تركيا (مدارس الإمام –خطيب) في الستينات (وأردوغان نفسه هو من نتاج ذلك القطاع التعليمي الّذي توسع في ظلّه على نحو كبير، كما أنّه في كثير من الحالات اليوم أصبحت الأسر غير الراغبة في ذلك مجبرة على إرسال أبنائها وبناتها إليها). وقد قاد ذلك أيضاً إلى أسلمة ماليزيا وكانت تلك التجربة الأولى في هذا الإطار برعاية سياسية وعسكرية بريطانية: حيث دمجت القومية الماليزية (والغالبية العظمى من الماليزيين كانت آنذاك ريفيّة) مع الإسلام مع الشروع في معاداة الشيوعيّة ومحاربتها عسكرياً، مع التذكير بأن أغلب الشيوعيين كانوا من المناطق الحضرية وذوي أصول صينية. وهنا، يمكن للمرء أنْ يتذكر كذلك قيام الكاثوليكيّة بمعادة الشيوعيّة والتقدم الاجتماعي في أميركا اللاتينيّة وفي بولندا وإيطاليا وعلاقة ذلك كله بشبكات سريّة ربطت بين أجهزة المخابرات وبعض التنظيمات داخل الكنيسة — دوماً يشار هنا الى Opus Dei — وبعض العناصر المتموضعة بين شبكات المافيا وشبكات الهيئة الماسونية المرتبطة بالحزب الديمقراطي المسيحي الإيطالي وأماكن أخرى. 

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
مُشاطرة هذه المقالة على: diggdeliciousredditstumbleuponslashdotyahoogooglelive

عزيز العظمة سوريّة والصعود الأصولي: الأصوليّة والطائفية والثقافة (3/1) :: تعاليق

لا يوجد حالياً أي تعليق
 

عزيز العظمة سوريّة والصعود الأصولي: الأصوليّة والطائفية والثقافة (3/1)

الرجوع الى أعلى الصفحة 

صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
** متابعات ثقافية متميزة ** Blogs al ssadh :: موضوع حصري-
انتقل الى: