موقع للمتابعة الثقافية العامة
 
الرئيسيةالأحداثالمنشوراتالتسجيلدخول

عدد زوار مدونات الصدح

شاطر | 
 

 الرياضيات.. لغة العلم أم الفلسفة والدين؟ - إبراهيم هلال

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
فدوى
فريق العمـــــل *****
avatar

التوقيع :

عدد الرسائل : 1539

الموقع : رئيسة ومنسقة القسم الانكليزي
تاريخ التسجيل : 07/12/2010
وســــــــــام النشــــــــــــــاط : 7

12102018
مُساهمةالرياضيات.. لغة العلم أم الفلسفة والدين؟ - إبراهيم هلال


اقتباس :
في يوم 24 (مايو/أيار) من عام 1543م، وبينما كان على فراش الاحتضار، نشر عالم الفلك والرياضيات والفلسفة نيكولاس كوبرنيكوس بحثه الذي يدحض فيه نظرية أرسطو الفلكية والتي تبناها من بعد أرسطو العالم الفلكي بطليموس، والتي تتحدث عن أن الأرض هي مركز الكون، بينما أثبت كوبرنيكوس بالأدلة الرياضية أن الأرض مجرد كوكب يدور حول الشمس، تلك الأطروحة التي كان يعلم كوبرنيك أنها ستقلب عليه الأوساط العلمية والكنيسة حينها، بل ستجعله ضحية جديدة من ضحايا محاكم التفتيش.(1)
أطروحة ستغير السماء في عين كل فيزيائي، مؤسسة بذلك بداية عصر النهضة الأوروبي، والتخلص من سيطرة الكنيسة، إذ مثلت تجسيدا لتحدي المجتمع العلمي للكنيسة الأوروبية، ممهدة لثورات اجتماعية وسياسية وفلسفية وعلمية أخرى شكّلت عالمنا الحالي، ووضعت أسس علم الفلك والفيزياء، واضعة حجر الأساس للثورة الصناعية وبزوغ عصر التكنولوجيا والبرمجيات وكل ما يُشكّل حياتنا اليوم. (2) 

وبينما ينبهر الجميع بتاريخ تطور علوم الفلك والفيزياء، يغفلون علما آخر يعتبر هو أم العلوم ولغة العلم الحديث والقديم، وهو علم الرياضيات، الذي لم يكن كوبرنيك من دونه ليستطيع أن يحسب مواقع الأجرام السماوية ويدحض نظرية أرسطو وبطليموس، وبدونه لم تكن التكنولوجيا والآلات وعلم الفيزياء والميكانيكا وميكانيكا الكم قد رأت النور، وبدونه لم نكن لنرى التطور الهائل للبرمجيات وعلم الأحياء والكود الجيني. (3)
إن الحضارة مدينة لعلم الرياضيات الذي تطورت بفضله كل العلوم، إلا أنه وبالعودة لأصول علم الرياضيات ونشأته خاصة في المدرسة الفيثاغورية باليونان القديمة، يتضح أن لعلم الرياضيات معانٍ أخرى دينية، فبينما استخدم الأوروبيون علم الرياضيات في النهضة العلمية، التي أدت للتخلص من سلطة الدين، كانت الرياضيات تحوي بداخلها معانٍ دينية خالصة، فهل يمكن أن نعد الرياضيات لغة دينية قبل أن تمثل لغة العلم؟  
كوبرنيكوس وجها لوجه مع معلمه
بعد موت الفيلسوف أرسطو صاحب نظرية الكون الأرسطوطاليسية بنحو ستمئة سنة، ظهر عالم الفلك بطليموس الذي تبنى نظرية أرسطو وألّف كتابه الشهير "المجسطي"، الذي يشرح فيه نظريته العامة التي تقول إن الأرض هي مركز الكون وإن الشمس تدور حولها، وقد تحولت تلك النظرية إلى حقيقة مطلقة حين تبنتها الكنيسة الأوروبية، في الحين الذي كانت تعتبر كل من يخالفها كافرا أو ملحدا يجب حرقه أو إعدامه أو وضعه على الخازوق، إلى أن ظهرت أطروحة كوبرنيكس والتي نشرها وهو على فراش الموت، ليتجنب ملاحقة الكنيسة وعذاب محاكم التفتيش الأوروبية. (4)
طرح كوبرنيكوس في بحثه أن الأرض هي من تدور حول الشمس وكذلك جميع الكواكب، وبالتالي، فالشمس هي مركز الكون وليس الأرض. وقد أحدثت نظرية كوبرنيك كما يذكر الدكتور الطيب بوعزة "تغييرا عميقا في التفكير الفيزيائي خلال عصر الحداثة وما بعده، بل تُعد إحدى اللحظات الثلاث التي خرقت الكبرياء البشرية وهيأت السبيل نحو سيادة التفكير العلمي". (5) اللحظات التي بدأها كوبرنيك بنفي مركزية الأرض، ثم أكملها داروين بنظريته حول أصل الأنواع، ثم اختتمها سيجموند فرويد في نظرياته النفسية حول عدم امتلاك الإنسان لذاته وقدرته على التحكم بها. (6)
لكن يعود الدكتور الطيب بوعزة ليخبرنا أنه "من الخطأ القول بأن كوبرنيك أول من قال بتلك الأطروحة، فحتى هو نفسه لم يكن ينظر إلى كامل عناصر نظريته الفيزيائية بكونها معطى معرفيا جديدا، بل كان على العكس من ذلك لا يجد غضاضة في تقديم عمله العلمي كإحياء للفلك الفيثاغوري. بل لعلنا نقول إنه كان مضطرا إلى إعلان ذلك، لكثرة ما أخذه عن الفلك القديم". (7)
يكمل بوعزة فكرته قائلا: "وعى الفيزيائيون اللاحقون لكوبرنيك علاقة الاستمداد هذه، فكبلر مثلا، يشير إلى علاقة الوصل بالفلك الفيثاغوري، عندما يقول في حديثه عن فيزياء كوبرنيك بأنها "أغنية جديدة لكنها مطابقة للأنشودة القديمة، لفلسفة ساموس" يقصد الفلسفة الفيثاغورية. كما عبر عن هذا المعنى عندما وصف فيثاغور بأنه أبو الكوبرنيكين جميعهم". (7) ويذهب بوعزة إلى أن كوبرنيك في إحالته للمراجع القديمة لم ينسب لها الفضل كاملا، فقد ادّعى أن فكرة أن الشمس مركز الكون هي فكرته الوحيدة الجديدة التي صنعها من بنات أفكاره، بينما توجد الفكرة نفسها عند فلكي يوناني آخر هو أرسطرخس الساموسي، مما يعني أن ذكر كوبرنيك لمراجعه "لم يخل من تدليس". (7)
فإذا كان كوبرنيك الذي قلب التصورات وأسس للنهضة العلمية التي نجد آثارها في عالمنا حتى الآن، أخذ ذلك من الفلسفة الفيثاغورية، والفلك الفيثاغوري، والرياضيات الفيثاغورية، فمن هو فيثاغور، وماذا قدم في الرياضيات؟
فيلسوف ساموس.. الغامض
يُعد الفيلسوف فيثاغور مشهورا بنظريته حول المثلث قائم الزاوية، والتي تشرح باختصار أن مجموع مربع ضلعي المثلث القائم المجاورين للزاوية القائمة مساوٍ لمربع الضلع الثالث الذي يسمى الوتر، وتعتبر هذه النظرية من أساسيات علم الرياضيات والهندسة والتي اشتهر فيثاغو بها، أما سيرته نفسها فتبدو غامضة جدا.
حيث انتشرت عن فيثاغور خرافات عديدة في كتب التاريخ القديمة، فلا يبدو فيثاغور كائنا بشريا كباقي البشر، بل هو حسب حكايات أحد المؤرخين القدامى ابن الإله أبولون، "وإذا لم يقنعك هذا النسب، فثمة قول آخر يؤكد أنه ابن الإله هرمس، وأن أباه منحه كل الملكات باستثناء الخلود.. وإذا لم يقنعك هذا أيضا فلك في قول منسوب إلى فيثاغور نفسه ما يقيم لك صورة لا تخلو من عُجب وعَجب، حيث يقول مصنفا نفسه "هناك البشر، وهناك الآلهة، كما أن هناك كائنات أخرى مثل فيثاغور، لا من هؤلاء ولا من أولئك"". (7) ورغم كل ما قيل عن فيثاغور من خرافات وأساطير، يخبرنا الفيلسوف وعالم الرياضيات برتراند راسل أن فيثاغور "أهم رجل في تاريخ الفلسفة القديمة". (8) فمن هو فيثاغور؟
فيثاغور، أو المشهور في الترجمة العربية بفيثاغورس، هو فيلسوف وعالم رياضيات يوناني وُلد في جزيرة "ساموس" في القرن السادس قبل الميلاد، وهناك افتراض تاريخي أن فيثاغور قد سافر إلى مصر ليتعلم الرياضيات وعلم الفلك، ولأن الرياضيات كانت من أسرار المعبد المصري التي لا يعرفها غير الكهنة، انضم فيثاغور إلى معبد هيليوبليس ليصبح كاهنا، لكنه تعرض للأسر من قِبل الملك الفارسي "قمبيز" الذي غزا مصر ودمر كثيرا من المعابد وقتل العديد من الكهنة وأخذ بعضهم أسرى إلى بابل وكان من بينهم فيثاغور. (9) 
ثم عاد مرة أخرى إلى ساموس، ليتجه بعدها نحو مدينة كروطونا جنوب إيطاليا حين كانت مستعمرة يونانية، وأسس هناك مجتمعا دينيا في شكل أخوية دينية يتبع تلاميذها عدة تعاليم أخلاقية ودينية بجانب تعلمهم للرياضيات، "فهو مؤسس مدرسة فكرية ازدوج فيها النزوع الفلسفي بنزوع ديني مثقل بالطقوس والأفكار"، واتسمت تلك المدرسة الدينية بالغموض والسرية، وكان فيثاغور كذلك رجلا ذا نفوذ سياسي وصل به إلى حد التأثير في السلطة السياسية في إيطاليا، الأمر الذي جر عليه وعلى مدرسته نكبة لم تقم لها قائمة من بعد (أ)(9)
بيد أن  هذه المدرسة الفيثاغورية الدينية ستنحت معنى جديدا للرياضيات ليس بوصفها مجرد أرقام للحساب، كما يستخدمها المصريون والبابليون حينذاك، بل لغة تعبر عن تناغم الكون، ورموز صوفية ودينية للحياة والخير والشر، وكيفية تكوّن الأجساد، حيث سيقول فيثاغور إن الرقم يشير إلى كيفية نشوء الكون ومنه تنبع الأجساد والحقيقة (9)، وهو الأمر الذي سيجعل للفلسفة الفيثاغورية تصورا كوزمولوجيا (كونيا) وفلكيا، يستمد منه كوبرنيك في القرن السادس عشر ثورته العلمية على الكنيسة التي أسست للنهضة العلمية والفيزياء الحديثة وعصر التكنولوجيا.
الأعداد الرياضية وموسيقى الكون
في أحد الأيام المشرقة، وبينما يسير الفيلسوف فيثاغور في أزقة مدينة كروطونا، فإذا به يسمع ثلاثة حدادين يطرقون قطعة من الحديد، "فاكتشف فيثاغور سر الوصل بين العدد الرياضي والوجود عند سماعه اختلاف النغمات الصادرة عن مطارق الحدادة، حيث دخل المصنع وقام بوزن المطارق الثلاث التي كان الحدادون يستعملونها، فتبين له أن اختلاف درجات الصوت يتناسب مع اختلاف ثقل المطارق.. وبذلك ضبط الفارق رياضيا بين العدد الثُماني والخُماسي والرُباعي". (9) 
فكانت هذه الواقعة هي أول تجربة لقياس الصوت، وهي أول عملية عقلية للوصل بين الفيزياء والرياضيات، وبين الوجود الطبيعي والعدد. "فالأصوات الموسيقية المختلفة التي كانت تبدو غير قابلة للتفسير صارت الآن مربوطة بعلاقات عددية واضحة ودقيقة". بيد أن دكتور الطيب بوعزة يعود ليوضح أن هذه القصة مغلوطة حسابيا تماما، وأن هذا ما اكتشفه جاليليو بعد نحو ألف عام، حين قام بإعادة تجربة فيثاغور فأثبت بالتجربة أنها خاطئة، هذا بجانب أن الصينيين توصلوا قبل فيثاغور إلى علاقات شبيهة بما توصلت إليه الفيثاغورية. "كما كشفت الحفريات أن الحضارة المصرية القديمة كانت تعتمد آلات موسيقية متعددة ومتنوعة على نحو يفترض أنها كان لها إدراك للسلم الموسيقي".(9) فماذا أضاف فيثاغور؟
كانت هذه الرؤية المازجة بين الرياضيات والوجود والموسيقى التي تأسست على اكتشاف إمكانية قياس الصوت بالعدد الرياضي -كما يذكر بوعزة- حافزا لفيثاغور بأن ينتقل من العدد الرياضي كرمز حسابي للعد، "إلى أبعاد وكينونات وجودية أخرى، إذ ما دام الصوت، الذي هو في الظاهر كينونة متفلتة من الإمساك، اقتدر العدد على ضبطه وعقلنته حسابيا، فليس ثمة ظاهرة وجودية أخرى تستعصي على الاستدخال ضمن تجاويف الأرقام". (9)
وهو ما جعل فيثاغور يكتشف أن الرياضيات متناغمة مع حركة الأجساد ومن ثم حركة الكون كلها، وهو ما عبر عنه فيثاغور بقوله: "بدون العدد لا يمكن معرفة أي شيء"، ويقول أحد تلامذته وهو فيلولاوس: "الهندسة هي المبدأ والأرض الأم لكل العلوم"، وفي تأكيده أن الحقيقة المطلقة تلمس الرياضيات يقول فيثاغور: "إن لمحة الخطأ لا يمكن أن تلمس العدد"، لكن أليست الحقيقة مفهوما ميتافيزيقيا؟
الحقيقة والرياضيات الفيثاغورية
ذهب فيثاغور، كما ذهب من بعده أفلاطون وإقليدس، إلى أن الرياضيات ليست مجرد رموز عددية، بل هي رموز لها أبعاد أخرى غيبية، حيث اعتقد فيثاغور أن الرياضيات علم ما هو ثابت وأبدي، وغير خاضع للحس أو الزمن أو التغير، فهي أم العلوم ومؤسسة الوجود، وكما قال أفلاطون في كتابه "الجمهورية": "الهندسة هي علم معرفة الأبدية وليس الهالك والعابر"، كما أن الرياضيات بالنسبة لأفلاطون كانت رمزا للمثالية، لما فيها من إمكانية للتجريد، أي رمز لفكرة أو معتقد برمز محدد وثابت وغير متغير بالزمن، من هنا كانت الرياضيات بابا لولوج الحقيقة المطلقة، والتي إن دخلتها يمكن أن تصل إلى حقيقة الوجود كله. (10)
وكان فيثاغور هو أول من وضع الترميز الحسابي للعدد، فعبر عنه بالنقط، فصار العدد واحد يُرمز له بنقطة، والعدد اثنان بنقطتين، والثلاثة بثلاث نقاط، وهكذا حتى الرقم عشرة. لكن يأتي هنا السؤال: كيف توصل فيثاغور إلى فكرة التجريد، أي ترميز الأعداد برموز؟ تجرّنا الإجابة عن هذا السؤال إلى الدخول في صلب العقيدة الدينية والفلسفية للمدرسة الفيثاغورية والفيلسوف فيثاغور، الذي وضع لرموزه الرياضية حمولات أنطولوجية (وجودية) وفلسفية ودينية.
فعند رسم رموز فيثاغور الرياضية، يجب الاحتراس كي لا تتصل النقطان أو الثلاث، وهنا ابتدع فيثاغور مفهوم المسافة، فوضع مسافة واصلة بين النقطتين والثلاث نقاط كي يميزهم، ويأتي مفهوم المسافة عند فيثاغور من مفهور آخر كوني، حيث "لا ينفي فيثاغور وجود فراغ في بنية الكون، بل يمنحه دوا محوريا في رؤيته الكوزمولوجية.. لذا فتنقيط الأرقام مع فاصل يتموضع بينها يناغم تماما التصور الكوزمولوجي الفيثاغوري، لأنه تصور يقوم على رؤية تجزيئية للمادة لا رؤية اتصالية". (11)
بيد أن الفصل بين النقط بمسافة لم يكن اعتباطيا -كما يذكر الطيب بوعزة-، بل تم التفكير في "جعل الأعداد ذات بنية هندسية واضحة ودالة، فإذا بالواحد يتمظهر نقطة، ونقطتا الاثنين تُرسم خطا، ونقط الثلاثة تُرسم سطحا، والأربعة تُرسم جسما"، ومن تلك الأشكال سيظهر المستقيم والمثلث والمربع والتي ستتخذ أشكالا تجريدية لها أبعاد أنطولوجية (وجودية) ودينية في فلسفة فيثاغور. فكيف تكوّن اللاهوت الرياضي الفيثاغوري؟
اللاهوت الرياضي عند فيثاغور
تبدو صلة الأعداد الفيثاغورية بالأبعاد الدينية والكونية والنفسية والأخلاقية جلية في تصور فيثاغور للأعداد، "حيث لم يقتصر فيثاغور والفيثاغورية على قراءة الأعداد قراءة رياضية فقط، بالتفكير في العلاقات الحسابية، أو من خلال تمثيل صورها الهندسية.. بل نظرت إليها نظرة قيمية أيضا"، ويبدو ذلك واضحا في الجدول الذي ينسبه أرسطو إلى الفيثاغوري ألكيمون الذي نظم الأعداد وفق تقابلات تؤسس لعشر مقولات مزدوجة، تختلط فيها الأبعاد الرياضية بالأبعاد الدينية والفلسفية والكونية:
جدير بالذكر، أن للعدد عشرة تقديسا خاصا عند فيثاغور، فهو مجموع أول أربعة أعداد 1+2+3+4=10، وفي متن "الأخلاق الكبير" المنحول لأرسطو (11) يخبرنا الطيب بوعزة أن الكاتب لكي يوجه نقدا للصياغة الرياضية للمفاهيم الأخلاقية والسياسية، كان المثال الذي ذكره هو صياغة الفيثاغوريين لمفهوم العدالة على أنها "مربع عدد ما"، وهو ما يؤكد على أن التصور اللاهوتي للمدرسة الفيثاغورية كان يقوم على مفاهيم رياضية بحتة.
وهذا اللاهوت الرياضي في المدرسة الفيثاغورية هو ما جعلها ترفض ما سموه قديما بـ "العدد الأصم" وهو العدد الذي ظهر في مبرهنة فيثاغور الشهيرة للمثلث القائم لكن باستبدال أطوال الأضلاع بواحد صحيح، فإذا كان لدينا مثلث قائم الزاوية أب ج وطول الضلع أ=1 وطول الضلع ب=1، فحسب مبرهنة فيثاغور فإن ج= الجذر التربيعي لـ (مربع العدد واحد+مربع العدد واحد)، أي سيكون الناتج عبارة عن الجذر التربيعي للعدد 2، وهو عدد غير صحيح، بل حاصله هو 1.414213، وهو ما جعل مدرسة فيثاغور ترفض هذا العدد، بل عندما أفصح أحد معلمي المدرسة الفيثاغورية، وهو هيباس، عن ذلك الاكتشاف الذي يدعو لمراجعة اللاهوت الرياضي الفيثاغوري تم إعدامه! (11)
يذهب الطيب بوعزة إلى أن العدد الأصم كاد ليزلزل البنية الفلسفية واللاهوتية للمدرسة الفيثاغورية من أساسها، لأنها ترى أن العدد المنضبط الصحيح هو وحده القادر على الانسجام مع العقيدة الفيثاغورية "النازعة إلى تأسيس رؤيتها إلى الوجود على أساس النغم والعدد، أي على أساس الانسجام والمعقولية.. فأدرك الفيلسوف الفيثاغوري أنه إذا قبل بالعدد الأصم فإن معقولية رياضيته ستختل، ومن ثم تختل معقولية الوجود". (11) لكن كيف تولد عن ذلك اللاهوت الصارم أكبر نهضة علمية في عصرنا الحديث، أو كيف اكتشف فيثاغور أن الأرض تدور حول الشمس؟
لم تقل المدرسة الفيثاغورية فقط إن "الأرض ليست مركز الكون، بل أضافت أيضا إلى هذا الترسيم الكوسمولوجي حراكا لتفسير بعض ظواهره، وفي هذا السياق، نجد لديها فكرة لامعة أيضا تخرق بداهة الحس المشترك، وهي القول بأن الأرض ليست ساكنة بل متحركة". (11) أما فيلولاوس، وهو تلميذ فيثاغور، فقد قدم نظرية تقول "بوجود نار تشغل منطقة الوسط في خريطة الكون الفيثاغوري، حيث إن المركز لا تشغله الأرض ولا الشمس، بل جسم ناري تدعوه الفيثاغورية باسم "النار المركزية، ثم يدور حول هذه النار كوكب آخر غير مرئي بالنسبة لنا هي "الأرض المضادة" ثم تأتي فوقها مباشرة أرضنا التي تدور هي الأخرى حول النار المركزية".
هنا يأتي السؤال: كيف نشأت هذه الخريطة الكونية عند المدرسة الفيثاغورية في لحظة مبكرة جدا في التاريخ الإنساني، حيث تمكنت الفيثاغورية بتلك الخريطة من تفسير ظاهرة تعاقب الليل والنهار، خلال الأربع وعشرين ساعة من اليوم؟
يفسر الطيب بوعزة الخريطة الكونية الفيثاغورية بناء على مراجعة وتحليل شذرات الفيثاغوريين ومما كتبه عنهم أفلاطون وأرسطو بشكل نقدي، فيقول: "إن توصيف حركة الأجسام السماوية بالدائرة راجع إلى قداسة الشكل الهندسي الدائري، حيث نرى أن الفيثاغوري قام بإسقاط هذا الشكل المقدس على الحركة الكونية، فكانت هي أيضا حركة دائرية لها مركزها المحوري. ومعروف أن الشكل الدائري سيبقى محتفظا بقداسته وهيمنته، ليس فقط في الفلك الفيثاغوري بمختلف نماذجه، بل حتى في فلك أرسطو وبطليموس. لذا فالنقلة التي أحدثها كبلر في الفيزياء، في القرن السابع عشر، كان جوهرها هو تجاوز هذا المشترك بين الفيثاغورية و البطليموسية في توصيف حركة الأجسام السماوية، أي القول بالحركة الإهليلجية بدل الدائرية". (11) 
أما عند افتراض الفيثاغوريين لوجود جسم ناري في محور الكون بدل الشمس "يقول جومبرز بأن اللحظة الفيثاغورية لم تكن من الناحية العلمية قادرة على القول بحركة الأرض من حول محورها لتفسير تعاقب النور والظلمة، فكان لا بد لها من اختراع مسار فلكي تدور فيه الأرض من حول النار المركزية، لتختفي الشمس نتيجة هذا الدوران، فيتحقق بذلك التعاقب". (11)
لكن الطيب بوعزة يعقب مرة أخرى على قول جومبرز (ب) بأن اختراع جسم ناري ووضعه في وسط الخريطة الكونية الفيثاغورية أمر يمكن تفسيره دينيا لا علميا، حيث يقول بوعزة: "إذ إن حديث فيلولاوس عن النار المركزية بوصفها "هيستيا" أي مسكن زوس، استحضار للميثولوجيا الإغريقية. كما أن النوعية النارية للمركز، أي إنه مشغول بالنار وليس بشيء آخر نرى أن حافزه ديني. كما أن استحضار هذا الحافز هو الذي يمكننا من فهم سر التعداد العشري لعناصر الخريطة الكونية، حيث إن تقديس الفيثاغورية للرقم عشرة، هو الذي جعلها تخترع كوكبا آخر افترضت وجوده فرضا، دون اضطرار كوزمولوجي وهو الأرض المضادة، ليكتمل لها وجود الأجسام السماوية بعدد عشرة حسب التعليل الأرسطي". (11)
لذا فإن النار والأرض المضادة كانا من مخيال ديني قبل أن يكون كوسمولوجيا. كما يقول أرسطو في متن السماء إن الفيثاغوريين جعلوا النار هي المركز لأنهم لم يتصوروا من وجهة نظر دينية أن يكون التراب في المركز، بينما يجب أن تكون النار، وهي أنبل من التراب، هي المركز.
وهكذا ننتهي إلى أن خريطة الفلك الفيثاغورية والتي أخذ منها كوبرنيك أساس اكتشافه الفلكي الذي صنع تحولا في التفكير العلمي وكان الأساس للنهضة العلمية الأوروبية والأساس لعلم الفلك والفيزياء الحديثة، كانت تعج بالوعي والرموز الدينية الإغريقية القديمة، لكن الأمر لم يتوقف عند ذلك، فتحت ظل الحضارة الإسلامية تغيرت كثير من المدلولات الرياضية لتحمل مدلولات دينية أخرى، أدت إلى اختراع الصفر والخوارزميات مثلا، ثم جاءت الحضارة الغربية الحديثة لتستعمل تلك الرموز الرياضية، مدعية فصلها عن حمولتها الدينية والرمزية، لكن يخبرنا الدكتور عبد الوهاب المسيري أنه لا توجد رموز محايدة في هذا العالم، حيث إن الإنسان منذ قديم الأزل لا ينفك يضع نظرته ورؤيته داخل الرموز والأدوات التي يستخدمها، وهكذا فعلت الحضارة الغربية مع الرموز التي تستخدمها بداية من الرموز الرياضية وحتى عبوات المياه الغازية.
فما يمكن أن تهدينا إليه قصة الرياضيات وانتقالها من الفلسفة الفيثاغورية إلى رواق الجامعات الأوروبية الحديثة، أن الرياضيات وهي التي يعتبرها العلماء ملكة العلوم ولغاتها ليست لغة محايدة، بل إن رموزها تخضع لمدلولات أخرى دينية وفلسفية، وهو ما يمكن أن يفتح باب الاكتشاف والتأمل في علم الرياضيات الحالي.
الهوامش
أ/ ذكر دكتور الطيب بوعزة أن سبب اندثار المدرسة الفيثاغورية هو انخراطها في الصراع السياسي، إذ منذ لحظة فيثاغور ستتكون داخل المدرسة نخبة سيكون لها نفوذ سياسي في مختلف المدن الإيطالية، وهكذا استطاع هؤلاء الفيثاغوريون أن يمتلكوا السلطة ويؤسّسوا لحكم إرستقراطي، ثم ستحدث أزمة سياسية ستقوم على أثرها حرب سينتصر فيها جيش كروطونا، لكنّ الفيثاغوريين سيختلفون مع الحزب الشعبي على الغنائم، مما سيؤدي إلى إحراق مدرستهم وتقتيلهم في مقتلة عظيمة لم تقم لمدرستهم قائمة بعدها.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
مُشاطرة هذه المقالة على: diggdeliciousredditstumbleuponslashdotyahoogooglelive

الرياضيات.. لغة العلم أم الفلسفة والدين؟ - إبراهيم هلال :: تعاليق

لا يوجد حالياً أي تعليق
 

الرياضيات.. لغة العلم أم الفلسفة والدين؟ - إبراهيم هلال

الرجوع الى أعلى الصفحة 

صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
** متابعات ثقافية متميزة ** Blogs al ssadh :: دراسات و ابحاث-
انتقل الى: