موقع للمتابعة الثقافية العامة
 
الرئيسيةالأحداثالمنشوراتالتسجيلدخول

عدد زوار مدونات الصدح

شاطر | 
 

 التّأويل في التّحليل النفسيّ

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عزيزة
فريق العمـــــل *****
avatar

التوقيع :

عدد الرسائل : 1370

تاريخ التسجيل : 13/09/2010
وســــــــــام النشــــــــــــــاط : 4

12102018
مُساهمةالتّأويل في التّحليل النفسيّ


التّحليل النفسي بوصفه منهجا تأويليّا:
لقد اكتسى التحليل النفسي منذ نشأته – كتيار وصفي تفسيري تأويلي للإنسان –  طابعاً فلسفياً، اختلفت منهجياته قرباً أو بعداً عن التصورات الميتافيزيقية، حسب مدارسه المتنوعة و تفرعاتها الفكرية.
وأحد مصادر حيوية التحليل النفسي تكمن في أنه شكل نوعاً من النظريات الشمولية، وإذا ما استخدمنا المصطلح الأرسطي نقول إن التحليل النفسي يشكّل  “نظرية مفتاحا” استطاعت أن تلج أبواباً كثيرة، فلم تقتصر على دراسة الأحلام والغرائز والأمراض النفسية والانحرافات وحسب. وإّنما دخلت أبواب الحضارة، والدين والفنّ والاجتماع  والميثولوجيات والتطور  وحتى الميتافيزيقا.[1] إذ أعاد التحليل النفسي النظر في الكثير من المعتقدات السائدة التي يعتمدها الإنسان منذ عهد الفلاسفة اليونان، عندما درس السلوك دراسة وصفية، ليس فقط من حيث الشرح الوضعي، وإنما من حيث المعنى أيضاً. و كان من نتائج هذه القفزة حسب الدكتور مصطفى زيور: “أن الإنسان المعاصر لم يقتصر على إعادة النظر فيما كان مسلماً به سابقاً، لكن تعدى ذلك إلى العمل الفكري في عقلانيته حسب المفهوم الديكارتي، الذي اعتمد العقل كوسيلة وحيدة لاستكشاف الواقع، فالباحث أو العالم منذ أن عرف مكامن رغباته، لم يعد يعتبر نفسه مستقلاً و متحرراً من علمه أو اكتشافاته، فما يصدر عنه ليس إلا وليد الهوام، الذي كان يرافقه طيلة حياته على غير علم منه كمادة مكبوتة، وما إنتاجه إلا عودة للمكبوت “[2]. بعبارة أخرى، إن منهج فرويد التفسيري من الناحية الابستمولوجية، كان مهتماً بأن يقترب من الواقع الذي يقوم وراء تفكيرنا الواعي، وذلك بإدراك أن الجزء الأكبر مما هو واقعي وحقيقي في داخلنا، لا نستشعر به ولا نعرفه، وأن جل ما نعرفه ليس بحقيقي وواقعي. وهذا البحث الدائب عن الواقع الداخلي غير المشعور به، فتح باباً جديداً للحقيقة. باب ينطلق من مبدأ الشك بموضوعية المعقول إن صح القول، وإعادة صياغة المرمز لفهم الواقع النفسي للإنسان.
لذلك ليس من قبيل المصادفة أن يعتبر فرويد أفعالاً بسيطة، كزلات القلم، أو فلتات اللسان – وهي ظواهر اعتبرت دوماً لا دلالة لها – مدخلاً لدراسة الأعصبة. وبسبب ذلك، أصبح الاهتمام منصباً على كشف العلاقة الرمزية بين الدال والمدلول، حيث تتجلى المهمة الرئيسة لمنهجية التحليل النفسي الفرويدي، من خلال الكشف عن تلك الدلالة، والبحث المعمق عن دلالات لا يفكر المرء قط بوجودها. وما أحدثه التحليل النفسي من انقلاب فكري يعود إلى دعوة الإنسان للتحرر من المفاهيم المكبوتة سابقاً، مفتشاً عن حقيقة كامنة وراء جموده واستسلامه، لأنه بالأساس منذ ولادته، إنسان راغب، دخل عالم الرموز لكي يسبح في بحر اللغة التي تعبر عنه وتكونّه في آن واحد، يخاطب الآخر ويحاوره، يدفع إليه بطلباته، ويرتبط معه بوثاق حيث إن رغبته تصبح رغبة هذا الآخر الكبير، بشكل مرسال مرتجع.[3]
إنّ محاولة فك رموز تلك اللغة الرمزية بين الدال والمدلول، تشكل خصوصية المدرسة الفرويدية في التحليل النفسي، إذ تتحول الأفعال النفسية بكل مظاهرها، إلى لغة ذات معنى، ويغدو الحلم والتعبير العصابي، يتصفان بقدرة التعبير بطريقة مقنّعة، وهذا بالضبط ما أكده لاكان من خلال إعادة قراءته لفرويد، عندما اعتبر أن كل نتاجات اللاوعي بما فيها الحلم والعرض العصابي، لها دلالتها وبعدها الرمزي.[4] لذلك لا يمكننا إنكار الانقلاب الفكري الكبير الذي رافق ظهور التحليل النفسي، الذي طبع القرن العشرين بطابعه. إنه انقلاب ابستمولوجي جديد، يدعو صراحة الإنسان إلى تحرره من القيود المتراكمة بفعل الكبت، ليفتش عن حقيقته الكامنة وراء جموده واستسلامه.
ونحن نعتقد أن سيكولوجيا التحليل النفسي تستهدف أكثر من مجرد الوصف، فهي تفسر الظاهرات النفسية بحسبانها نتيجة لتأثيرات متبادلة ومتضادة بين القوى، أي باعتبارها ظواهر دينامية، وبالتالي  فإنها تدرس الظاهرة ليس من حيث هي كذلك وحسب، بل أيضاً من حيث القوى التي ولدت هذه الظاهرة، فهي لا تدرس أفعالاً منفردة، بل تدرس الظواهر بلغة عمليات النمو، ارتقاءً و نكوصاً.[5] إن العلاقة بين الإدراكات الحسية “الخارجية” وبين الأنا واضحة جداً باعتبار أن الأنا هو الجهة النفسية التي تتعامل وتقابل المؤثرات الحسية الخارجية الشعورية. أما العلاقة بين الإدراكات الحسية “الداخلية” وبين الأنا فتتطلب دراسة خاصة، وقد يثير ذلك فينا مرة أخرى فكرة أنه لا يمكن إرجاع كامل الأنا إلى الشعور، ذلك أنّ هناك جانبا لاشعوريّا “أو قبل شعوريّ” كامن فيها. إذ تمدنا الإدراكات الحسية الداخلية بالإحساسات الخاصة بالعمليات التي تجري في أكثر طبقات الجهاز العقلي “النفسي” تبايناً، وهي بلا ريب أكثرها عمقاً. ولسنا نعرف عن هذه الإحساسات والمشاعر الوجدانية إلا الشيء القليل جداً. وهذه الإحساسات كثيرة التنوّع مثل الإدراكات الحسّية الخارجية، فقد تصدر عن مواضع مختلفة في وقت واحد، وقد تكون لها لهذا السبب كيفيات مختلفة، وربما تكون لها كيفيات متضادة أيضاً.[6] لذلك يركز التحليل النفسي على الهوامات المرتبطة بالفعل، وليس على الفعل نفسه، فعلى سبيل المثال: الكبت الجنسي المرتبط بحالات عصابية، لا يحله بالضرورة الممارسة الجنسية دون تفكيك الهوامات الكامنة وراء هذا الكبت. فالمومس مثلاً وكل الذين يمارسون حياة جنسية إباحية وانحرافية، ليسوا بعيدين، رغم ذلك، عن تعرضهم لأمراض وأزمات نفسية حادة، فلا يجب أن نخلط بين الممارسة والهوامات، ذلك أن موضوع التحليل النفسي لا يختزل بالأفعال، بل بالهوامات التي تعبر عن موطن الرغبات المكبوتة.
من هنا تتجلى العلاقة المميزة التي تربط المريض بالمحلل، إذ أن الموقف التحليلي يقوم على التبادل الدينامي الحي، بين المحلل والمريض، حيث يقومان معاً بإقامة وحدة فكرية أساسها الكشف عن معنى النفس، ومفهوم الحياة النفسية، وبالتالي التبادل المنهجي بين الاستنباط والاستقراء بين المحلل والمريض دون تعطل في نشاط من النشاطين في أي وقت من أوقات العلاج.[7] وبالتالي فإن العلاقة بين المحلل والمريض لا يمكن وصفها إلا بالتمازج بين أسلوبي الاستنتاج والاستقراء، والتحليل والتركيب، والكشف المتبادل للذات المحللة، فالمحلل يعلم لب اللاشعور ولكنه لا يعلم تفاصيله، على حين يعلم المريض تفاصيل تؤدي إلى اللب، فالمحلل يحلل ضمن إطاره المعرفي أحاديث المريض وتفاصيل لاشعورية لم تتح بعد للمريض، ولكن ما دام المريض هو صاحب تلك التفاصيل، واللاشعور هو لاشعوره، فهو يدرك بالنهاية فيه ما لا يتاح للمحلل، ويعبر فرويد عن ذلك بقوله : “إن المريض لا يعلم أنه يعلم ما يعتقد أنه يجهله”، وقيمة هذه العبارة هي في الحدود التي لا يتجاوزها المحلل إطلاقاً، وهي إيمان المحلل بأن المريض يجهل لا شعوره، ولكن جهله هذا زائف وأنه سيعلم في وقت ما. ولا شك أن عملية الاستكشاف التحليلية تلك تجعل المعرفة ممكنة.
وعلى عكس ما طرحه ديكارت الذي ركز الوجود حول الأنا الوجدانية، والذي جعل منها لسبيل الوحيد للتعبير النفسي، انطلق فرويد من مبدأ أن اللاشعور لا يخدعنا، ولا يقول إلا الحقيقة، فالأنا قد تخدعنا عن أنفسنا، و تضللنا عن ماهية وحقيقة رغباتنا، نظراً للنماهيات المخيالية المتعددة التي تتلبسها، وتغيب عنها الرؤيا الصحيحة. و وفق التصور التحليلي، الإنسان يقول دائماً أكثر مما يعرف، وهذا ما يذهله، وكان يشير فرويد إلى دهشة المحَلل عندما ينطق بشيء مذهل غير مصدق ما سمعه بأذنيه، ويرد بأنه لم يكن يخطر له ذلك على بال، أو لم يكن يتصور بأنه ممكن أن يفكر هكذا.[8] من هنا نقول أن الموضوع الأساسي في التحليل النفسي هو الكشف عن جوانب ” اللاشعور” انطلاقاً من الشعور “الوعي” المموه للحقيقة، وبالتالي فإن منهجية التحليل النفسي هي أقرب للحديث بالمقلوب. أي إذا كان البحث العلمي ينتقل من نظرية متخلفة لأخرى أكثر تطوراً، فإن التحليل النفسي يأخذ الطريق المعاكس، التساؤل عن الأفكار الحديثة أو معتقد جديد راسخ وأسبابه ومنشأه، ثم يرجع إلى مصدره القديم.
وفق ذلك المنحى، يمكن لنا اعتبار التحليل النفسي بمثابة الاتجاه الوحيد في علم النفس الذي واجه النفس من زاويتيها معاً: زاوية دراسة الفرد، وزاوية دراسة مركباته السلوكية أي ظواهره النفسية. لذلك كان امتزاج منهجه ومضمونه امتزاجاً فريداً في المعرفة النفسية والإنسانية. إن التحليل النفسي ليس مجرد أسلوب علاجي، وبناء نظري للنفس، بل إن إصرار فرويد على استكمال نظرية الغرائز يشير مباشرة إلى أنه كان يهدف من التحليل النفسي إقامة علمٍ للنفس يقوم على حل العلاقة بين النفس والجسد [9]، ولم تكن لتتاح للتحليل النفسي هذه الخاصية، لو لم يقلب فرويد قضايا المعرفة الإنسانية، أي تحويل الإنسان الفرد إلى ظاهرة إنسانية: لنسأل الحالم عن معنى حلمه، بدلاً من أن نسأل الحلم عن معنى الحالم. لذلك يختلف التحليل النفسي عن بقية العلوم الإنسانية، فهو ليس بمعرفة تنقل بواسطة الجامعات، والمعلمين المكلفين بذلك على غرار ما يحصل بالنسبة للطب، والفلسفة، والهندسة….، فهناك فارق ما بين موضوع التحليل وما بين المعرفة. فالمعرفة بالموضوع لا تغير شيئاً لأنها مفصولة عنه بخط فاصل، فمعرفة الطالب عن عقدة الخصاء، لا يخفف عنه خوفه من الخصاء، أو المعرفة التي تستهلك في المدارس الحديثة عن الحياة الجنسية وخفاياها لا تحمي المراهقين من العقد الجنسية، لأن لكل طفل نظريته الجنسية التي كانت قد تكونت قبل المعرفة المكتسبة، من حيث إن هذه الأخيرة لم يبقى لها دور إلا تغطية حقيقته الداخلية، أي المعرفة المؤسسة.[10] إن التحليل يقوم بمهمة إلغاء الغموض والتجهيل الذي تصطنعه النفس إزاء نفسها نتيجة ضعف الأنا تجاه الواقع و تجاه الأنا الأعلى، وما ينتج عن ذلك من كبت للرغبات والنزعات التي حازت على شحنات انفعالية شديدة دون إلغائها أو الاستفادة منها. إنه عملية إنسانية يسترد فيها المريض معرفته بنفسه فيحقق بعد الإنسانية ويسعد بمعرفته لذاته فيحقق طبيعته الإنسانية المتوائمة والمتكيفة.[11]
ومن خلال الدراسة التأويلية التحليلية للأعراض الجسدية والسلوكية وارتباطها بالحالات النفسية العصابية عند الفرد. يكون الإنسان – وفق التحليل النفسي – يجهل نفسه ويجهلها للغير، ووسيلته في التمويه على الذات والآخر هي النفي، حيث يمارس الإثبات (الأنا) بنفي النقيض (الهو) وبذلك يخلق أناه. وما يوضحه لنا التحليل، أن المعرفة الإنسانية معرفة جدلية والتعرف عليها لا يأتي إلا بمنهج جدلي، الذي يضم في طياته القدرة على التعامل مع الشيء ونقيضه. فالعرض النفسي يضم الشعور واللاشعور معاً، والمريض يقول ويتكلم، فيثبت نقيض فعله، والمحلل معترف بالتناقض. إن المريض عندما يقول “أنا أريد” إنما يثبت ما لا يريده ولا يستطيعه أيضاً، ويستحيل على أي منهج أن يمسك بأطراف الواقع الإنساني  بحقيقته، إن لم يدرك طبيعة النفي في النفس الإنسانية. [12]
وعندما يُستعمل لفظ “رمزي” مع لفظي “المتخيل” و”الواقعي” فإن ذلك يكون ثالوثاً خاصاً بالمتن التحليلي النفسي. بحيث تتجاوز الوظيفة الرمزية معنى الرمز، مثلما يتجاوز المتخيل المعنى الغامض للتخيل، ويتجاوز الواقعي المعنى الفلسفي للواقع. ومع ذلك يظل المتخيل متميزاً بنوع من الوفرة والغنى والتنوع، ويحتفظ الرمزي بمعناه كرابط يشمل كل العلامات الثقافية، ويظل الواقعي من زاوية معينة، في الجانب الآخر من الذات المفكرة. [13] وهذه التصورات هي التي قلبت مفاهيمنا عن المعنى الكامن خلف المضمون الظاهر للسلوكيات. وعلى سبيل المثال : كان يُرى في الأحلام إشارات عن “الغيب” فالنائم يرى في أحلامه دلالات مستقبلية مما يشكل مثلاً صلاة لإضاءة القلوب، ثم فُسرت الأحلام على أنها تهافت عقلي ناجم عن تعطل القوى العقلية المنتظمة أثناء النوم فتظهر الصور والأخيلة التي لا معنى لها. بعدها استطاع التحليل النفسي تجاوز تلك التفاسير من خلال التأويل التحليلي، فالنوم يضعف سيطرة الأنا الأعلى على النزعات الممنوعة والمكبوتة، وهذا الأمر يمكنها من البروز أثناء النوم وظهورها في الأحلام، ولكن سيطرة الأنا الأعلى رغم تضاؤلها لا تضمحل، وهذا ما يفسر ثنائية الحلم، أي الجانب الظاهر فيه الذي يخفي جانبه الكامن الحقيقي.[14]
ومن خلال بحثه في نظرية الأحلام، استطاع فرويد صياغة مشكلة الواقع والحقيقة صياغة جديدة، إذ بين لنا أولاً أن الحلم وهو واقع مادي يرويه الحالم، يتضمن حقيقة ومعنى، وإن كانت هذه الحقيقة لا تظهر مباشرة. وثانياً بين لنا أن العلاقة بين الحلم “الواقع” وحقيقة الحلم “معناه وفكرته الكامنة” علاقة متصلة بالحالم نفسه، وباعتبار الحلم هو حياة نفسية للحالم، فإنه قد مس جانباً جوهراً وهو أن للإنسان واقعين – الداخلي الذاتي والخارجي – فإذا أردنا معالجة مشكلة الواقع والحقيقة يجب الأخذ بالاعتبار تفاعل هذين العاملين الذاتي والخارجي، عامل الشعور والأنا الذي يتعامل مع الخارج، والعامل الحلمي الذاتي الغرائزي “الهو” الذي يتعامل مع الواقع والحقيقة بطريقة ذاتية مختلفة. ففي النوم، تنسحب الغريزة اللاشعورية من نشاطها الخارجي إلى العالم الذاتي النرجسي للإنسان، فيعود إلى الاستئثار بنفسه كما في عهد الطفولة، وبما أن لغة الطفل بدائية صورية، ونحن نرتدّ في نومنا إلى طفولتنا، فستكون وسيلة التعبير عن أفكارنا هي الصورة في الحلم. إذ تحلّ الصور مكان الكلمات.
وفي كتابه الشهير “تفسير الأحلام” يقوم فرويد بتحليل بعض النصوص الحلمية لبعض الأحلام التي رآها هو شخصياً، متخذاً بالتالي الأحلام كأشكال من اللغة التي يتعين تفكيك عناصرها من أجل إنشاء المعنى القائم وراء ما يبدو في ظاهر الحلم أنه لا معنى له. فمثلاً يقول في تأويل أحد أحلامه وتفكيكها (ن هو صديقي رأيته في الحلم، وهو أيضاً خالي وفق بعض الصفات التي رأيتها فيه. أحس تجاهه بعطف كبير، أرى وجهه أمامي وقد تغير قليلاً، إنه يبدو مستطيلا وتحيط به لحية صفراء..) ففي هذا الحلم تم فك أكثر آليات الحلم إغلاقاً وهما الإزاحة والتكثيف، فالصديق والخال يتكاثفان في وجه واحد، كما أن صفات الخال (سيء السلوك والسمعة) انتقلت وأزيحت إلى الصديق أيضاً، كونه تسلم في الواقع المنصب الذي كان من حق فرويد نفسه أن يبلغه، وهنا اتضحت رسالة الحلم اللاشعورية، هذا الزميل ليس مؤهلاً لمنصبه لأنه سيء الخلق. ففي التحليل النفسي لا يوجد سلوكيات خالية من المعنى، وحتى الممارسات الخرقاء أو القسرية تنطوي على معنى عام تعبر عن معايشات متواصلة التأثير وأفكار مليئة بالانفعالات على حد سواء ويرتبط ذلك بتمثلات رمزية تاريخية للفرد ترتبط غالباً بالمعايشات الجنسية. يذكر فرويد حالة فتاة اعتادت على أن تلوح بشكل قسري بطشت الغسيل يميناً ويساراً عدة مرات قبل غسل الثياب. وتكمن دلالة هذا التصرف الطقوسي بالمعنى الحرفي للمثل القائل: يجب ألا تهرق ماء الغسيل قبل الحصول على ماء نظيف. وكان هذا السلوك يرتبط بتحذير أختها التي تعزّها، بالتريث في الطلاق من زوجها الغليظ الطبع حتى تقيم علاقة برجل آخر أفضل منه. وأخرى منفصلة عن زوجها دأبت على عزل الجيد من الطعام عن غيره، فلا تتناول سوى أطراف اللحم المشوي مثلاً. ويفسر هذا الامتناع عبر تاريخ حدوثه، إذ حدث ذلك في اليوم الذي حرمت فيه المرأة زوجها من ممارسة الجنس معها، بمعنى أنها تخلت عن أفضل شيء في حياتها الزوجية. [15]
ومن جهة أخرى، ينشأ الأنا الأعلى بشكل مباشر عن عقدة أوديب، وتقمص الطفل لشخصية والديه، وتشكل الأنا الأعلى ليس مجرد أثر خلفته اختيارات الموضوع المبكرة التي قام بها الهو الغرائزي تجاه الأم أو من يقوم مقامها، لكنه يمثل أيضاً تكوين ردّ فعل قويّ ضدّ هذه الاختيارات. فليست علاقته بالأنا قاصرة فقط على إتباع هذا القانون “ينبغي عليك أن تكون كذا وكذا مثل أبيك”، ولكنها تشمل أيضاً هذا التحريم “لا يجب عليك أن تكون كذا وكذا مثل أبيك” أي لا يجب عليك أن تفعل في النهاية كل ما يفعل، فهناك أشياء كثيرة تعتبر حقوقه الخاصة.[16] وكلما اشتدت وطأة عقدة أوديب، وكلما كان كبتها يتم بسهولة (بتأثير السلطة والتعاليم الدينية والثقافية) كانت سيطرة الأنا الأعلى على الأنا فيما بعد أشدّ، وتظهر هذه السيطرة في صورة الضمير أو الإحساس اللاشعوري بالذنب، وبالتالي فإنّ الصراع الذي قد ينشأ في العصاب بين الأنا والأنا الأعلى إنما هو خلاف بين ما هو واقعيّ وما هو نفسي، أي بين العالم الخارجي الخاضع للضبط، والعالم الداخلي. وفي أدبيات التحليل النفسي يشكل العرض المرضي، أسلوب دفاعي يستخدمه الأنا تجاه غرائز الهو التي تعرضت للكبت الشديد، فيمثل وفق ذلك العرض مصالحة تجعل الأنا بمنأى عن مواجهة نزعاتها، النزعات النفسية المكبوتة، كما تتجنب بالوقت نفسه صرامة الأنا الأعلى. وهذا ما يدعى في التأويل التحليل المكسب الثانوي للمرض، حيث يقاوم المريض علاجه لاشعورياً للحفاظ على تلك المكتسبات التي تجنبه مجابهة نزعاته والحصر الناشئ عنها. فمثلاً نجد أن هناك أشكالاً من الأعراض ترتدي أهمية بالغة بالنسبة إلى الأنا في حالات العصاب الوسواسي والبارانويا، لا بحكم الفوائد  التي تعود بها عليها، وإنما من جراء الإشباع النرجسي التي تستمدها منها والذي لولاه لحرمت منها، وذلك يؤدي إلى استدماج الأنا الكامل بالعرض المرضي وتعزيز تثبيته، وذلك يشكل أحد أهم عوامل عسر العلاج التحليلي للأمراض العصابية.
اللاّشعور بوصفه لغة رمزيّة تخضع للتّأويل (الحلم نموذجاً)
التحليل النفسي، وفق فرويد، لا يمكنه أن يقبل الرأي الذي يذهب إلى أن الشعور هو أساسا الحياة النفسية، وإنما هو مضطر إلى اعتبار الشعور كخاصية واحدة للحياة النفسية، وقد توجد هذه الخاصية مع الخصائص الأخرى للحياة النفسية أو قد لا توجد. ذلك أن علم النفس الذي يقتصر على دراسة الشعور لا يستطيع حل مشكلتي الأحلام والتنويم المغناطيسي.[17] إن ما يؤكد عليه التحليل النفسي هو أن الأفعال الواعية تظل غير متناسقة وغير قابلة للفهم، إذا نحن أصررنا على الزعم أنه يتعين أن ندرك بواسطة الوعي أو الشعور كل ما يحدث فينا من أفعال واندفاعات نفسية. لكنها تنتظم في مجموع يمكن أن نبرز تناسقه إذا ما قمنا باستقطاب الأفعال اللاشعورية المستنتجة.[18] وقد أودع فرويد في كتابه الهام “تفسير الأحلام” كل نظرياته النفسية التي توصل إليها، والكتاب جاء ليقول بأن الإنسان منقسم على ذاته بين وعي (شعور) ولاوعي (لا شعور)، وأن لهذا الأخير قوانينه، ولغته الشبيهة باللغة التي نتكلم بها، وذلك رغم التباين الظاهر والغرابة التي ترتبط بصورة الحلم، فلا بد إذاً من خيط يربط بينهما يجعلها إذا ما فُسرت، تبدو أنها تعمل ضمن لغة منطقية تخضع لقانونها الخاص وهو “التكثيف والنقل”. ونجد الشبه لذلك في اللغات المتداولة عبر: المجاز والكناية المرسلة والتداعي الحرّ، وهي الطريقة المتبعة في التحليل النفسي وتعتمد على هذا القانون، على اعتبار أنه مهما ظهر من تباين في نوعية الأفكار، فلا بدّ من وجود خيط يربط فيما بينها.[19] إن وصل فرويد تاريخ الفرد خلال مفهوم الغريزة الجنسية، يعد الكشف الرئيسي في نظرته إلى السواء والمرض، فالاختلاف بين المريض والسويّ يفهم في ضوء قدر الليبيدو المثبت على مراحل طفلية ودرجة النكوص إليها (اقتصادياً)، ويفهم في ضوء علاقة الأنا “الشعور”، بالهو “اللاشعور الغريزي”  بالأنا الأعلى “الضمير المكتسب” (طوبوغرافياً)، كما يدرك من خلال عمليات المقاومة والكبت (دينامياً).
ومفهوم اللاشعور يستمدّ من نظرية الكبت، فالمكبوت هو نموذج للاشعور. اللاشعور هو هذا القسم من تاريخي الذي تتخلله لحظات فراغ أو الذي تشغله أكذوبة ما: إنه القسم الذي يخضع للرقابة. لكن يمكن الحصول على الحقيقة من جديد، فهي غالباً ما تكون مدونة سابقاً في مكان آخر.[20] ووفق التحليل النفسي – لا سيما اللاكاني – اللاشعور يشكل خطاباً، وهو ما عبر عنه فرويد أيضاً عندما برهن على اللاشعور بالسلب، بآثار الغياب في الخطاب. إنه يكون نظام اللغة، النظام الرمزي الذي بدونه لا يمكن أن يوجد أي تبادل. هذا التبادل الذي لا يتمّ إلا من خلال الآخر (المحلل، الأب). اللاوعي وفق التصور التحليلي هو بنية في حد ذاتها، لها تركيبة شبيهة بتركيبية اللغة، وإن كانت لغة بدائية تنقلنا بين لغة تصورية أحياناً ورمزية أحياناً أخرى، وبالتالي يغدو الحلم بمثابة نص يُقرأ من النص الظاهر إلى النص الباطن عبر الأفكار نفسها من خلال فك ميكانيزمات التكثيف (التعبير المتعدد عن رغبة مكبوتة) والنقل (من صورة لأخرى من أجل مخادعة رقابة الأنا الأعلى).
وقد درس التحليل النفسي خلال العشرين سنة الأولى لوجوده، على ضوء الصراعات العصابية بوجه خاص، الميول اللاشعورية التي يطال فيها الكبت القوى المشتقة عن الغريزة الجنسية. بعد ذلك، أتى دور القوى الكابتة، وقد أدت دراسة هذه الأخيرة، إلى نشوء سيكولوجيا جديدة للأنا، حيث بدأ التحليل النفسي يتناول مفهوم سلطة “الضمير” الذي سيغدو فيما بعد “الأنا الأعلى” الذي يمثل استبطاناً للسلطة النقدية ولنواهي الوالدين، وكيف يلعب هذا الاستبطان دوراً في توجيه الجانب السلوكي للفرد تحت تأثير الخوف من فقدان حب الوالدين، والخوف مما سمي فيما بعد (عقدة الخصاء). فالطفل الذي يرزح تحت وطأة عقدة أوديب، والذي يريد أن يبعد عنه الخوف من الخطر اللاشعوري المتمثل بفقدان حب الوالدين، أو العقاب، أو الخصاء. يجد نفسه منساقاً من جراء لعبة التماهي، إلى أن يستبطن ويستدمج ويتبنى جميع الانتقادات والنواهي المفصح عنها أو المفترضة، الصادرة بصورة رئيسية عن الوالد، وبالتالي تبدأ سيرورة “الكبت” للرغبات المحرمة.[21] وقد ربط فرويد في تحليله ما بين مبدأ اللذة، وما بين نزعة الموت. والأطفال كما نلاحظهم تواقون إلى تكرار ألاعيبهم لما تولد عندهم من لذة، لكن إذا ما تعدى هذا التكرار حداً معيناً انقلب إلى نزعة هدامة، تفجر اللعبة نفسها. فوراء كل محاولة تكرار حنين للعودة إلى حالة سابقة. فالطفل لا يترك أمه إلا مرغماً، ينتابه الحنين بالعودة إلى حضنها، إلى الرحم (الجنة المفقودة) حيث يؤمن له الدفء والغذاء والراحة والطمأنينة، وآخر المطاف ما بعد الأم، العودة إلى حالة الركود، أي نزعة الموت الكامنة وراء دافع التكرار. والمحلل النفسي يتصدى لهذا العارض، ومن خلال فتح الأفق التعبيري الكلامي الذي يتيح الفرصة للمحلَل كي يعيد النظر في مواقفه على ضوء ما يتكشف أمامه من حقائق لاشعورية مكونة لذاته تنقل العارض من دائرة التكرار المنغلقة، إلى صعيد أوسع يتلقى منه معاني جديدة، وتنفتح أمامه آفاقا واسعة تخرجه من عزلته العقيمة.
إن الدلالة اللغوية في التحليل النفسي هي علاقة ذاتية بموضوع. وقيام هذه العلاقة يعني أن الكلمة تحمل الحكم الانفعالي على الموضوع الذهني ذي الأصل المادي، وقيام الكبت بعزل الموضوع عن شحنته الانفعالية، وكبت أحد العنصرين سيدفع العنصر الشعوري إلى اختيار موضوعات بديلة أو جديدة، واختيار تلك الموضوعات البديلة غايته الابتعاد عن الموضوع الأصلي تدريجياً بإقامة سلسلة من الأفكار والبدائل الشعورية، فيبتعد عنها ويكبتها، وإنكار المريض علمه بما يحرك أفعاله وأفكاره – أي علمه بمصدر شعوره – يأتي من ابتعاد خبرته الشعورية تدريجياً عن مصدرها الأول “اللاشعور”. وذلك يجعله لا يعلم علمه بما يعتقد أنه لا يعلمه.[22] ووفق فرويد: فقد أصاب مفسر الأحلام الإغريقي  (أرتميدروس)  كبد الحقيقة حين قال إن الحلم يتغيّر مغزاه تبعاً لشخص الحالم وبمقتضى القوانين الناظمة للتعبير عن الأفكار اللاشعورية. فمثلاً نجد أن معنى فعل “أنقذ” يمكن أن يتغير تبعاً لكون صاحب تخيل الإنقاذ رجلاً أم امرأة. فبالنسبة للرجل يمكن أن يعني الإنقاذ “إنجاب طفل” أي أن يكون الرجل هو علة ولادته، كما يعني بالنسبة للمرأة أن تضع طفلاً. وهذه المعاني المختلفة لفعل (أنقذ) يمكن تعرفها بوضوح في الأحلام والتخيلات في ضوء ارتباطها بالماء. فحين يرى رجل في الحلم أنه ينتشل امرأة من الماء، فهذا معناه أنه يجعل منها أماً، أي أمه. وحين تنتشل امرأة كائناً ما “طفلاً” من الماء، فإنما تدلل (كقصة ابنة فرعون وانتشالها لموسى من الماء) على أنها أمه، أي التي أنجبته.[23] إن تأويل الأحلام – إذا لم تجعله مقاومات المريض أمراً شاقاً – يقودنا إلى اكتشاف الرغبات المكبوتة وكذلك المركبات التي غذتها. وكذلك نجد أن بعض الأفعال التي تعتبر بسيطة (كاللعب ببعض الأشياء بصفة آلية أو ترديد بعض الألحان أو تقليب الأصابع بطريقة معينة….. إنما هي هفوات دالة على أعراض ليست عديمة الأهمية، بل إن لها معنى ويسهل في أغلب الأحوال تأويلها، وعند ذلك نكتشف أنها تعبر هي الأخرى عن نزعات ونوايا نريد إخفاءها عن ساحة شعورنا، وأن منبعها يكمن في رغبات وعقد مكبوتة كالتي نجدها في الأعراض المرضية والأحلام.[24]
لقد أدرك فرويد إدراكاً واضحاً لا لبس فيه أن الإنسان عبارة عن بسط جدلي للتناقض بين الطبيعة ممثلة بالاندفاعات الفيزيولوجية النفسية، وبين المجتمع ممثلاً بالضغوط النفسية الاجتماعية التي بلغت درجة من التبطّن فتح من خلالها طريقين للتحليل النفسي، طريق إعادة تلاؤم الفرد مع المجتمع المحيط به، وطريق تحرير الطاقات النفسية التي ينبغي لها أن تتيح للأفراد خلق حياة اجتماعية جديدة.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
مُشاطرة هذه المقالة على: diggdeliciousredditstumbleuponslashdotyahoogooglelive

التّأويل في التّحليل النفسيّ :: تعاليق

لا يوجد حالياً أي تعليق
 

التّأويل في التّحليل النفسيّ

الرجوع الى أعلى الصفحة 

صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
** متابعات ثقافية متميزة ** Blogs al ssadh :: اخبار ادب وثقافة-
انتقل الى: