موقع للمتابعة الثقافية العامة
 
الرئيسيةالأحداثالمنشوراتالتسجيلدخول

عدد زوار مدونات الصدح

شاطر | 
 

 المخزن: من الدّلالة اللّغويّة إلى الممارسة السّياسيّة

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عزيزة
فريق العمـــــل *****
avatar

التوقيع :

عدد الرسائل : 1394

تاريخ التسجيل : 13/09/2010
وســــــــــام النشــــــــــــــاط : 4

12102018
مُساهمةالمخزن: من الدّلالة اللّغويّة إلى الممارسة السّياسيّة



«المخزن شبح، لكنه شبح والد هامليت يسيّر حركات الأحياء»
ـ عبد الله العروي
     لكلّ بلد نظامه السياسيّ الخاص به، نعني: تصوره للحكم، وللعلاقات الاجتماعيّة والسياسيّة بين أفراده. تقوم هذه التّصورات على الموروث الثقافيّ والممارسة التاريخيّة للسياسة داخل كل بلد على حدة. وقد تتشابه بلدان تجمعها ثقافة مشتركة، كالبلدان العربيّة، في نظرتها وممارستها للسياسة، غير أنّه لا يمكن أن ننكر وجود فروقات بين هذه البلدان، خاصّة بين البلدان الّتي تحمل إرث تاريخيّ قديم، والأخرى الحديثة الظهور. ومن هنا، فإننا في هذا المقال سنسلط الضوء على المخزن باعتباره نظام حكم خاص بالمملكة المغربيّة. وسنحاول الإجابة على الأسئلة التّاليّة: ما المقصود بالمخزن؟ وهل النظام المخزني مفيد؟ ومتى ظهر هذا النظام؟
جاء في المعجم: المخزن: مكان الخزن. وخزن الشيء، خزناً جعله في خزانة،  وخزن عنه العطاء منعه وحبسه، وخزن لسانه حفظه، وخزن السّرّ كتمه. والكلمة الأقرب للمخزن هي كلمة ” الخزانة ” وهي مكان الخزن. بمعنى أن لها نفس معنى المخزن وجمعها خزائن، وقد وردت في التنزيل الحكيم: ” و إن من شيء إلاّ عندنا خزائنه “. وهناك كلمة قريبة من كلمة خَزَنَ،  ولها معاني مهمة تفسر الحمولة السياسيّة لكلمة المخزن في المغرب،  و هي كلمة خَزَا . نقول فلاناً خزا خزواً أي ساسه وقهره وخزا الدّابة أي ساسها وراضها. و خزا الشيء: ملكه.  ومصطلح المخزن تم اعتماده في اللغة الفرنسيّة،  فجاءت كلمة : ماغازين Le Magasin  لتدل على المكان الّذي تخزن فيه الضرائب أو الذخائر الحربيّة.
لكن المخزن مصطلح يحمل دلالات خاصة في العاميّة المغربيّة، إذ إنه مرتبط بالسياسة وإدارة البلاد لا بالمستودع أو الخزينة ـ المكان الذي تحيل إليه الكلمة ـ   إنه اسم يطلق على النخب الحاكمة الّتي تدور في فلك القصر. لذا فهو أقرب لكلمة خَزَا كما شرحتها في الفقرة الأولى.
تاريخياً، انقسمت بلاد المغرب إلى قسمين،  أرض المخزن،  وأرض السيبة . أرض المخزن هي الأراضي التي كان يسيطر عليها السلطان،  فيجمع الضرائب و ينظمها،  وأمّا أرض السيبة فهي الأراضي التي لم يسيطر عليها السلطان، أو كانت تقع فيها تمردات.
ومصطلح ” السيبة ” يوحي بأن هذه الأراضي الّتي لم يسيطر عليها السلطان كانت مرتعاً للفوضى والنهب،  فالسيبة من السيب أي كل ما سيب وخلّى وترك. وبهذا المعنى فإن هذه الأراضي تركت بلا نظام. والحق أنه كان هناك نظام،  إلا أنه كان نظاماً داخلياً تعتمده كل قبيلة على حدة.  ويروي بعض المؤرخين أنه لم يكن أحد يستطيع أن يسافر في مناطق السيبة  إلاّ اذا كان مدفوعاً بضرورة قصوى، وذلك نظراً للأخطار الّتي قد تصيبه من قطاع الطرق ومن قبائل مجاورة.
أما بلاد المخزن فكانت أكثر تنظيماً وأماناً،  حيث كان السلطان  ينظم مناطقه عن طريق جمع الضرائب،  ولعلّ هذا ما أعطى للنظام اسم المخزن أو المستدوع،  أي المكان الذي تكدس فيه الضرائب. ثم إن للنظام قوّة،  أي فرسان وجنود يحملون أسلحة وذخائر توضع في المستودع أو في المكان الذي خصص لها.
يذكر عبد الله العروي أن المخزن  هو سلطة قبيلة أو زاوية. أي أن المخزن قد تغلب عليه خصائص القبيلة من حيث التّنظيم والسياسة كما كان الأمر أيام المرابطين والمرينيين. وقد تغلب عليه صفات الزاوية كما عند الأدارسة و السعديين وغيرهم . وفي الحالتين، حسب العروي،  المخزن تنظيم يتلخص في عسكر و ديوان، بمعنى سيف وقلم[1]. و قد جرت العادة على اعتبار كل من ينتمي إلى القوات المساعدة و الشرطة والجيش … مخزنياً،  بل حتى أن الثكنات العسكرية تسمى بهذا الاسم،  نجد مثلاً،  اسم ” القوات المساعدة،  مخزن متنقل “.  كما أن السياسيين أصحاب السّلطة يعتبرون من أهل المخزن وكذلك الإداريون وملاك الأراضي الشاسعة. و لهذا يرى بعض الباحثين أن المخزن يتشكل من لوبيات إدارية واقتصادية وسياسية ذات امتدادات أخطبوطية في المجتمع المغربي[2]. والمخْزَنيّ، حسب رأي العروي،  هو صاحب كلمة يتلقاها ويبلّغها. يأمر ليطاع، لأنّه هو نفسه مأمور مطيع. بمعنى أن النّظام المخزنيّ يقوم على مبدأ الطاعة[3].
إن النّظام المخزنيّ ينشر قيماً وذهنيات وسط محيطه. لهذا يُعرف المغربيّ بأنّه كائن مخزني بالقوّة أم بالفعل[4]،  أي أنّه كائن يمتلك ذهنية مخزنيّة تتمثل في الطاعة والولاء  والخضوع والكتمان[5]. وهي نفس الذهنيّة الّتي نجدها عند العسكري وعند رجالات المخزن.  ويمكن القول إن العقليّة المخزنيّة  نجدها في الأسرة المغربية وفي الزوايا والقبيلة، إنّها ذهنية يخضع لها جميع المغاربة.
يمكن الآن،  بعد أن عرفنا وحللنا  معنى المخزن،  أن نطرح السّؤال التالي: هل النّظام المخزني مفيد ونافع؟
لا شك أننا حين نتحدث عن هذا النظام فإننا نتحدث عن نظام  يقوم على مبادئ الولاء والطاعة والتّراتبيّة الاجتماعيّة، أي على أسس قديمة أسقطتها القيم الكونيّة الحديثة، وبالتاليِ؛ فإن هذا النظام غير متماشي مع روح العصر ومع مبادئ الحداثة. بيد أن هناك من يرى أن المخزن عامل استقرار في المغرب، لأنه يقوم في أساسه على ثقافة مغربيّة. نلاحظ مثلاً أن الرعية تقبل يد الملك،  كما أن الأبناء يقبلون يد أبائهم،  أو كما أن الصغار يقبلون يد الشيوخ،  أو كما أن الطالب يقبل يد أستاذه الفقيه في الكُتّاب،  فتقبيل اليد هنا يُنظر إليه كمبدأ ثقافي يوحي بالاحترام والتقدير والامتنان.  والملك في المغرب يمثل كل التراث الدينيّ والسياسيّ والثقافيّ للمغاربة، لذا وجب احترامه وتوقيره حسب ما جاء في الدّستور المغربي[6]. ثم إن المخزن يقوم بتوزيع الثروة بشكل يؤدي إلى ربط المجتمع المغربي بالعرش،  أي يؤدي إلى توحيد المغرب. علاوة على ذلك، لاحظ عبد الله العروي، أن الزعماء الوطنيين كانوا ينتمون إلى المخزن، بل اعتبر أن الفكر الإصلاحي تبناه بعض أعضاء المخزن. يقول عبد الله العروي : “لا يوجد زعيم وطني ليس له قريب داخل المخزن”[7]. ثم يقول : ” كل ما نلمس من فكر اصلاحي نجده عند بعض أعضاء المخزن الّذين كونوا شبه عصبة لتشابه التجارب و المحن التي مرّوا بها . نذكر منهم الحجوي والسليماني (…) لم يكونوا يعرفون لغة أجنبية ولاثقافة لهم سوى ما جنوا في القرويين ومع ذلك يرومون الإصلاح داخل وبواسطة المخزن. وهم الّذين أثروا فكرياً في أولئك الشبان الّذين تحولوا إلى وطنيين بعد حادثة الظهير البربري … “[8].
ختاماً، بقي أن نتحدث عن عمر المخزن. في الواقع لا يمكن أن نحدد السّنة الّتي ظهر فيها النظام المخزني بدقة. فبعض الباحثين قالوا إنه بدأ مع السعديين،  والبعض الآخر ذهب إلى القول إن المخزن ظهر قبل ألف سنّة أي مع الموحدين. والرأي الأكثر صواباً، في نظرنا، هو الرأي الذي يتحدث عن التطور داخل الاستمرارية والنمو المتواصل،  أي أنّه ظاهرة أو نظام تطور وأخذ خصائصه في جميع الحقب وبالتالي ليست له ولادة محددة بل هو ممتد في سائر التّاريخ المغربي. ويبقى أنه نظام مغربي خالص، أي أنّه طريقة مغربيّة في الحكم لم تظهر في أي دولة أخرى. ولهذا يقول عبد الله العروي إن المخزن هو الدّولة المغربيّة الشريفة، وهو الاسم الخاص للنظام السياسي المغربيّ، ولا يوجد لهذا الاسم ما يقابله تماماً في أي لغة أخرى[9]. فكما نجد لفظ كومنولت في البلدان الأنجلوساكسونيّة، ونجد لفظ رايخ في البلدان الجرمانيّة، وبويليكه في البلدان اللاتينيّة، فإننا نجد نظام المخزن في المملكة المغربيّة.
هوامش وحواشي:
1 ـ عبد الله العروي، من  ديوان السياسة، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، 2009، ص: 30
2 ـ أحمد عصيد، مقال : ورطة السلطة في مأزق 25 نونمبر . موقع هسبريس . نشر المقال بتاريخ : 2011/11/24
3ـ عبد الله العروي،  من  ديوان السياسة، مرجع سابق، ص: 31
4 ـ إدريس هاني، حكاية انحطاط دراماتيكي، مجلة وجهة نظر، عدد:46. صيف وخريف 2010، ص: 15
5 ـ نتذكر هنا تعريف كلمة خزن السر  أي كتمه.
6 ـ الدستور المغربي، الفصل: 46 . وقد كان دستور سنة 1996 يعتبر شخص الملك مقدس، أي أن شخصه طاهر وإلهي.
7  ـ عبد الله العروي، خواطر الصباح، يوميات (1967ـ 1973)، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية، 2007، ص:107.
8 ـ العروي، خواطر الصباح، مرجع سابق، ص : 122
9 ـ عبد الله العروي، خواطر الصباح (2007/1999)، المركز الثقافي العربي، ط:1، 2015، ص: 117.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
مُشاطرة هذه المقالة على: diggdeliciousredditstumbleuponslashdotyahoogooglelive

المخزن: من الدّلالة اللّغويّة إلى الممارسة السّياسيّة :: تعاليق

لا يوجد حالياً أي تعليق
 

المخزن: من الدّلالة اللّغويّة إلى الممارسة السّياسيّة

الرجوع الى أعلى الصفحة 

صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
** متابعات ثقافية متميزة ** Blogs al ssadh :: اخبار ادب وثقافة-
انتقل الى: