موقع للمتابعة الثقافية العامة
 
الرئيسيةالأحداثالمنشوراتالتسجيلدخول

عدد زوار مدونات الصدح

شاطر | 
 

 الأمن القومي العربي بين النظرية والتطبيق

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
نابغة
فريق العمـــــل *****
avatar

التوقيع : المنسق و رئيس قسم الفكر والفلسفة

عدد الرسائل : 1497

الموقع : المنسق و رئيس قسم الفكر والفلسفة
تعاليق : نبئتَ زرعة َ ، والسفاهة ُ كاسمها = ، يُهْدي إليّ غَرائِبَ الأشْعارِ
فحلفتُ ، يا زرعَ بن عمروٍ ، أنني = مِمَا يَشُقّ، على العدوّ، ضِرارِي

تاريخ التسجيل : 05/11/2009
وســــــــــام النشــــــــــــــاط : 2

10102018
مُساهمةالأمن القومي العربي بين النظرية والتطبيق

:farao: :farao: :farao: :farao: :farao: :farao: :farao: :farao: :farao: :farao: :farao: :farao: :farao: :farao: 

اعداد الباحث: أحمد أمين عبد العال – كلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية- جامعة الإسكندرية

  • المركز الديمقراطي العربي


 
يعد مفهوم الأمن القومي من المفاهيم الشائكة والمعقدة التي تستخدم بشكل مكثف ليس فقط في الخطابات السياسية العربية وإنما أيضاً في الخطابات السياسية لدول العالم المختلفة، وهو ما دفعها إلى السعي إلى تحديد جذور وأبعاد المصطلح والمصطلحات المتداخلة معه وما أبرز الفروق بينهم وبين الأمن القومي، إلى جانب تناول رؤية نظريات العلاقات الدولية خاصة الواقعية والليبرالية للأمن القومي وكيفية تحققه، ثم سنتناول الحالة العربية كتطبيق على إطارنا النظري عن الأمن القومي.
تعريف الأمن القومي:
ظهور المصطلح:
في حقيقة الأمر يمكن القول أن مفهوم الأمن القومي قد ظهر مع ظهور عصر الدولة القومية مع معاهدة ويستفاليا عام 1648م والتي كان من أهم مبادئها مبدأ الولاء القومي الذي رسخ الملكيات القومية في أوروبا، ولكن رغم ذلك فإن مصطلح الأمن القومي في تلك الفترة كان يتم التعبير عنه عملياً دون التنظير له، واستمر على ذلك حتى عام 1947م حينما أسست الولايات المتحدة مجلس الأمن القومي الأمريكي، وهو الأمر الذي أدى إلى تنظيم السلوك الخارجي الأمريكي وفقاً لهذا المفهوم، ولاحقاً تبنته معظم دول العالم مع ربطه بظروفها الخاصة وفق مصالحها.
تعريف الأمن:
قبل الحديث عن تعريف الأمن القومي فإنه يجب بداية تحديد مفهوم الأمن ذاته وهو المفهوم الذي يدور حوله مفهومنا بشكل رئيسي. في بداية الأمر يجب القول إن الأمن هو أحد الاحتياجات الرئيسية للإنسان بجانب المسكن والملبس والمشرب بل وتتفوق عليهم؛ فالأمن ضروري حتى يتمتع الإنسان بمأكله ومسكنه ومشربه، وما ينطبق على الفرد هنا في مجال الأمن انطبق بالضرورة على الأمم والشعوب المختلفة وتطور المفهوم ليواكب تطورات المجتمعات السياسية عبر التاريخ الإنساني وصولاً إلى عصرنا الحالي.
أما عن تعريف الأمن لغوياً فإنه نقيض الخوف ويعني السلامة وهو مصدر الفعل أمن والذي يعني اطمئنان النفس وسكون القلب، أما من حيث تعريفه الاصطلاحي فقد عرفته دائرة المعارف البريطانية بـ “حماية الأمه من القهر على يد قوة أجنبية”، إلى جانب ذلك فقد عرف هنري كيسنجر الأمن بأنه “أي تصرفات يسعى عن طريقها المجتمع إلى حفظ حقه في البقاء”. وقد شهد مفهوم الأمن تفريعات عدة؛ فأمكن تقسيمه من حيث عموميته إلى الأمن العام والأمن الخاص، ويشمل الأمن العام كل مناحي الحياة الإنسانية؛ حيث هناك الأمن الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والبيئي والثقافي وغير ذلك ويعرف أيضاً هذا النوع من الأمن بالأمن الشامل، وهذا المفهوم يعد أحد المفاهيم التي تتداخل مع مفهوم الأمن القومي كما سنوضح لاحقاً، وعلى الجهة الأخرى هناك الأمن الخاص والذي يختص بعلوم الأمن ذاتها كأمن المعلومات على سبيل المثال. وعلى الجانب الآخر فإن مفهوم الأمن أيضاً قد تم تصنيفه على أساس جغرافي فأصبح لدينا الأمن القومي أو الوطني، وهو مفهومنا الرئيسي الذي سنتناوله بشيء من التفاصيل في دراستنا، أيضاً هناك الأمن الإقليمي والأمن الدولي أيضاً.[1] [2]
مفهوم القومية:
تعد “ق و م” هي المادة اللغوية للقومية والقوم تعني الرجال دون النساء في اللغة، وجمعها أقوام، والفعل الثلاثي لها هو قام والرباعي أقام والذي يفيد بالارتباط بالمكان، ومن هنا ارتبط مفهوم القوم بالارتباط بمكان ما؛ ما يعني أن القوم هم جماعة يرتبطون بمكان معين.
أما من الناحية التاريخية فارتبط مفهوم القومية بالتطورات في أوروبا في العصور الوسطى خاصة مع تحقق الوحدة القومية الألمانية والإيطالية، وإن كانت معاهدة ويستفاليا هي السبب الرئيسي في ظهور مفهوم القومية حينما أكدت على الولاء القومي للأسر المالكة في أوروبا، ومع الثورة الفرنسية عام 1789م ازدهر مفهوم القومية وتعالت الدعوات في أوروبا بأن يكون لكل أمة دولتها القومية الخاصة بها، وقد أفضى ذلك إلى ظهور الدولة القومية في أوروبا ومنها إلى باقي دول العالم، والتي تقوم على جانب مؤسسي يقوم على وجود مؤسسات مستقلة تمارس من خلالها الدولة صلاحياتها، وتحتكر أدوات الإكراه المادي مع تجريد الباقي منها، بالإضافة إلى جانب  ثقافي يقوم على عنصر التجانس القومي والذي يعتبر هو المقوم الرئيسي للدولة القومية، وقد أختلف الباحثين حوله فالبعض رأى ضرورة أن تتكون الدولة القومية من أمة واحدة متجانسة قومياً، لكن هذا الرأي واجه مشاكل فلا توجد دولة حالياً تتكون من أمة واحدة أو عرقية واحدة فقط، فدولة مثل الولايات المتحدة تتكون من عرقيات متعددة، وحتى الدول الأخرى التي توجد بها هيمنة لعرقية واحدة يوجد بداخلها عرقية ما، ومن ثم جاء الرأي الثاني ليحسم الجدل حول هذه المسألة؛ حيث رأى أن توافر عنصر الرغبة في العيش المشترك هو جوهر عنصر التجانس القومي، نظراً لأن رغبة قوميات مختلفة في العيش المشترك سيؤدي إلى صهرهم جميعاً في بوتقة دولتهم القومية الواحدة.
وعلى الرغم من أن مفهوم القومية قد ظهر بشكل رئيسي بغرض توحيدي، إلا أنه استخدم أيضاً في مجال التفكيك مثل العرقيات التي تعاني من الاضطهاد وتطالب بالانفصال لتكوين دولتهم الخاصة مثل الأكراد أو للانضمام إلى دولة أخرى مثل إقليم كيبك في كندا، كما استخدم أيضاً كمبرر للقمع تحت شعار الوطنية والتي قد تتطرف لتصبح شوفينية والتي تعني الإفراط في الوطنية، وعلى كل حال فقد ارتبطت القومية بالشكل الحديث للمجتمعات السياسية وهي الدولة القومية القائمة على مؤسسات مستقلة تخضع لقانون سابق يعرف بالدستور، إلى جانب وجود عنصر التجانس القومي والذي يتوقف على الرغبة المشتركة في العيش المشترك.[3] [4] [5] [6]
الأمن القومي كمفهوم:
كما أوضحنا في السابق فإن الأمن القومي ظهر بشكل عملي قبل أن يتم التنظير له كمفهوم مع معاهدة ويستفاليا 1648م، واستمر في التطور إلى أن أصبح مفهوماً متداولاً على مستوى عالمي مع إنشاء الولايات المتحدة مجلس الأمن القومي الأمريكي عام 1947م، وقد اختلف الباحثون حول مفهوم الأمن القومي ومدلولاته؛ حيث رأي البعض منهم أن الأمن القوم يعني أمن الدولة من أي اعتداء خارجي، ومن ثم كان تحقيق الأمن القومي يقتصر على تقوية القدرات العسكرية للدولة بحيث تكون في مأمن من أية اعتداءات عسكرية، ولكن تلك النظرة تعد ضيقة فكثيراً ما كان انزلاق الدولة لسباق تسلح سبباً في نقص أمنها بدلاً من زيادته وفي كثير من الأحيان أدى إلى زوال الدولة ذاتها من الخريطة السياسية وكان آخر مثال لدينا على ذلك الاتحاد السوفيتي السابق الذي كان قد تفكك رغم امتلاكه ترسانة ضخمة متنوعة تمتلك أعتى الأسلحة التي عرفها العالم في تلك الفترة، ولكن لم يحل ذلك دون تفككه.
ونتيجة لقصر تلك النظرة توجه كثير من الباحثين لوضع تعريفات واسعة يمكنها أن تشمل أبعاداً أخرى للأمن القومي تتساوى في الأهمية مع الأمن التقليدي القائم على تعزيز القدرات العسكرية للدولة، فقدم أرنولد ولفرز تعريفاً قوامه حماية قيم الدولة الداخلية من الاعتداء الخارجي، ومن ثم فقد رأي أن الأمن القومي هو موقف من خلاله تستطيع الدولة حماية قيمها الجوهرية، ولكن هذا التعريف جعل الأمن القومي مفهوم غير موضوعي ولا يوجد به مقاييس يمكن بها قياس تهديد قيم الدولة الجوهرية؛ ما جعل هناك صعوبة في وضع تعريف واضح ومحدد للأمن القومي خاصة وأنه متعدد الأبعاد ومن ضمن التعريفات العربية التي تناولت الأمن القومي من زاوية عربية تعريف د. زكريا حسين، الرئيس السابق لأكاديمية ناصر للعلوم العسكرية، الأمن القومي العربي بـ “أنه قدرة الأمة العربية على الدفاع عن أمنها وحقوقها وصياغة استقلالها وسيادتها على أراضيها، وتنمية القدرات والإمكانيات العربية في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، مستندة إلى القدرة العسكرية والدبلوماسية، آخذة في الاعتبار الاحتياجات الأمنية الوطنية لكل دولة، والإمكانات المتاحة، والمتغيرات الداخلية والإقليمية والدولية، والتي تؤثر على الأمن القومي العربي”[7]، ويلاحظ من هذا التعريف أنه اهتم بالأدوات الدبلوماسية إلى جانب العسكرية، إلى جانب تعزيز قدرات الدولة في مختلف المجالات السياسية والثقافية والاجتماعية، مع أخذه المتغيرات الداخلية والإقليمية والدولية في الاعتبار؛ ومن ثم فهو واحد من أشمل التعريفات التي تناولت الأمن القومي، وإن كان أيضاً لم يضع مقاييس موضوعية يمكن من خلالها قياس الأمن القومي، ومن جهة أخرى يواجه مفهوم الأمن القومي أيضاً شأنه شأن باقي المفاهيم في العلوم الاجتماعية مشكلة تداخله مع عدد من المفاهيم الأخرى التي سنتحدث عنها لاحقاً، كذلك واجه الأمن القومي تحديات داخلية أيضاً تهدد بنية ووحدة الدولة وسلامتها مثل خطر العرقيات والدعوات الانفصالية، إلى جانب التفاوت الطبقي خاصة في دول العالم الثالث فضلاً عن التحديات الخارجية، وهو ما زاد من صعوبة الوصول إلى تعريف شامل للأمن القومي، وهو أمر طبيعي في العلوم الاجتماعية بشكل عام.
ومن ثم نستطيع أن نخلص من العرض السابق إلى أن تعدد أبعاد الأمن القومي وتزايد مهدداته الداخلية إلى جانب الخارجية خاصة مع بروز ظاهرة العرقيات ما بعد الحرب البادرة، كل ذلك أدى إلى صعوبة توصل الباحثين إلى اتفاق بصدد تعريف الأمن القومي، واستناداً لما سبق يمكننا أن نضع تعريفاً مقترحاً للأمن القومي يقوم على “المزج بين قدرات الدولة الناعمة والصلبة بهدف حماية بنيان الدولة الداخلي والمساهمة في تحقيق مصالح الدولة الخارجية”.
المفاهيم المتداخلة مع الأمن القومي:
الأمن القومي والسياسة الخارجية:
في البداية يمكن القول إن هناك تداخلاً منطقياً بين مفهوم الأمن القومي وعدد آخر من المفاهيم التي تتداخل معه في نفس اهتماماتها، ويأتي على رأس تلك المفاهيم مفهوم السياسة الخارجية للدولة الذي يهتم بشكل رئيسي بالبيئة الدولية التي تتفاعل معها الدولة وكيفية صنع القرارات الدولية، إلى جانب دراسة سلوك الفاعلين الدوليين في إطار الحفاظ على مصالح الدولة الحيوية والعمل على تحقيقها، وهو أمر يتداخل مع اهتمام الأمن القومي أيضاً؛ فكما أوضحنا من تعريفات الأمن القومي كلها تصب في كيفية حماية الدولة لقيمها الجوهرية والتي تعد مصالحها القومية التي تسعى لحمايتها وتحقيقها في البيئة الدولية، علاوة على كونها مكون أساسي من صياغة السياسة الخارجية للدولة؛ حيث تعرف السياسة الخارجية للدولة على أنها “برنامج عمل الدولة في العالم الخارجي بالاستناد إلى أهداف ومصالح الدولة القومية”، ولكن على الرغم من هذا التداخل فإن هناك أمراً يميز بين المفهومين؛ فالأمن القومي لا يفرق بين الخارج والداخل أو بمعنى آخر الأمن القومي يتناول الأمن للدولة كوحدة واحدة ومن ثم فالسياسات الداخلية والخارجية تقع ضمن نطاق اهتمام الأمن القومي بوصف حماية قيم الدولة وحفظ سلامتها لا يقتصر فقط على الاعتداءات الخارجية وتحقيق مصالح الدولة في الخارج إنما يمتد أيضاً ليشمل سلامة الداخل باعتباره أحد الأمور التي يمكن أن تهدد الأمن القومي للدول خاصة مع انتشار سيناريو تفجير الدول من الداخل؛ فالسلوك الخارجي جزء لا يتجزأ من السلوك الكلي للدولة الرامي إلى حفظ قيمها الجوهرية بالنسبة لمفهوم الأمن القومي.[8]
الأمن القومي والمصلحة القومية:
        يعتبر مفهوم المصلحة القومية مفهوم تحليلي يمكن استخدامه لفهم وتفسير السلوك الخارجي لدولة ما ولفهم دوافع وأسباب السلوك الخارجي للفاعلين الدوليين، كما يستخدم أيضاً لتقييم السياسة الخارجية للدولة؛ حيث كما أوضحنا تستهدف السياسة الخارجية تحقيق مصالح الدولة القومية، ومن ثم فإن مفهوم المصلحة القومية قد تداخل هو الآخر مع مفهوم الأمن القومي، من خلال أن كل منهما يستخدم كمفهوم تحليلي لتقييم سلوك الدولة الخارجي الذي يهدف في المقام الأول إلى حماية قيم الدولة الجوهرية، إلا أن مفهوم الأمن القومي تجاوز مفهوم المصلحة القومية من حيث الاهتمام فهو أيضاً يهتم بتقييم السلوك الداخلي للدولة ما جعله يتداخل أكثر مع مفهوم آخر وهو مفهوم المصلحة العامة.[9]
الأمن القومي والمصلحة العامة:
يعاني مفهوم المصلحة العامة من نفس المعضلة التي يعاني منها مفهوم الأمن القومي؛ فكلاهما مفهومان يشملان أبعاداً كثيراً ويهتمان بالداخل والخارج، وكلاهما أيضاً يمكن أن يطلق عليهما مفهومان هلاميان لا يمكن وضع حدود واضحة لهما نظراً للأبعاد التي يشملها كلاً منهما وهو ما تسبب في كثير من المشاكل في الاستخدام العملي للمفهومين، ومن الناحية النظرية فكلاهما يتداخل مع الآخر إلى حد أن هناك صعوبة في الفصل بينهما فما يعد أمناُ قومياً يعد مصلحة عامة والعكس صحيح.[10]
مفهوم الأمن والأمن القومي:
        كما أوضحنا في مفهوم الأمن فإن ذلك المفهوم هو الذي انبثق منه مفهوم الأمن القومي؛ فالأمن له مستويات كان الأمن القومي أحدها، ومن ثم يمكن القول إن علاقة الأمن القومي بالأمن هي علاقة الجزء بالكل، وعلى الرغم من ذلك فإنه كثيراً ما يستخدم مفهوم الأمن القومي كتعبير أو مرادف للأمن كمفهوم عام، جدير بالذكر أيضاً أن مفهوم الأمن قد يكون ذو دلالة فردية بمعنى أنه يدل على الأمن على المستوى الفردي بينما الأمن القومي عادة ما يشير إلى أمن الدولة القومية أو الأمن على مستوى إقليم دولة ما.
أبعاد الأمن القومي:
كما أوضحنا في السابق فإن أحد أهم أسباب عدم توافر حدود معينة يمكن من خلالها تحديد مفهوم الأمن القومي يرجع إلى تعدد أبعاده وشموليتها لكافة مناحي الحياة الإنسانية فهناك البعد السياسي للأمن القومي، والاقتصادي، إلى جانب البعد العسكري الذي كان هو البعد التقليدي في الماضي، ومع اشتداد الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي صار البعد الأيديولوجي بعداً هاماً للأمن القومي، وفي هذا الشأن فإننا سنحاول تناول هذه الأبعاد بشيء من التفصيل فيما يلي:
البعد السياسي للأمن القومي:
        يتمثل البعد السياسي للأمن القومي في الحفاظ على وحدة وسلامة أراضي الدولة وهذا البعد يشمل شقين: الشق الأول هو الشق الداخلي الذي يتضمن الحفاظ على وحدة الشعب داخلياً وولائه للدولة القومية ومؤسساتها وقبوله بأيديولوجيتها، أما الشق الخارجي فهو يشمل حماية حدود الدولة من أي اعتداءات خارجية قد تؤدي إلى تفكك وحدة الدولة أو الانتقاص من إقليمها، ونلاحظ هنا أن هناك ارتباطاً بين الشق الداخلي والخارجي للبعد السياسي فكلاهما يصب في حماية وحدة أراضي الدولة ومن الممكن أن يتسبب الشق الخارجي في احداث خلل داخلي في دولة ما؛ فمثلاً أدت العقوبات الأمريكية على العراق إلى تقوية شوكة الأكراد ما أضعف الجبهة الداخلية، كذلك فإن عدم قدرة الدولة على حفظ وحدة جبهتها الداخلية وضمان ولاء الشعب لها على أساس عنصر الرضا في العيش المشترك؛ فإن ذلك من شأنه أن يؤثر على الشق الخارجي فمثلاً اعتماد الاتحاد السوفيتي على أدوات الإكراه والتجميع القسري لقوميات غير راغبة في العيش المشترك أدى إلى العديد من الاضطرابات الداخلية التي أثرت على قدرة السوفييت في تحقيق مصالحهم الخارجية وأدى في النهاية إلى تفكك الدولة وزوالها تماماً، ومن ثم يمكن القول أن البعد السياسي بشقيه يهدف بشكل أساسي إلى حفظ وحدة الدولة ما يجعلها قادرة على تحقيق مصالحها إزاء الدول الأخرى.
البعد الاقتصادي للأمن القومي:
برز البعد الاقتصادي للأمن القومي مع ازدياد عتبة الخيار العسكري وارتفاع تكلفته خاصة على الدول الكبرى في ظل الردع النووي الذي صار مكبلاً للأداة العسكرية لأن استخدامها قد يؤدي إلى فناء الجميع، ومن ثم بدأت الدول وعلى رأسهم الولايات المتحدة في الاتجاه نحو الجانب الاقتصادي في علاقاتها مع باقي دول العالم؛ ما جعل البعد الاقتصادي واحداً من أهم أبعاد الأمن القومي، نظراً للجوء الدول الكبرى إلى اتباع العقوبات الاقتصادية على الدول التي ترغب في تغيير توجهاتها الخارجية دون استخدام القوة العسكرية، وقد كان العراق خير مثال على ذلك حينما تعرض لحصار اقتصادي دولي أدى إلى اضعاف قدراته وخفض من المستوى المعيشي داخل العراق بشدة وكان من نتيجته أن توفى نحو 567 ألف طفل، ومع تزايد أهمية الأداة الاقتصادية وتزايد الاعتماد المتبادل في عالم اليوم، صارت القوة الاقتصادية أحد العوامل شديدة الأهمية بالنسبة لقوة الدولة لتثبت صدق المقولة القديمة القائلة بذهبي أعد الجند وبجندي أجمع مزيداً من الذهب، فبالفعل تساعد قوة الدولة الاقتصادية على تدعيم قدراتها العسكرية والسياسية وتساهم في تدعيم نفوذها الخارجي؛ حيث تمكن القوة الاقتصادية الدولة من أن تغري الدول الأخرى برعاية مصالحها من خلال المساعدات الاقتصادية المختلفة، ولا يفوتنا هنا الحديث عن أثر المساعدات الاقتصادية الضخمة التي قدمت لدول أوروبا الشرقية بهدف التعجيل بتحولها من النظام الاشتراكي المنهار إلى النظام الرأسمالي، وليس أدل من أهمية البعد الاقتصادي للأمن القومي ما حدث للاتحاد السوفيتي؛ فعلى الرغم من اهتمام قيادات السوفييت بالبعد العسكري التقليدي للأمن القومي، إلا أن تراجع مستوى المعيشة داخله أدى إلى تعريض وحدة الدولة للخطر فتصاعدت الاحتجاجات المختلفة في شرق أوروبا بشكل رئيسي نهاية الثمانينيات احتجاجاً على الوضع الاقتصادي المتدهور في الداخل السوفيتي ما أدى في النهاية إلى زوال الاتحاد السوفيتي كقوة عظمى من الخريطة السياسية وذلك بفضل تركيز اهتمامه فقط على البعد العسكري واهمال البعد الاقتصادي تماماً.[11] [12]
مؤخراً بدأت الولايات المتحدة في الاهتمام بالبعد الاقتصادي من أمنها القومي؛ حيث رأى ترامب أن الصين باتت تمثل خطراً اقتصادياً كبيراً على أمن الولايات المتحدة القومي، وهو ما تمثل في وثيقتي ديسمبر 2017م ويناير 2018م، وقد أكدت الوثيقة الأولى على ضرورة حماية الاقتصاد الأمريكي من خلال القيود الحمائية المفروضة على التجارة مع الولايات المتحدة، لتأكد الوثيقتان على أن الخطر الحقيقي الذي يتهدد الولايات المتحدة يتمثل في: القوة السياسية والعسكرية الروسية والقوة الاقتصادية الصينية[13]، وهو ما دفع الإدارة الحالية للدخول في حرب تجارية مع الصين، إلى جانب اشتراطه على دول الناتو زيادة نفقاتها في الحلف؛ حيث كانت الولايات المتحدة أكبر مساهم فيه، وقد عبر ترامب عن وجهة نظره تلك بقوله أن عصر الاستغلال التجاري للولايات المتحدة قد انتهى[14]؛ حيث ترى الإدارة الأمريكية الحالية أن أمنها الاقتصادي صار معرضاً للخطر خاصة من جانب الصين وهو ما يفسر فرضه لرسوم جمركية ضخمة حالياً على الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة[15].
أما على صعيد باقي دول العالم فقد صار الأمن الاقتصادي ذو أهمية جوهرية لهم وهو ما يفسر توجه معظم دول العالم الثالث إلى وضع خطط للتنمية المستدامة حالياً بالتوافق مع برنامج الأمم المتحدة للتنمية المستدامة؛ فحتى دول الخليج وعلى رأسها السعودية بدأت في وضع خطط طويلة الأجل بهدف تحويل اقتصادهم من اقتصاد معتمد على مصادر الطاقة فقط إلى اقتصاد متنوع خاصة مع أزمة النفط الأخيرة التي ضربت اقتصادات الخليج.[16]
ومن حيث تعريف البعد الاقتصادي للأمن القومي فيمكن القول بأنه يتمثل في تنمية الموارد الاقتصادية للدولة وتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة التي تضمن استمرار رفاهية الشعب بما يساهم في حماية استقرار الدولة داخلياً ما يؤدي إلى حماية القيم الجوهرية لها وهو الهدف الرئيسي للأمن القومي، ومن ثم يمكن القول أن تصاعد أهمية الأداة الاقتصادية ما بعد الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة قد أدى إلى بروز البعد الاقتصادي كأحد أهم الأبعاد الحالية للأمن القومي والذي بدأت الدول الكبرى ذاتها في الاهتمام به وتعمل على تعزيز قدراتها الاقتصادية في المقام الأول قبل استخدامها كأداة لمد نفوذهم إلى الدول الفقيرة.[17]
البعد الأيديولوجي للأمن القومي:
        اكتسب العامل الأيديولوجي أهمية متزايدة في عالم الحرب الباردة؛ حينما انقسم العالم إلى معسكرين أحدهما اشتراكي والآخر رأسمالي، ونتيجة لتزايد أهميته صار أحد أهم أبعاد الأمن القومي والذي يقوم على قدرة الدولة على حماية قيمها الأيديولوجية الداخلية والحفاظ عليها ضد موجات التخريب العقائدي، كما يتضمن أيضاً قيامها بنشر قيمها تلك في العالم الخارجي كأداة لمد النفوذ، وتعد إيران حالياً من أهم دول المنطقة التي تستخدم العامل الأيديولوجي في نشر نفوذها الخارجي، وتعد دول الخليج من أكثر الدول التي يتعرض بعدها الأيديولوجي للخطر نظراً للأقليات الشيعية التي ترتبط عقدياً بإيران في الخليج إلى جانب اليمن التي صارت تمثل خطراً على الأمن القومي السعودي من الجنوب ودفع السعودية لتشكيل تحالف بهدف التصدي لتهديدات الحوثيين.
البعد العسكري للأمن القومي:
يعد البعد العسكري أقدم أبعاد الأمن القومي، وكان في الماضي يعد مرادفاً له؛ فكما ذكرنا في بعض التعريفات اعتبر البعض أن الأمن القومي هو فقط حماية حدود الدولة من أي اعتداءات خارجية؛ ما كان يعني أن ذلك البعد يقوم على تقوية القدرات العسكرية للدولة والتأكد من جاهزيتها وقدرتها على حماية حدود الدولة بضمان هامش من التفوق الاستراتيجي، ولكن هذا الهامش كان من الصعب ضمانه كما أنه هناك عوامل معنوية غير قابلة للقياس الكمي كالروح المعنوية مثلاً والخبرة القتالية وغيرها؛ ما كان يؤدي إلى انزلاق الدول إلى سباقات تسلح تنشر التوتر الدولي وتهيئ لحروب عديدة.
ونظراً لكون أن البعد العسكري كان بالنسبة للدول في العصور القديمة هو البعد الأكثر أهمية نظراً لأن تهديد الأمن القومي كان غير ممكن بغير الأداة العسكرية تقريباً لذا حاز هذا البعد أهمية قصوى لدى الدول الكبرى في تلك الفترة؛ حيث انزلقت جميعاً إلى سباقات تسلح والتي أدت إلى تشكيل تحالفات وتحالفات مضادة مثل تحالف الوفاق الثلاثي ودول الوسط أو المركز قبل اندلاع الحرب العالمية الأول، وتحالف الحلفاء ضد المحور في الحرب العالمية الثانية، وكان كل تحالف يسعى لضمان تفوقه العسكري حتى يردع الطرف الآخر عن دخول حرب ضده، إلا أن دخول الدول الكبرى عصر الردع النووي وظهور البعد الأيديولوجي تراجع البعد العسكري قليلاً أمام البعد الاقتصادي والأيديولوجي، ولكن لم يعن ذلك تخلي الدول عن قدراتها العسكرية بل استمرت في تعزيز تلك القدرات وضمان أمنها من الناحية العسكري تحسباً لأي طارئ قد يحدث؛ فرغم إدراك القطبين أن حرب مباشرة بينهما ستدمر البشرية فإنهما استمرا رغم ذلك في تعزيز قدراتهما العسكرية سواء عسكرياً أو تقليدياً ولا يزال السباق محموماً إلى الآن بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، وعلى الصعيد الإقليمي أصبحت السعودية من ضمن أكثر دول المنطقة انفاقاً في المجال العسكري؛ نظراً للتهديدات الأمنية التي تحيط بها.
ومن ثم يمكن القول إن البعد العسكري لايزال مهماً لحماية الأمن القومي للدول رغم ارتفاع عتبة الخيار العسكري. جدير بالذكر أن الولايات المتحدة منفردة يشكل انفاقها العسكري نحو ثلث الإنفاق العالمي.[18][19]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
مُشاطرة هذه المقالة على: diggdeliciousredditstumbleuponslashdotyahoogooglelive

الأمن القومي العربي بين النظرية والتطبيق :: تعاليق

لا يوجد حالياً أي تعليق
 

الأمن القومي العربي بين النظرية والتطبيق

الرجوع الى أعلى الصفحة 

صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
** متابعات ثقافية متميزة ** Blogs al ssadh :: استـــراجيــات متحـــــــــــــــولة يشاهده 478زائر-
انتقل الى: