موقع للمتابعة الثقافية العامة
 
الرئيسيةالأحداثالمنشوراتالتسجيلدخول

عدد زوار مدونات الصدح

شاطر | 
 

 الشخصية الهامشية في السينما

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
جنون
فريق العمـــــل *****
avatar

عدد الرسائل : 2121

الموقع : منسقة و رئيسة القسم الفرتسي بالمدونات
تاريخ التسجيل : 10/04/2010
وســــــــــام النشــــــــــــــاط : 4

10102018
مُساهمةالشخصية الهامشية في السينما




     غالبا ما ينظر إلى الشخصية "الهامشية" في ثقافتنا العربية المعاصرة من زاوية نظر "سوسيولوجية" ضيقة، لا ترى فيها سوى وجه الضحية البائس الذي يدفع غاليا ثمن التوجّهات الاقتصادية والاجتماعية التي تخدم مصلحة أقلية ما على حساب الأكثرية، مهما كانت صفة هذا التوجّه الإيديولوجية. وعلى ما تدّعيه هذه النظرة في تعبيراتها الفكرية والسياسية والثقافية من تعاطف مع هذه الفئات إلا أنّ نظرتها الفوقية تحبسها في ثنائية المركز /الهامش، الأعلى /الأسفل، المحظوظ /المسكين. وهي نظرة تحمل مشاعر العطف والتضامن "الإنسانوية"، ولكنّها إيديولوجيا وثقافيا تعيد إنتاج المراتبية الاجتماعية السائدة، وتؤبّدها بما تقدّمه من أعمال فنّية، ترسّخ الرؤية القدرية الطبقية للمجتمع، باعتبارها سنّة اللّه في خلقه. ولنا في الكمّ الهائل من الأفلام والمسلسلات العربية دليل كبير على ذلك.
     الأعمال الفنيّة التي تغذّت من الهامش الاجتماعي أكثر من أن تحصى سواء في الموسيقى والمسرح والأدب أو السينما وغير ذلك من الفنون. ولكن الأعمال التي تجاوزت  الاستفادة النفعية والتجارية "الشعبوية" من الثقافة الهامشية إلى الاحتفاء بالهامش وإعطائه دلالات ومعاني جديدة قليلة ونادرة. ويهمّنا في هذا  المقال أن نعرّف قرّاء الأوان بتجربة سينمائية تونسية، نزعم أنّها تقترح رؤية متميّزة للشخصيات الهامشية وللشخصيات المعبّرة عن الطبقة الوسطى أو شبه الوسطى، رؤية عرفت كيف تذهب بعيدا في النظر إلى الطبقات الأسطورية والدينية والميتافيزيقية التي تشكّل هذه الشخصيات. التجربة صاغها المخرج السينمائي التونسي "الجيلاني السعدي" في شريطين طويلين هما "خرمة" و"عرس الذيب".
      في شريطه الأول "خرمة" خرج للقاعات التونسية في فيفري 2003. يوفّر المخرج للجمهور متعة متابعة شخصية هامشية تدعى "خرمة" قام بالدور "محمد لسعد قريع". (وخرمة في الاستعمال اللّغوي التونسي الدّارج تعني كلّ شيء فوضوي وبلا معنى). تجمع هذه الشخصية بين الظرف والبلاهة والحكمة والفقر والثراء الرّوحي، وهي تعبّر عن هذه المفارقات في إقبالها الشهواني والمتعفّف في نفس الوقت على الحياة والنساء واللّعب والرقص والغناء، بالتوازي مع عملها اليومي في العناية بجثامين الموتى من غسل وتلاوة قرآن ودفن وغير ذلك. يصعّد المخرج في الإيقاع الكوميدي للفيلم وفي الطاقة اللاّعبة لشخصية "خرمة" عندما يختاره الأهالي لتعويض كافله وعرّابه "بوقلبة" (قام بالدور"محمد المورالي") المسؤول الأوّل عن شؤون الموت والموتى في المدينة بعد أن ظهرت عليه علامات الجنون.  
     يقوم  "خرمة" في البداية بتغيير اسمه ليصير "بلال"، بكلّ ما يحمله هذا الاسم من رمزية دينية وتاريخية من دلالاتها البارزة التحرّر والثورة على العبودية كما هو معروف. ثم يعلن عن طريقة جديدة في تنظيم عمل زملائه الممتهنين لحرفة العناية بالموتى وأهلهم. فيضاعف الأجر عن جميع الخدمات.
     ويحوّل العصا التي كان يتّكئ عليها "بوقلبة" من الكبر والعجز إلي عصا إمامة. ويصير شيخا واعظا، سعى إلى منع الظلم والاستغلال المسلّط على الفقراء والمعدمين منهم، دون أن يفرّق في دعوته الجديدة والغريبة بين "الصالحين" منهم و"المنحرفين"، حتّى أنّه يقبل حضور حفلة سكر ورقص صاخبة لـ"عصابة" ممّن يحسبون على المشاغبين واللّصوص والمنحرفين في المدينة، وذلك مقابل تكفّله المجاني بجنازة والد فتاة فقيرة.
       "خرمة" أو "بلال" الطالع من العالم السفلي، عالم الموتى، قام بما فرضه من قوانين وسنن جديدة بتحرّير الدّين من دوره المتحفي الجنائزي، مانحا إياه بعدا ثوريا، يدافع به عن حقوق المهمّشين في العدل والحرية واللّذة، والتي بدت في شكلها الجماعي الذي صوّر في الفيلم من خلال أجواء السهر"الباخوسي" الصاخب أشبه بطقس "ديونوزوسي" في  الاحتفاء بالمتعة واللّعب. "خرمة/بلال" يضعنا أمام كونٍ أسطوريّ يذكّرنا بعديد الأبطال الذين تمرّدوا على الآلهة وعلى ممثليهم في الأرض.
      يفتضح أمر السهرة التي أقامها "بلال" واستمتع فيها لأوّل مرّة بالخمر. فيقوم الأهالي بخلعه من المهمّة التي أورثوها له. ويسلّطون عليه عقوبة جسدية مريعة، تذكّر في فظاعتها بما تعرّض له الأنبياء والرسل والثوّار في أزمنة مختلفة من تنكيل. ومع ذلك تظلّ صورته وهو يجري محلّقا بيديه مثل طائر حرّ تتردّد في نهاية الفيلم، لتعبّر عن أشواق الإنسان الأولى للحرية واللّعب والمرح. 
     في شريطه الطويل الثاني "عرس الذّيب" (خرج إلى لقاعات في 2006 ) تتجه كاميرا "الجيلاني السعدي" إلى حلقة من الشبان المهمّشين ( قام بالأدوار كلّ من "عبد المنعم شويات"، و"عاطف بن حسين" و"الحبيب بن مبارك") ثلاثة شبان تعرّضوا لتوّهم إلى عنف مافيا قوية تحتكر تجارة البضائع الممنوعة والمهربة. حداثة عهدهم بعالم التجارة السوداء وقلة خبرتهم وعجزهم عن مقاومة المافيا التي تتحكّم في مصادر هذه التجارة تدلّ كلّهاعلى أنهم "مهمّشون جدد" إذا جازت العبارة، أو مهمّشون من الدرجة الثانية. وككلّ مهمّشي الدرجة الثانية المسحوقين يلتقون في جلسة سكر للتعويض عن خسارتهم وألمهم الفادح. فيتبادلون التعازي عن بؤسهم المتواصل على حافة أحد الأنهج المظلمة بالمدينة العتيقة، حيث كلّ شيء من مبان وأضواء وألوان يتداعى إلى الكآبة والوحشة. خلال ذلك وفي أطوار متقدّمة من السكر، وبعد أن التحق بهم "صطوفة" (قام بالدور "محمد لسعد قريع") ابن العائلة المدلّل (قياسا بأوضاعهم) الذي تخاصم مع والده، تمرّ مومس الحيّ (قامت بالدور "أنيسة داود")، عائدة من عملها بأحد المطاعم اللّيلية. فيقوم أحد الثلاثة الذي تعتعه السكر باستفزازها، فتشكّك برجولته، ممّا هيّج الشبان الثلاثة لردّ الفعل وذلك بالتداول على اغتصابها، يعترض "صطوفة" على عملية الاغتصاب المريعة، ولكن دون جدوى. ويمعن "المخرج" في تصوير حجم الألم والإهانة التي شعرت بها الفتاة عند اغتصابها. فاحترافها  البغاء لا يبرّر اغتصابها باعتباره تعدّيا صارخا على إنسانيتها وكرامتها. 

     "صطوفة" الذي اعترض على هذا السلوك هو غير أصدقائه الثلاثة، فهو رمز إذا جازت العبارة لأوسع طبقة في المجتمع التونسي، الطبقة الوسطى أو شبه الوسطى. فقد الشجاعة والقدرة على تغيير حياته. متذبذب وعاجز. يتمرّد على الأب والعائلة، ولكنّه لا يبتعد كثيرا عن محلّ سكناه العائلي. يستعذب السكر والغناء، حالما بالهجرة إلى الجزيرة التي سيغنّي فيها مع مطربته المفضلة "سيزاريا إيفوريا".
     ويمعن المخرج "الجيلاني السعدي" في الكشف عن هشاشة هذه الشخصية، رغم تعاطفه معها. فقد اتهمته المومس بأنّه شارك في عملية اغتصابها، ممّا عرّضه للضرب من قبل أصدقائه ومشغّليها، فتمّت تعريته بالكامل، ووضع في صندوق كبير للقمامة، وحمل نائما وعاريا على صندوق الخضار الذي تجوّل به بين شوارع وأزقة تونس العاصمة، ممّا أتاح لمشاهدى الفيلم رؤية تونس ليلا. ومع ذلك يعجز عن الانتقام من الفتاة المومس، بل يتعاطف معها في لحظات سكره بالمطعم الذي تعمل به، وتنشأ بينه وبينها علاقة إعجاب وتعاطف متبادلين. يحبس "صطوفة" المومس في مكان مهجور، ويعاملها بلطف يجعلها تتراجع عن الهرب، ويأخذها في جولة رومانسية على متن دراجته النارية بين شوارع وأزقة المدينة ليلا، يطلب منها الزواج، فتتعاطف مع طلبه، وتتركه ليعود إلى منزل والديه الحنونين، فلا قبل له ولا طاقة على تحمّل حياة الهامشيين من أمثالها.
     عبر الشخصيات الهامشية التي تتقاتل فيما بينها من أجل المال والمركز أو عبر شخصية صطوفة ابن الطبقة الوسطى المدلّل المتردّد والعاجز عن تغيير شروط وضعه، والذي يعود إلى البيت مثل طفل، يبيّن المخرج "الجيلاني السعدي" أنّه لا يمكن في النهاية إحداث تغيير حقيقي إلا بقتل الأب بالمعنى الرمزي، أي التمرّد على ما يمارسه من كبت واستلاب وسطوة على إرادة الأبناء في الاستقلال والحرية. والأب هنا تتوسع دائرته ليشمل واقعا اجتماعيّا متسلّطا، يتجسّد في المافيا التي تريد أن تتحكّم بأرزاق الناس وفي ثقافة "ذكورية" ما زالت تمارس نوعا من الإرهاب على حرية الجسد والفرد. وليست المرأة هي الضحية الوحيدة لهذه الثقافة بل الرجل أيضا.
لأسباب عديدة كانت العلاقة بين الفئات الهامشية وما يصطلح عليه بالطبقة الوسطى في المجتمعات العربية تتأرجح بين التمايز في بعض الفترات التاريخية والتشابه في فترات أخرى، إلى درجة جعلت عددا من الباحثين يعترضون على صفة "طبقة وسطى" في تسمية فئات اجتماعية عربية لها أوضاع خصوصية مختلفة، وتحتاج إلى تحديدات أخرى من قبيل "الطبقة شبه الوسطى" تمييزا لها عن "الطبقة الوسطى" التي كانت شكّلت سندا اجتماعيا كبيرا في نهضة عدد من البلدان الأوروبية في رأيهم. والمتأمّل في صورة الشخصيات المعبّرة عمّا يصطلح عليه عندنا  بالطبقة الوسطى في معظم الأعمال الفنية الرّائجة، (حتّى في البلدان التي تفخر باتساع حجم الطبقة الوسطى لديها)، يلاحظ أن  معظمها مكبّل بواقعه الاجتماعي. فهي راضية بمصيرها. لا تملك خيارات كثيرة لتغييره بعد أن كبّلتها الدّيون والالتزامات والواجبات العائلية. وهي غالبا ما تبحث عن حلول مدروسة وعقلانية، تحفظ لها ما تعتقد أنّها حقّقته اجتماعيا، وتطمئنها على مصيرها. ويبدو أن حياتها ما زالت  تغري جمهور المسلسلات الذي يجد في بكائياتها "المنفلوطية" (نسبة إلى الأديب  المصري "مصطفى المنفلوطي") عذوبة ومتعة مختلطة بالدموع الحارقة والمطهّرة للنفس المعذّبة، تترجم في تقديرنا عجزها و(عجزنا كنخب ومجتمعات) عن تغيير شروط وضعها، بل ويأسها "القدري" من ذلك .
     وبالمقابل تتوفّر الشخصيات "الهامشية" وما تزال على خصائص إنسانية مختلفة، فهي بحكم ما تعانيه من إقصاء متعدّد المظاهر مستعدّة لتغيير حياتها في كلّ لحظة، وهي غالبا ما تعيش على حافة الطريق، تتردّد بين البقاء في الهامش والمغامرة بالانتقال إلى الضفة الأخرى. وهم في حالة تحوّل دائم، مغامرون، وحياتهم ثرية حقّا. وتاريخيا استطاع الفنّانون (الكبار، المتميّزون طبعا) بما لهم من مواهب فذّة أن يثبتوا في أعمالهم الفنّية المختلفة ما تتميّز به هذه الشخصيات من ثراء إنساني كبير، وذلك قبل فترات تاريخية طويلة من ظهور بعض الأطروحات النظرية التي  علّقت الأمل في التغيير الاجتماعي على الفئات الهامشية، لاعتبارات تاريخية وإيديولوجية جديدة، منها يأس عدد من الماركسيين الجدد من الرهان على الطبقة العاملة التي نجح النمط الرأسمالي بنسقه الاستهلاكي في تدجينها.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
مُشاطرة هذه المقالة على: diggdeliciousredditstumbleuponslashdotyahoogooglelive

الشخصية الهامشية في السينما :: تعاليق

لا يوجد حالياً أي تعليق
 

الشخصية الهامشية في السينما

الرجوع الى أعلى الصفحة 

صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
** متابعات ثقافية متميزة ** Blogs al ssadh :: اخبار ادب وثقافة-
انتقل الى: