موقع للمتابعة الثقافية العامة
 
الرئيسيةالأحداثالمنشوراتالتسجيلدخول

عدد زوار مدونات الصدح

شاطر | 
 

 سلسبيل صلاح: المؤلف تفضحه كلماته: تحليل النصوص يكشف مرض «الآلزهايمر»

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عزيزة
فريق العمـــــل *****
avatar

التوقيع :

عدد الرسائل : 1370

تاريخ التسجيل : 13/09/2010
وســــــــــام النشــــــــــــــاط : 4

07102018
مُساهمةسلسبيل صلاح: المؤلف تفضحه كلماته: تحليل النصوص يكشف مرض «الآلزهايمر»





عندما وصلت هيلين في هذا اليوم الصيفي الحار إلي محطتها الأخيرة بون دي لوفلوا، ونزلت من المترو الأبيض الباهت وسارت عبر الشوارع الضيقة، أدركت في هذه اللحظة أن عامًا كاملًا قد مر بالفعل منذ مجيئها أول مرة لهذا المستشفي.
عكست واجهات المباني البيضاء آشعة ساخنة تتمركز بين مباني الشوارع، حتي وصلت إلي مدخل حي نويي الأخضر، المسيج بأشجار الدُّلب الضخمة وأشجار الكستناء، حيث شارع دو شاتو العريض والذي يقع في مستهله مبنيان صغيران، حيث يختلط برائحة الحرارة المشوبة بالغبار،العطر المنعش البارد الذي يهب من الأراضي المبتلة المحيطة، والمنبعث من الحشائش المسقية والمساحات الخضراء الكبيرة المزروعة بالورود المروية، مما ترك انطباعًا وكأنها تجتاز المنطقة الأقل رقيًا الواقعة علي أطراف المدينة إلي المنطقة الأكثر رقيًا، مع زيادة نسبة الأوكسجين في الهواء.
عبرت هيلين هذا الحد الفاصل ببساطة تليق بسيدة تسلك هذا الطريق جيئة وذهابًا، ودون أن تلاحظ هي ذلك، فقد بدأت زيارات المستشفي تنظم حياتها بشكل ما، حيث أصبحوا يعيشون في سلسلة من التثبيط الهرموني، والتحفيز وإحداث التبويض، وتفريغ البويضة، والنقل، والانتظار، والإحباط، والنقاهة ثم البدء من جديد.
في واحدة من نوبات الذعر التي تصيبها قالت لنفسها أن عامًا من حياتها مر ولم يفلح الحمل سوي مرة واحدة.
أخذت هيلين تصرف تفكيرها إلي اتجاه آخر في محاولة أن تشعر بالحبور في ذلك اليوم اللطيف وأن تفكر في الرحلة التي يخططان للقيام بها، وفي القطط الراقدة علي حافة النافذة في ضوء الشمس وهي تتمطع وتنظف نفسها وتعطس، إلا أنها كانت تشعر مع كل خطوة بزيادة الضغط في معدتها، شعور يشبه رهبة الأضواء أو الخوف من امتحان. دلفت بعد ذلك إلي شارع فيكتور هوجو ثم خطت بعد حوالي مئة متر إلي بهو المستشفي عبر البوابة القديمة التي تتراص عليها الصور التي تعود للحرب العالمية الثانية. صعدت بعد ذلك إلي مقدمة المبني علي امتداد الجناح الحجري الأيسر ودخلت المبني عبر البوابة الزجاجية الدوارة أسفل الشعار اللامع المصنوع من مادة الألومنيوم.
عبرت من أمام نضد الاستقبال في اتجاه المصعد، في حين استدار باتجاهها رجل يقف هناك ويرتدي الزي الرسمي.
ندت منهما صيحتان في نفس اللحظة: – أنت جندي! – أنت هنا مرة أخري!
اختلطت في صوتها الدهشة الشديدة، وكأن رجلًا قد اكتشف فجأة أن زوجته رجل، مع الاتهام الحانق، وكأن الزي الذي يرتديه هو الدليل علي أن كل ما حكاه لها الأمريكي لم يكن سوي كذب وخداع.
أما صيحته بدأت بسعادة صافية،ما لبثت أن اختفت فجأة. وبعد نظرة سريعة علي بطنها المستوية تمامًا، التي بدت تحت ثوبها الصيفي المزين بالورود، كانت بمثابة سؤال يلتمس الإجابة.
كان يرتدي زي الفئة A الأخضر المكون من سترة مغلقة عليها أربعة جيوب وأزرار ذهبية مع عدة صفوف من التطريز بالخيوط الملونة علي منطقة الصدر وشريطين فضيي اللون علي الكتفين، وربطة عنق سوداء، وقميص ذي أكمام طويلة ولونه أخضر باهت، وسروال به أشرطة سوداء، وحذاء أسود لامع.لم تكن هيلين تعرف أن ذلك الرمز الأخضر ذو الإطار البرتقالي المرسوم علي شكل قلب غير واضح المعالم وسط دائرة حمراء اللون، الذي كان فوق كتفيه، ما هو إلا ورقة نبات، هي شارة جنود كتيبة المشاة 38 المزودة بالمحركات. وكان هناك هذا المستطيل الأحمر ذو الخط الطولي الأزرق في منتصفه وحرف « المطلي، الذي رأته علي الجانب الأيسر من صدره في قلب الشرائط الأخري التي أخذت شكل الأعلام، ولم تدرك أنه لم يكن سوي وسام النجمة البرونزية مع شارة «، وأن الشريطين الفضيين يشيران إلي أنه يحمل رتبة نقيب.
كان هو من تمالك نفسه أولًا وسألها بصوت حاول أن يوحي بفرحة الترقب: هل وضعت طفلك؟
لا
ألم يفلح الأمر؟
لا
أرجو المعذرة، ولكن هل بدر مني ما يثير ضيقك؟
ردت هيلين: لا ولكن ليس لدي الكثير من الوقت.
هل أنتِ غاضبة مني لسبب ما؟
لا
هل أنتِ غاضبة بسبب هذا الزي، لأنني لم أخبرك أني جندي؟
أنتَ لست ملزمًا بأن تحكي لي قصة حياتك.
أنتِ لا تحبين الجنود.
لا
هل تسمحين لي بالرغم من ذلك أن أدعوك إلي احتساء قدح من القهوة؟
يؤسفني، أنني في الحقيقة ليس لدي وقت.
أنت تحبين الجنود في القصائد فحسب، أليس كذلك؟
ودمها الأحمر يسيل، نفس اللون، نفس الإضاءة، لدي كل من آمن بالسماء ومن لم يؤمن بالسماء. إن دمها يسيل ويسيل ويتوحد مع الأرض التي عشقها، حتي تنمو منها في العام المقبل كرمة عنب.
هل تلوت الأبيات بشكل صحيح؟
قالت هيلين وقد استسلمت: نعم بكل دقة.
رد عليها قائلًا: لن أتنازل عن قبولك دعوتي.
إذن نتقابل في الكافيتريا بعد نصف ساعة.
عندما جلست قبالته ابتدرها قائلًا: هذا صحيح، كان يجب علي أن أخبرك أنني جندي.
نعم.
هذا أمر يتوجب علي المرء قوله فورًا، بالضبط مثل مرضي الجذام الذين كانوا يحملون في الماضي جرسًا حتي ينتبه الأصحاء ويبتعدون عنهم.
ردت قائلة: يؤسفني أنه قد أصابني الذهول للحظة، لكنني لا أحب أن يكذب علي أحد، حتي ولو دار بيننا حديث شائق. لماذا أخبرتني إذن أنك قد درست الأدب علي الرغم من كونك جندي؟
نظر لها غير مصدق وقال ضاغطًا علي مخارج حروف كلماته: ولكني قد درست الأدب فعلًا.
نعم، نعم إلي جانب تنظيف الأسلحة؟
أجابها: أنا لا أمزح. يبدو أنك لا تعرفين أنه يوجد في العديد من الجامعات الأمريكية، ومنها جامعة بوسطن، حيث كنت أدرس، برنامج تعليمي يسمي »‬روتك»، ومن خلاله يتم تدريب الدارسين إلي جانب دراستهم ليصبحوا ضباطًا.
لم تشأ هيلين أن تعترف هكذا سريعًا أنها قد تسرعت في حكمها، فسألته ساخرة: وكيف يمكن تصديق ذلك؟ قبل الظهيرة تدرس شعر الطبيعة وبعد الظهيرة تتدرب علي إطلاق النار؟
ما هي مشكلتك مع الجنود؟
ليس لدي أدني مشكلة مع الجنود، ولكني أمقت كل ما يمت للحرب بصلة، وربما أيضًا أمقت ما يصير إليه الجنود بفعل الحرب.دون جنود لن توجد حرب.
ودون جنود لن يوجد سلام كذلك.
قال لها: هذا الأمر يحتاج إلي تفنيد. نظرت إليه وهي مقطبة الجبين وقالت: لا يمكنني استيعاب هذا الأمر. ما الذي يجعل إنسان متحضر يحب القصائد ويهوي البحث عن تعبير للجمال والحقيقة، يعمل جنديًا؟ هذا أمر في غاية التناقض والسخف و …
وماذا؟
و … ترددت هيلين، ثم قالت: لا أدري. أنا أعتقد دومًا أن الإنسان يصبح جنديًا إذا تربي علي ذلك أو إذا كان ذو طبيعة مختلفة عن غيره من البشر …
أجابها الأمريكي: ربما كنتُ كذلك، وأخذ يفكر في عمق. وأردف: أتعرفين. إنها مهنة قديمة، وإن لم تكن أشرف المهن علي الإطلاق فهي واحدة من أكثرها عراقة. وأحيانًا لا يكون الجندي بعيدًا كل البعد عن الأديب كما تعتقدين. وأذكر لك لاكلوس وتشرشل علي سبيل المثال.
وأنتَ؟ أيهم تري نفسك؟ محارب يميل إلي الأدب أم أديب في زي عسكري؟
أنا نقيب في الجيش الأمريكي وحاصل علي درجة ماجستير في الأدب. الأمر الأول بحكم التقاليد والثاني نابع من ميولي الشخصية.
التقاليد؟ أتعني تقاليد الحرب الأمريكية؟
تقاليد العائلة. فالعسكرية تُورَّث أبًا عن جَدّ.
وماذا تفعل إذن في باريس؟ هل ترغبون في احتلال أرضنا؟ نحن لا ننتمي لحلف الناتو ولا نقود حروبًا.
دعيني أنعش ذاكرتك قليلًا. لقد قدتم حربًا قبل وقت غير طويل، بالتعاون مع حلف الناتو ومعنا.
هل تعني حرب الكويت؟ عاصفة الصحراء؟ التي قادها ذلك المسمي شفارتس كوبف؟ ذلك التدخل العسكري الغامض والمضلل والخادع من أجل بترول الكويت؟
ومن أجل تحرير الكويت والحفاظ علي حقه في تقرير مصيره. هل تعنين أنها كانت حربًا بلا جدوي؟
أنا أقصد أن المفاوضات كان من الممكن أن تفيد. وإذا لم تخنّي الذاكرة فإن صدَّام كان صديقَكم المقرب قبل وقتٍ قصير.
لكنه تجاوز الخط الأحمر العام المنصرم.
ومن الذي حدد هذا الخط الأحمر؟ الولايات المتحدة الأمريكية؟ كالعادة؟
إن الولايات المتحدة الأمريكية تحارب من أجل الحرية. إنها تحاول علي الأقل.
ضحكت، وهي تحاول ألا تبدو وكأنها تسخر منه، وقالت: اسمح لي إذن أن أضحك. ومن أعطي بلدك هذا الحق الدائم في تحرير كل من تراه من الشعوب، والتي ربما لا ترغب بالمرة في التحرر إن كانت الطريقة المتبعة هي تدمير بلادهم وتحويلها إلي حطام؟
هل تقصدين فرنسا في عام 1944؟ إن ماضينا هو الذي يملي علينا ذلك، دستورنا، وهويتنا. إنها رسالتنا التبشيرية.
ماضيكم؟ أتقصد حرب الهنود الحمر؟
تعالي مرة لزيارة كونكورد علي جسر أولد نورث، ربما يمكنني أن أوضح لك حينها شغفنا بالحرية.
يومًا ما تراص المزارعون هنا وأطلقوا الرصاصة التي أسمع دويُها العالم أجمع.
أرجو المعذرة، ولكن حينما تحادث واحدًا منا نحن الأوربيين عن شغف الولايات المتحدة الأمريكية بالحرية، فإنه لا يرد علي خاطرنا سوي فيتنام.
أنا لا أدعي أن الولايات المتحدة الأمريكية لم ترتكب أخطاء، أعترف أنها ترتكب أخطاء في كثير من الأحيان. لكن من يتصدي لفعل أي شئ سيرتكب حتمًا أخطاء.
ردت هيلين قائلة: نعم Ah، la liberte´، elle a bon dos، أي للحرية دائمًا ما يبررها.
رد الأمريكي في صرامة: إن للحرية مذاق لدي أولئك الذين يحاربون من أجلها ولا يعرفه مطلقًا أولئك الذين يحيون في أمان.
وهل حاربتم في الكويت أيضًا من أجل »‬الحرية»؟ كانت تتمني الحصول علي إجابة تتعرف من خلالها من جديد علي الرجل الذي ترك دراسته ليستمع إلي إليزابيث بيشوب، وهي تعلم في نفس الوقت أنها تنتظر منه أشياء لن يستطيع أن يعطيها إياها. ماذا عساه أن يقول لها؟ إن حياتي كانت كذبة؟
إننا لم نصل إلي الكويت بالمرة في العام الماضي. لقد كنت في جنوب العراق.
أجابته هيلين: كان من الممكن حل هذه المشكلة هي الأخري دون حرب، ولتجنب السؤال الذي يطرح نفسه، استطردت قائلة: إذا كانت هناك إرادة للتفاوض. لكن الولايات المتحدة الأمريكية لم تكن تريد ذلك بالطبع. اعترف بذلك علي الأقل. أنا أتساءل حقًا عن تلك الحقوق التي تسمح هذه الدولة لنفسها بها.
رد قائلًا: أنا أريد أن أخبرك شيئًا يا هيلين، وهذا هو رأيي في القضية. إذا امتلكت دولة الوسائل والمعرفة والسلطة فإنها تصبح ملزمة أخلاقيًا بالتدخل، حتي ولو كان هذا يعني ضرورة تحمل مسؤولية الحرب في دول أخري من أجل إقرار السلام قدر الإمكان.
قالت هيلين في سخرية لاذعة: بغض النظر عن أنني أشك في أمر المعرفة التي ذكرتها، فإن هذا يعد مبدأً رجعيًا إمبرياليًا بشكل كامل.
هو مبدأ يمكن مهاجمته لكننا يجب أن نتعايش معه.
ردت هيلين في سخرية:?The white man´s burden، hm
أنا أعي هذا القول الساخر، لكن دعينا نقول إن المثال الذي حضر في ذهني علي ذلك هو، ميونخ والسلام الذي ساد في وقتنا. الاحتفالات والعرفان بالجميل والتخلص من الأعباء. أثنا عشر شهرًا من السلام. لكن الأمر لم يبدُ كذلك في نظر الشيشانيين ولا الكويتيين الذين تحدثنا عنهم لتونا. إن قصار النظر فقط كانوا هم من شعروا بالعرفان والتخفُّف من الأعباء.
وماذا فعلتم أنتم في العراق يا من لا تنتمون إلينا، نحن قصار النظر؟ هل قرأتم علي العرب قصائد إليزابيث بيشوب أو رالف والدو إيمرسون؟
لأول مرة لم يجب الأمريكي عليها.
ساد بينهما صمت لم يشبه سوي طنين الذباب وكلاهما ينظر إلي قهوته التي بردت.
استطردت هيلين في محاولة منها لإشاعة شئ من الهدوء: وماذا تفعل أنت الآن في فرنسا؟ لكن أدهشها أن الأمريكي لم يجبها.
أنت تريدين أن تعرفي إن كنت قد قتلت أحدًا؟ إن كنت قد صرعت الكثير من العرب؟ إن كنت قد دهستهم تحت سير مدرعتي؟ هؤلاء الشباب البالغين من العمر سبعة عشر ربيعًا؟ أنت تريدين أن تعرفي إن كنت تجلسين أمام قاتل؟ ومن ثم تقررين إن كان الأمر مثيرًا أم مقززًا.
شعرت هيلين بالرهبة من تلك الجدية التي كست صوته.
لا هذا ولا ذاك. لقد كان الأمر في الغالب مخيفًا ومؤرقًا. لكني لا أريد أن أعطي لنفسي الحق في الحكم علي حياتك. إن هناك كثيرين يلتحقون بالجيش ليحصلوا علي مأوي ليس أكثر.
لكن هذا لا ينطبق علي.
حتي لو أثبتَّ لي استراتيجيًا وتاريخيًا عشر مرات أي الحروب كان ذي جدوي ومنفعة، فأنا لا أؤمن بالحرب. أنا لا أؤمن بالموت، لكن أؤمن بالحياة. ومحاولة إقناعي أن أي حرب تُنبت حياة بدلًا من الموت، ما هي إلا أمر جدلي بحت. أنا أؤمن بقيمة حياة كل إنسان، ولذلك فإيماني بشخصيات مثل غاندي والمسيح أكبر منه بشخصيات مثل لاكلوس وتشرشل.
هنا استشهد الأمريكي بمقولة لماتهويس: أنا لم آت لجلب السلام وإنما السيف. لقد أتيت من أجل التفريق بين الابن والأب وبين الابنة وأمها. واستطرد: إننا نقود الحروب في سبيل أناس مثلك يا هيلين، حتي يظل في مقدورهم الإيمان بالحياة، أو بحياة جديدة.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
مُشاطرة هذه المقالة على: diggdeliciousredditstumbleuponslashdotyahoogooglelive

سلسبيل صلاح: المؤلف تفضحه كلماته: تحليل النصوص يكشف مرض «الآلزهايمر» :: تعاليق

لا يوجد حالياً أي تعليق
 

سلسبيل صلاح: المؤلف تفضحه كلماته: تحليل النصوص يكشف مرض «الآلزهايمر»

الرجوع الى أعلى الصفحة 

صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
** متابعات ثقافية متميزة ** Blogs al ssadh :: اخبار ادب وثقافة-
انتقل الى: