موقع للمتابعة الثقافية العامة
 
الرئيسيةالأحداثالمنشوراتالتسجيلدخول

عدد زوار مدونات الصدح

شاطر | 
 

 العلاقات القطرية – الإيرانية : هل يتفكك مجلس التعاون الخليجي ؟

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عزيزة
فريق العمـــــل *****
avatar

التوقيع :

عدد الرسائل : 1370

تاريخ التسجيل : 13/09/2010
وســــــــــام النشــــــــــــــاط : 4

05102018
مُساهمةالعلاقات القطرية – الإيرانية : هل يتفكك مجلس التعاون الخليجي ؟



اعداد الباحث: أحمد أمين عبد العال – كلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية- جامعة الإسكندرية

  • المركز الديمقراطي العربي


مقدمة:
في إطار المستجدات الإقليمية التي شهدتها المنطقة ما بعد إعلان أربع دول عربية قطع العلاقات مع إمارة قطر هي: المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين إلى جانب جمهورية مصر العربية، قطع العلاقات مع قطر  لجئت الأخيرة إلى إيران وتركيا للتصدي للآثار السلبية للحصار الذي فرضه عليها الرباعي العربي، وقد تطورت العلاقات القطرية الإيرانية إلى الحد الذي استضافت معه الدوحة قوات من الحرس الثوري الإيراني لحراسة مقر القصر الأميري في الدوحة، كما تجاهلت قناة الجزيرة القطرية الاحتجاجات الأخيرة في طهران وهو ما يختلف عن موقفها من احتجاجات 2009م حينما كانت مصدراً لنقل الأخبار للدول الغربية عما يحدث في الداخل الإيراني، ومن هذا المنطلق فإننا سنتناول أسباب الأزمة الخليجية، وتطور العلاقات القطرية الإيرانية على ضوء استضافة الدوحة لعناصر من الحرس الثوري الإيراني، إلى جانب مستقبل العلاقات الإيرانية القطرية وأثرها على مجلس التعاون الخليجي.
أسباب الأزمة الخليجية:
        في 5 يونيو 2017م فوجئ العالم بقرار رباعي من السعودية والإمارات والبحرين ومصر بقطع العلاقات مع قطر، مع غلق المجال الجوي والبحري والبري أمام قطر عبر الدول الأربعة، وقامت الدول الثلاث الخليجية بطرد المواطنين القطريين ومنعهم من ممارسة أي أعمال في داخل تلك الدول، في تصعيد لم تشهد المنطقة مثله من قبل، لاحقاً قامت حكومة شرق ليبيا والحكومة اليمنية المعترف بهما دولياً وغيرهم من الدول بتأييد قرار الرباعي العربي، ولكن ما هي أسباب هذه التطورات الخطيرة في المنطقة؟
في حقيقة الأمر فإن الدوافع والأسباب التي أدت إلى الأزمة الخليجية التي لم تنته إلى الآن كثيرة ومتشابكه أبرزها الآتي:
دعم جماعة الإخوان المسلمين:
رأت دول المقاطعة أن قطر لعبت دوراً كبيراً في دعم جماعة الإخوان المسلمين في المنطقة خاصة مع تصاعد موجة الربيع العربي في دول مثل تونس ومصر وليبيا، والتي شهدت ارتفاعاً ملحوظاً لتلك الجماعة بداخلهم إلى الحد الذي تمكنوا معه من تولي السلطة في مصر وتونس بشكل رسمي، ولكن فإن تطورات الأمور في مصر أدت إلى اقصائهم من الحكم، ما دفع كثير من قياداتهم للهروب إلى قطر التي رفضت تسلميهم رغم الضغوط المصرية الخليجية الكبيرة خاصة مع تصنيف السعودية والإمارات لجماعة الإخوان باعتبارها جماعة إرهابية. ويرجع الدعم القطري لجماعة الإخوان على اعتبارها أداة يمكن استخدامها لتوسعة النفوذ القطري في المنطقة؛ فمع تنامي قدرات قطر الاقتصادية خاصة بعد تزايد ثرواتها من صادرات الغاز إلى دول العالم، فعملت على استغلال تلك القدرات في تعزيز مكانتها السياسية إقليمياً؛ فقطر طوال تاريخها كانت قوة ضعيفة معزولة بحكم الجغرافيا محاطة بقوى أكبر، لذا بدأت الدوحة في البحث عن حلفاء لها يمكن أن يقدموا لها المساعدة لتحقيق هدفها الإقليمي.
على الجانب الآخر كانت جماعة الإخوان المسلمين تعامي الضعف في الداخل العربي بسبب القوة الأمنية القوية التي واجهتها في الدول العربية، وأبرزها مصر بطبيعة الحال، ومن ثم بدأت المصالح في التلاقي بين الإثنين فتعهدت قطر بتقديم الدعم الاقتصادي للجماعة في مقابل أن تكون الأخيرة ذراعها السياسي في المنطقة، وبالفعل ما أن وصل الإخوان إلى السلطة في مصر حتى عملت قطر على تقديم الدعم الاقتصادي للاقتصاد المصري لدعم النخبة الجديدة، ولكن الأمور لم تسر على النحو الذي رجته الدوحة التي قدمت ملاذاً آمناً لقيادات الجماعة الهاربين، ورغم الضغوطات المصرية الخليجية رفضت قطر تسلميهم، ما دفع دول الحصار الأربعة لاتخاذ قرارهم بقطع العلاقات مع قطر كأحد وسائل الضغط عليها لإجبارها على تسليمهم واعتبارهم جماعة إرهابية، إلا أن قطر حتى الآن ترى أن الجماعة هي جزء من أنظمة الحكم العربية، وقد أكدت على ذلك مؤخراً على لسان وزير خارجيتها بن عبد الرحمن آل ثاني، جدير بالذكر أن قطر إلى الآن ترفض الاعتراف بالنظام المصري الجديد الذي أعقب الـ 30 من يونيو، وهو ما يعد أحد أسباب التوتر بين القاهرة والدوحة.
تمويل الإرهاب:
أحد أهم الأسباب التي أدت إلى الأزمة الخليجية هو اتهام دول المقاطعة لقطر بدعم الجماعات الإرهابية في المنطقة، وتمويلهم مالياً، خاصة مع قيام قطر بدفع فدية مالية ضخمة قدرت بمليار دولار لميليشيات الحشد الشعبي الشيعي التابع لإيران، وذلك بهدف افراجهم عن بعض أعضاء الأسرة الحاكمة القطرية الذين اختطفوا في جنوب العراق حينما ذهبوا في رحلة صيد هناك، تلك الحادثة التي تعد السبب الرئيسي لاتهام دول المقاطعة لهم بتمويل الجماعات الإرهابية إلى جانب جماعة الإخوان المسلمين بطبيعة الحال؛ نظراً لأن الأموال القطرية قد ذهبت إلى جماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة إلى جانب بعض الميلشيات الأخرى المدعومة من إيران، هذا إلى جانب أن تلك الفدية قد صاحبتها صفقة للإفراج عن بعض الميليشيات الشيعية المحتجزة لدى ميليشيا فتح الشام السنية والتي كانت تعرف سابقاً باسم جبهة النصرة والتي هي فرع القاعدة في سوريا.
على الجانب الآخر دعمت قطر أيضاً عناصر من حركة حماس في غزة وكانت هي الداعم الرئيسي لهم بجانب إيران، في ظل تراجع الدول الخليجية عن دعمهم، وفي ظل توتر علاقتهم مع القاهرة، حيث تورطوا في أحداث إرهابية ضد الجيش المصري في سيناء، إلى جانب ذلك تناقلت وسائل اعلام خليجية وثائق تثبت دعم قطر للحوثيين في اليمن، والذين هم حلفاء إيران هناك، إلى جانب خوضهم لحرب مع السعودية على حدودها؛ حيث كانت قد تدخلت سابقاً كوسيط بين الحكومة اليمنية والحوثيين لإيقاف تقدم الجيش اليمني نحو منطقة مطرة الجنوبية التي كانت آخر معاقل الحوثيين في اليمن في مقابل نقل قيادات الحوثيين للعيش في قطر مؤقتاً على أن تقوم أيضاً بإعادة الاعمار، ما جعل السعودية وحلفائها الخليجيين يعتقدون بأن قطر كانت سبباً في حماية الحوثيين في السابق، خاصة وأن الوثيقة تحدثت أيضاً عن أن الدور القطري تكرر كثيراً في اليمن، وكثيراً ما كانت تقدم الاغراءات الاقتصادية لنظام صالح لمنع الحسم العسكري في قضية الحوثيين، ما يعني أن قطر قد تكون لعبت دوراً مشبوهاً في قضية الحوثيين من خلال وساطاتها واغراءاتها الاقتصادية وفقاً لتلك الوثيقة التي تحدثت عنها وسائل اعلام خليجية واستخدمتها دول المقاطعة في تقديم سبباً آخر لقطع العلاقات مع قطر.
أما بالنسبة للقاهرة فبجانب دعم قطر لجماعة الإخوان المسلمين والتي تعتبرها القاهرة جماعة إرهابية، فإن حكومة شرق ليبيا المدعومة من الإمارات إلى جانب وزير الدفاع حفتر المدعوم من القاهرة يرون أن قطر تقدم الدعم للجماعات الإرهابية هناك، وهو أمر يهدد الأمن القومي المصري بكل تأكيد، حيث كانت قطر قد تدخلت مع بداية الأزمة الليبية وقدمت الدعم العسكري للمعارضة الليبية للإطاحة بالعقيد معمر القذافي، وبعد مقتله دعت قطر لأن تتولى إدارة موانئ وموارد الدولة الليبية، إلا أن طلبها هذا قوبل بالرفض، على الجهة الأخرى فقد رأى محللون ليبيون أن قطر قد عملت على تقديم الدعم للميليشيات الإسلامية في ليبيا خاصة جماعة الإخوان المسلمين بعد هزيمتهم في الانتخابات ما ساعدهم على الانقلاب على نتائج تلك الانتخابات والدخول في صراع مسلح بهدف السيطرة على البلاد ومواردها وتهديد الأمن القومي المصري من الغرب، واستخدام ليبيا كورقة للضغط على القاهرة للقبول بإتمام مصالحة مع الاخوان لديها، وهو ما يفسر شن مصر لضربات عسكرية جوية على ليبيا إلى جانب دعمها لخليفة حفتر مع تحركها السياسي للوصول لحل يحفظ وحدة الأراضي الليبية ويساهم في بناء مؤسسات الدولة من جديد حتى تحافظ على أمنها القومي، خاصة مع دعم قطر لحكومة فايز السراج التي تتخذ من طرابلس مقراً لها، ومن ثم كان ذلك سبباً آخر للقاهرة لأن تنضم إلى الدول الخليجية في قرارها بقطع العلاقات الدبلوماسية مع الدوحة، جدير بالذكر أن الرئيس المصري كان قد أشار في قمة الرياض إلى ضرورة معاقبة الدول الممولة للإرهاب وليس فقط الجماعات الإرهابية في إشارة اعتبرها كثير من الباحثين السياسيين تمثل إشارة لدور قطر في المنطقة.
العلاقات مع إيران:
احتفظت قطر بعلاقات جيدة مع إيران، رغم الضغوطات الخليجية عليها لقطع العلاقات معها، إلا أنها لم تستجب لذلك، ويرجع ذلك إلى الرغبة القطرية في تعزيز دورها إقليمياً، فعملت على تعزيز علاقاتها مع طهران، إلى جانب غيرها من الدول الإقليمية المختلفة، وحتى تعمل كوسيط بين إيران أو حلفائها وبين الدول الخليجية، وهو ربما ما يفسر تدخل قطر في الصراع بين علي بن عبد الله صالح والحوثيين ما قبل الأزمة اليمنية، إلى جانب ذلك فقطر ترتبط بعلاقات اقتصادية وثيقة مع إيران، خاصة وأن معظم غاز قطر يأتي من حقل الشمال المرتبط بإيران؛ ما جعل هناك مصالح اقتصادية قوية تعوق دون رضوخ قطر لطلبات الدول الخليجية، هذا إلى جانب الرغبة القطرية في التعبير عن نفسها باعتبارها دولة إقليمية بفضل ثرواتها الاقتصادية بغض النظر عن موقعها الجغرافي أو حجمها أو حجم الكم البشري بداخلها، وبالطبع كان هذا سبباُ رئيسياً آخر لقطع العلاقات مع قطر، إلا أن ذلك قد أدى إلى تعزيز قطر لعلاقاتها مع إيران على نحو ما سنبين لاحقاً بدلاً من قطعها.
مستجدات العلاقات القطرية الإيرانية:
على الرغم من العلاقات الجيدة بين قطر وإيران في المجال الاقتصادي بشكل خاص، فإن تدهور العلاقات مؤخراً مع دول الخليج دفع قطر لأن تعزز علاقاتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية مع إيران كوسيلة للضغط عليهم، إلى جانب ذلك فإيران كانت قد سارعت بتقديم الدعم الاقتصادي لقطر عقب المقاطعة، فسمحت بإرسال الطعام إليها عبر البحر إلى جانب تسيير الرحلات الجوية من إيران إلى قطر، هذا إلى جانب إرسالها لعناصر من قواتها لحماية النظام القطري تحسباً لأي تدخل عسكري من دول المقاطعة لإسقاط النظام، ما دفع قطر لأن تعيد العلاقات الدبلوماسية بشكل كامل مع إيران، كما استضافت عناصر من الحرس الثوري الإيراني، ما جعل كثير من الباحثين يتحدثون عن تغيرات تجري في العلاقات بين إيران وقطر بعيداً عن المحدد الخليجي الذي ظل لعقود طويلة مقيداً لتلك العلاقات حتى لا تتسع إلى حد يهدد أمن واستقرار الخليج، خاصة مع التمدد الإيراني الكبير في المنطقة، ومن هذا المنطلق فإننا سنتناول أبعاد العلاقات القطرية الإيرانية لمعرفة مدى التطور الذي حدث ما بعد المقاطعة.
العلاقات السياسية:
        كانت قطر قد استجابت سابقاً للضغوط الخليجية وقامت بقطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران في يناير 2016م وقامت بسحب سفيرها لدى طهران على خلفية أحداث اقتحام السفارة السعودية في طهران؛ سعياً منها لتخفيف الضغوط الخليجية عليها، إلا أنها كانت ترفض قطع العلاقات كاملة مع إيران، على اعتبار أنها تتشارك معها في حقل الشمال والذي يعد مصدر ثروة قطر الرئيسية، كما أنها كانت دائماً ما تتحدث عن العلاقات الإماراتية الإيرانية والتي تراها أكبر بكثير من علاقاتها مع إيران، ولكن التطور الحقيقي قد حدث عندما تداولت وكالات الأنباء صوراً لزيارة الشيخ عبد الله آل ثان للملك سلمان أثناء قضاءه لعطلة في المغرب، والذي هو من العائلة الحاكمة القطرية ولكنه يقيم في لندن منذ انقلاب عام 1972م؛ ما جعل القيادة القطرية تظن أن هناك نوايا سعودية أو خليجية للإطاحة بها لصالح قيادات قطرية أخرى على استعداد للتعاون مع الخليج والخضوع لمطالبهم والابتعاد والتضحية بالعلاقات الاقتصادية مع إيران.
لتتحرك قطر في رد فعل سريع ومفاجئ وتعيد كامل العلاقات الدبلوماسية مع إيران وتعيد سفيرها إلى هناك، كفاتحه نحو علاقات أكثر متانة ما بين البلدين، وهو ما أكدته الخارجية القطرية بقولها أنها تتطلع لتعزيز العلاقات مع طهران في كل المجالات، من جهة أخرى قامت إيران بإرسال وزير خارجيتها لزيارة الدوحة التقى خلالها بأمير قطر تميم آل ثاني ، وقد أكد الجانبان في تلك الزيارة على أنه لا حل عسكري ممكن لأي أزمة في المنطقة، ما يعني أن إيران ترسل رسالة إلى دول المقاطعة أنه لا حل عسكري لأزمتهم مع قطر وأن العلاقات القطرية الإيرانية علاقات قوية، وأن طهران على استعداد لحماية نظام الدوحة حتى لو اقتضى الأمر باللجوء إلى استخدام القوة العسكرية للحيلولة دون ذلك، وبالطبع يرجع ذلك إلى العلاقات الجيدة التي تجمع بين البلدين، كما أن إيران من مصلحتها أن تستقطب دولة خليجية بعيداً عن التوجه الخليجي سعياً وراء تفكيك مجلس التعاون الخليجي الذي يمثل كتلة سياسية واقتصادية وعسكرية تواجه طموحات طهران للسيطرة على الخليج، إلى جانب ذلك فإن إيران قامت بتوقيع اتفاق أمني وعسكري مع قطر عام 2015م كان ثمرة لزيارة قطرية لإيران عام 2010م، والتي كانت هي الأساس الذي استندت إليه قطر في إعادة العلاقات السياسية مع إيران، جدير بالذكر أن هذا الاتفاق أتاح للحرس الثوري الإيراني أن يجري تدريبات مشتركة مع الجيش القطري.
وفي حقيقة الأمر فإن قطر قد سعت من ذلك كله في الماضي إلى تقوية دورها الإقليمية في المنطقة؛ فعملت على الاحتفاظ بعلاقات جيدة بين طرفي الأزمة في الخليج وهما إيران ودول الخليج العربي بزعامة المملكة العربية السعودية، حتى تتمكن من لعب دور الوسيط بينهم وهو ما أكدت عليه القيادة القطرية أكثر من مرة سواء في مجلس التعاون الخليجي أو في جامعة الدول العربية أو في الأمم المتحدة؛ حيث طالبت ببدء حوار بين دول الخليج وإيران بهدف حل الأزمة طويلة الأجل في المنطقة، إلا أن جهود قطر تلك لم تلق أي استجابة نظراً لخطر إيران وتوسعها في المنطقة وتزايد تهديداتها للسعودية خاصة في اليمن مع الحوثيين والذين كانت قطر قد تدخلت أكثر من مرة للحيلولة دون القضاء عليهم كما ذكرنا سابقاً.
أما ما بعد المقاطعة، فإن قطر عملت على تعزيز علاقاتها السياسية ليس بإيران فقط وإنما بتركيا أيضاً، ما تفسره دول الخليج بسعي قطري إيراني لتأسيس نظام إقليمي جديد يغير من طبيعة التفاعلات في المنطقة ويهدد بشدة الأمن الخليجي؛ ما قد يكون ورقة ضغط قطرية على دول الخليج لإجبارها على التراجع عن مطالبها الثلاثة عشر والتي كان من بينها قطع العلاقات كاملة مع إيران، جدير بالذكر أيضاً أن قطر قد عملت على تسخير قدراتها الإعلامية الممثلة في قناة الجزيرة والمؤسسات الإعلامية التابعة لها في تقديم الدعم الإعلامي للنظام الإيراني في المنطقة، وقد وضح ذلك في الاحتجاجات الإيرانية الأخيرة؛ حيث تجاهلت الاحتجاجات الشعبية وقدمت نفسها كمتحدث باسم النظام الإيراني ونقلت وجهة نظره عبرها، ما يدلل على مدى تحسن العلاقات السياسية ما بين البلدين، إضافة إلى ذلك فإن الرئيس الإيراني حسن روحاني كان قد تحدث في خطاب له ما قبل الأزمة في شهر يوليو 2017م عن أن السياسة الإيرانية تقوم على مزيد من تعزيز العلاقات مع قطر في كل المجالات.
ومن ثم فإنه يمكن القول بأن السبب الرئيسي لقيام قطر بتعزيز العلاقات السياسية مع إيران يتمثل في الرغبة القطرية الدائمة في إثبات وجودها الإقليمي ولمواجهة الضغوط الخليجية، وامتلاك أداة سياسية متمثلة في تحالف إقليمي بينها وبين تركيا وإيران بهدف دفع دول المقاطعة للتراجع عن قراراتها بخصوص المقاطعة، أما بالنسبة لإيران، فإنها رأت في المقاطعة الخليجية فرصة ذهبية لاستقطاب قطر إلى صفها في مواجهة الضغوط الدولية والإقليمية التي تواجهها، فيمكن أن تستخدم قطر كأداة لتنفيذ سياساتها الخارجية القاضية بتفكيك دول الخليج لنشر نفوذها في تلك المنطقة الحيوية عبر نموذج تصدير الثورة الذي تبنته منذ الثورة الإيرانية عام 1979م، خاصة وأن قطر لا تزال في مجلس التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية، إلى جانب ذلك فإن إيران قد وجدت أرضاً جديدة يمكن لقواتها أن تتدرب فيها ومع قوات نظامية ذات تسليح أمريكي، ما يزيد من خبرة هذه القوات في الحروب مع الجيوش النظامية تحسباً لاحتمال دخول إيران في حرب مع إسرائيل أو السعودية أو حليفتهما الولايات المتحدة.
العلاقات الاقتصادية:
         كما أوضحنا سابقاً فإن العلاقات القطرية الإيرانية قامت بالأساس على التعاون الاقتصادي ما بين الدولتين، بوصفهما دولتين نفطيتين يطلان على الخليج العربي ويشتركان في حقل الشمال الغني والذي تصفه تقارير الوكالة الدولية للطاقة بأكبر حقل غاز في العالم و يضم 50.97 تريليون متر مكعب من الغاز، كما تبلغ مساحته نحو 9,700 كيلومتر مربع منها 6,000 في مياه قطر الإقليمية و3,700 في المياه الإيرانية، وتنتج قطر 6500 مليون متر مكعب من الغاز يوميًا من قسمها في الحقل، وتنتج إيران 430 مليون مترًا مكعبًا من الغاز من الحقل. وكانت قطر قد طورت علاقاتها الاقتصادية مع إيران منذ عام 2005م، حينما بدأت قطر في استخراج الغاز بالتعاون مع إيران، كما عملت على تطويره بالتعاون معها عام 2013م وقد استغلت إيران حالة المقاطعة التي منيت بها الدوحة لتقوم بزيادة صادراتها إليها، ليزداد حجم التبادل التجاري ما بين البلدين بنحو 2.5%؛ حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 250 مليون دولار في مع نهاية السنة المالية الإيرانية شهر مارس الماضي، وعلى الجانب الآخر شارك نحو 15 شركة إيرانية في معرض قطر الدولي الزراعي الذي استضافته الدوحة مؤخراً؛ ما يدلل على مدى تطور العلاقات الاقتصادية ما بين البلدين، فوزير الخارجية القطري قد تحدث عن ذلك صراحة حين قال أن المقاطعة التي تقودها السعودية تدفع قطر لأن تتقارب أكثر اقتصادياً من إيران، جدير بالذكر أيضاً أن الدوحة قد وقعت اتفاقاً ثلاثياً بينهما وبين طهران وأنقرة للنقل المشترك بين الدول الثلاث بغرض تعزيز التبادل التجاري بينهم، على أن تكون إيران هي الدولة الوسيط ما بين تركيا وقطر بحكم موقعها الجغرافي لتعمل على نقل وتوصيل البضائع بينهم وبين أذربيجان، ووفقاً لمحمد بن مهدي الأحبابي عضو مجلس إدارة غرفة التجارة والصناعة بقطر، فإن تنفيذ هذا الطريق سيقلل من تكاليف نقل البضائع بنسبة 80%، ما يعزز من التعاون الاقتصادي بين الدول الثلاث، كما يقلل من آثار المقاطعة الاقتصادية، خاصة وأن دول المقاطعة قد حظرت نقل البضائع القطرية عبر مجالاتها الجوية والبحرية والبرية، على الجانب الآخر فإن تنفيذ مثل ذلك مشروع قد يقوي من احتمالية انضمام قطر إلى تحالف إقليمي ثلاثي يضم إيران وتركيا وقطر ضد دول الخليج، خاصة مع تغير موقف تركيا من الأسد مؤخراً واستمرار علاقاتها المتوترة مع الغرب خاصة الولايات المتحدة، مع اعتقال تركيا لقس أمريكي بتهمة الانتماء إلى جماعات إرهابية.
إلى جانب ذلك كانت إيران قد عرضت على قطر مساعدتها في بعض الإنشاءات الخاصة باستضافة كأس العالم 2020م والمقرر إقامته في قطر، خاصة وأن المقاطعة قد عطلت بعض الخطط القطرية التي كانت تقضي بفتح أراضي تلك الدول أمام المشجعين نظراً لأن قطر لن تستطيع أن توفر الحجم المطلوب من الفنادق لاستيعابهم، إلا أن دول المقاطعة قد ألغت هذا الأمر أيضاً كوسيلة للضغط على الدوحة، لذا تدخلت إيران وعرضت إمكانية المساعدة من خلال جذرها المطلة على الخليج العربي والتي يمكن أن تستضيف بعض المشجعين، ما سيمثل مصدر دخل بالعملة الصعبة لإيران التي تعاني بسبب هبوط قيمة عملتها أمام الدولار والتي أدت إلى إقالة رئيس البنك المركزي الإيراني مؤخراً، كما ستكسر العزلة الدولية المفروضة على إيران، كما يمكن أن تستفيد شركاتها الهندسية والإنشائية من خلال المشاركة في استعدادات قطر لاستضافة كأس العالم، وعلى الجانب الآخر ستتمكن قطر من الوفاء بالتزاماتها الدولية رغم المقاطعة، كما ستستفيد من العملات الصعبة التي ستحصل عليها نظير استضافتها لتلك البطولة الكروية الهامة ما يقوي من مركز قطر الاقتصادي في مواجهة دول المقاطعة.
أيضاً كانت الدوحة قد استضافت مؤخراً اجتماع اللجنة الاقتصادية بين قطر وإيران شهر مايو الماضي، وقد ضم هذا الاجتماع وفداً إيرانياً مكوناً من 70 فرداً من الخبراء ورجال الإيرانيين برئاسة مساعد وزير الصناعة والمناجم والتجارة الإيراني محمد رضا فياض. جدير بالذكر أيضاً أن هذا الاجتماع لم يعقد طوال 13 عاماً مضت؛ وهو ما يبين لنا حجم التعاون الاقتصادي الذي بدأ في التطور بشكل ملحوظ ما بعد المقاطعة، كما يظهر لنا أيضاً استغلال طهران للأوضاع الراهنة لجذب قطر إلى صفها وربطها معها اقتصادياً لتحقيق أهداف اقتصادية وأخرى سياسية تعزز من مكانتها الإقليمية في المنطقة وتعمل على إضعاف خصومها الخليجيين. جدير بالذكر أيضاً أن إيران تسعى لاستبدال الإمارات بوصفها المركز التقليدي للتجارة الإيرانية في المنطقة بقطر وعمان ليحلا محل الإمارات؛ بسبب التوترات السياسية الراهنة، وقيام الإمارات بالتضييق على التجار الإيرانيين وفرض رسوم وضرائب على المنتجات الإيرانية المارة بأراضيها.
على الجانب الآخر تطمح قطر في أن تعوضها إيران عن خسائرها الاقتصادية نتيجة المقاطعة، خاصة في المواد التعدينية والحيوانية والغذائية التي كانت تحصل عليها قطر عبر دول المقاطعة، ومن ثم فإن الجانب الاقتصادي في العلاقات ما بين الدولتين قد شهد تطوراً حاداً وملحوظاً بينهما رغم أن المقاطعة كانت تستهدف ارغام قطر على قطع علاقاتها مع إيران، إلا أنها على العكس تماماً أدت إلى تعزيز العلاقات القطرية الإيرانية، وإن كان ذلك التطور لم يصل بعض إلى المستوى المطلوب، نظراً لأن حجم التبادل التجاري لا يزال عند مستوى 250 مليون دولار فقط وهو رقم ضئيل بالمقارنة مع دول الخليج الذين بلغ حجم تبادلهم التجاري مع قطر ما قبل المقاطعة نحو 10.5 مليار دولار، فضلاً عن أن واردات قطر من الخليج العربي تمثل نسبة 26%؛ ما يضع عبئاً إضافياً على قطر ويتطلب منها تعزيز علاقاتها بشكل أكبر مع إيران وتركيا بهدف مواجهة الأثر السلبي الاقتصادي للمقاطعة عليها، جدير بالذكر أيضاً أن 65% من الصادرات القطرية كان يمر عبر السعودية والإمارات.
العلاقات العسكرية:
في حقيقة الأمر وكما أوضحنا سابقاً فإن التعاون العسكري بين قطر وإيران هو أمر سابق على الأزمة الخليجية؛ حيث كانت إيران قد وقعت اتفاقاً أمنياً مع قطر تضمن السماح لعناصر من الحرس الثوري الإيراني للتدرب على أراضيها، وحماية الحدود المشتركة بينهما، إلى جانب لقاءات متبادلة بين قيادات الدولتين العسكرية، وقد كانت تلك التدريبات تجرى بشكل غير معلن؛ إلا أنها ومع تطور الأزمة صارت تلك التدريبات تقام بشكل علني كجزء من الحرب النفسية بين قطر ودول المقاطعة، فكانت إيران قد رفضت قرار دول المقاطعة ولكنها ركزت على السعودية العدو اللدود بالنسبة لها مهاجمة إياها قائلة بأنها تسعى لفرض نفسها على دول المنطقة، ولم تكتف طهران بالتصريحات وإنما قرنتها بالأفعال، فإلى جانب المساعدات الاقتصادية وتطوير العلاقات اقتصادياً مع الدوحة، لم تغفل أيضاً التعاون العسكري ما بين البلدين، فتداولت كثير من وكالات الأنباء أن إيران سرعان ما أرسلت عناصر من الحرس الثوري إلى مقر القصر الأميري بغرض حمايته، إلى جانب ارسال رسالة إيرانية إلى دول المقاطعة مفادها أن إيران لن تترك النظام القطري الذي يرتبط معه بعلاقات اقتصادية قوية ولن تسمح بأن يسقط، ورغم عدم نفي أو تأكيد إيران لمثل هذه التقارير، إلا أنه في شهر مارس الماضي قام وفد من القوات البحرية للحرس الثوري الإيراني بزيارة الدوحة برئاسة نائب القوة البحرية بالحرس العميد علي رضا تنكسيري وذلك على هامش المعرض الدولي السادس للدفاع البحري ديمكس 2018م الذي انعقد بقطر، ليؤكد تنكسيري على أن إيران تدعم إمارة قطر حكومة وشعباً معبراً عن رغبة بلاده في تعزيز العلاقات مع الدوحة في كل المجالات خاصة المجال العسكري، إضافة إلى ذلك أكد تنكسيري على أن هذه هي المرة الثانية التي تشارك فيها بلاده في هذا المعرض في الدوحة، قائلاً على أن بلاده تعتزم استعراض أسلحة إيرانية في المعرض مستقبلاً.
وبالتالي فإن هذه الزيارة الأخيرة لها دلالاتها المختلفة؛ فعلى المستوى العسكري تؤكد طهران وبشكل رسمي أن لها نفوذ عسكري قوي في الدوحة وتسعى للتأكيد على ذلك في إطار الحرب النفسية بينها وبين السعودية والإمارات بشكل خاص، وعلى الجانب السياسي تبرز تلك الزيارة والتصريحات المصاحبة لها مدى التقارب السياسي ما بين البلدين والتنسيق فيما بينهما في القضايا المختلفة في الإقليم، جدير بالذكر أيضاً أن قطر قد أكدت على لسان وزير دفاعها أنها لن تقوم بإشعال حرب في المنطقة مع إيران، قائلاً أنه من غير الحكمة أن تشتعل حرباً مع إيران يستفيد منها طرف ثالث، مطالباً الجميع بالتروي لأن هذا الأمر خطير، ما يبين لنا حجم العلاقات السياسية ما بين البلدين إلى جانب المصالح الاقتصادية التي بدأت في التطور على نحو ما أسلفنا، ولكن أياً ما كان فإن هذه الزيارة تندرج تحت الحرب النفسية بين إيران وقطر من جهة وبين السعودية والإمارات من جهة أخرى، ولكن حتى الآن لم تقم قطر بتوقيع أية اتفاقيات عسكرية جديدة غير الاتفاقيات السابقة التي جعلت لإيران في قطر نفوذاً عسكرياً أزعج دول الخليج ودفعها لمطالبة قطر بضرورة تخفيض علاقاتها مع إيران، إلا أنها لم تستجب بل وعملت على المضي قدماً في تعزيز العلاقات معها.
ومن ثم يمكن القول أن إيران قد استغلت الأوضاع الإقليمية التي حدثت بسبب المقاطعة لقطر، وهو ما تمثل في سرعة ارسالها للمساعدات الغذائية، بل وزادت على ذلك لترسل مساعدات عسكرية ممثلة في عناصر من الحرس الثوري الإيراني إلى قطر لحماية القصر الأميري، ما يعني أن إيران قدمت يد العون وانتظرت المثل من قطر التي لم تتأخر، وبالفعل سارعت قطر بإعادة العلاقات السياسية كاملة ما بينهما، إلى جانب التعزيز الاقتصادي الكبير، إضافة إلى التعاون العسكري والسماح لعناصر الحرس الثوري بالتواجد على الإقليم القطري والمشاركة في المعرض الدولي كما ذكرنا من قبل والذي تعهدت فيه إيران بأنها ستشارك المرة القادمة بأسلحة إيرانية، جدير بالذكر أن هذا المعرض يُقام كل سنتين في قطر، وهذا يقودنا للحديث عن مستقبل العلاقات الإيرانية القطرية ومستقبل مجلس التعاون الخليجي في ظل المعطيات الحالية، وفي ظل استضافة قطر لعناصر من الحرس الثوري، والتطور الاقتصادي والسياسي ما بين البلدين وفي ظل الشقاق الحاصل داخل مجلس التعاون الخليجي بين أهم دوله خاصة السعودية والإمارات وقطر وعمان؛ ومن ثم فإننا سنحاول أن نضع رؤية استشرافية لمستقبل العلاقات القطرية الإيرانية ومدى تأثير ذلك على مجلس التعاون الخليجي.
رؤية استشرافية لمستقبل العلاقات القطرية الإيرانية وأثرها على مجلس التعاون:
أثارت العلاقات المتطورة بين قطر وإيران تكهنات الباحثين حول مراد قطر من هذه العلاقات، ومدى جديتها في الاقتراب من إيران، وهل ترغب فعلياً في التأسيس لتحالف إقليمي جديد يضعف مجلس التعاون الخليجي ويعمل على تفكيكه لصالح ذلك التحالف، أم أنها مجرد مناورة قطرية فقط للرد على دول المقاطعة وتبادل الضغوط معهم لإجبارهم على التراجع على قراراتهم والقبول بمكانة قطر الإقليمية كأمر واقع استناداً إلى قدراتها الاقتصادية والسياسية والإعلامية ممثلة في قناة الجزيرة والمراكز البحثية التابعة لها والتي تشكل قوة ناعمة قطرية لا يستهان بها، وبالتالي فنحن نرى أنفسنا أمام أربع احتمالات لمستقبل العلاقات القطرية الإيرانية تتمثل في الآتي:
الاحتمال الأول: التأسيس لتحالف إقليمي جديد:
شهدت الأزمة السورية تغيرات كبيرة في التحالفات الإقليمية، عندما بدأت تركيا في التقرب من المحور الإيراني الروسي، وتزامن ذلك مع التقارب القطري التركي الإيراني أيضاً في أعقاب الأزمة الخليجية الراهنة، ما دفع الكثيرين للتحدث عن سعي قطري تركي إيراني لتأسيس تحالف جديد يكون بمثابة مظلة ينسقون فيها مواقفهم من قضايا المنطقة المختلفة إلى جانب تعزيز التعاون الاقتصادي فيما بينهم، خاصة مع مشروع النقل الذي وقعت عليه الدول الثلاث بهدف تعزيز التبادل التجاري فيما بينهم، وبالتأكيد فإن التعاون الاقتصادي هذا قد يؤدي إلى تعاون سياسي وعسكري ما بين الدول الثلاث ما قد يكون حجر أساس لتحالف إقليمي جديد يتصدى للتحالفات الإقليمية القديمة التي بدأ يصيبها الصدأ بسبب اختلاف المصالح فيما بين أعضائها وعلى رأسها جامعة الدول العربية، ومجلس التعاون الخليجي الذي بدأ يشهد انقسامات بين الإمارات والسعودية من جهة وقطر وعمان من جهة أخرى، وقد يهدد ذلك بتفكك مجلس التعاون الخليجي تماماً لصالح تحالفات إقليمية جديدة قد تشمل تحالفاً بين قطر وتركيا وإيران خاصة في ظل التقارب في المصالح بينهم، وقد يكون ذلك التحالف في مواجهة تحالف آخر يضم السعودية والإمارات ومصر، ما قد يعزز من الاستقطاب والتوترات السياسية في المنطقة. جدير بالذكر أن السفير الإيراني السابق لدى قطر عبد الله سهرابي قد قال في تصريحات لصحيفة جام جم الإيرانية: أن أمير قطر كان على وشك الانسحاب من مجلس التعاون الخليجي، إلا أن مستشاروه نصحوه بعدم الاقدام على تلك الخطوة.
ولكن فإن هذا الاحتمال يواجه برفض أمريكي؛ فالولايات المتحدة لن تقبل بتحالف إقليمي يعزز من مكانة إيران في المنطقة ويزيد من نفوذها المتزايد أصلاً وهو ما يتعارض مع السياسة الأمريكية في المنطقة التي تقضي بتضييق نفوذ إيران في المنطقة خاصة في مواجهة نفوذ إسرائيل، إلى جانب ذلك فعلاقات قطر بالولايات المتحدة علاقات استراتيجية قوية؛ فقطر هي مقر قاعدة العديد الجوية الأمريكية في منطقة الخليج العربي، وتلك القاعدة موقعها الاستراتيجي مميز فهي أقرب قاعدة جوية يمكن أن تقوم بضربات جوية في العمق الإيراني إذا ما اقتضى الأمر ذلك، إلى جانب ذلك فحجم الاستثمارات الأمريكية في قطر يبلغ نحو  7.2 مليار دولار بحسب ما قاله وزير والتجارة القطري أحمد بن جاسم آل ثان، والذي أضاف أيضاً أن عدد الشركات الأمريكية قد بلغ نحو 658 شركة منها نحو 117 شركة مملوكة 100% لرجال أعمال أمريكيين ، ومن جهة أخرى يبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 6 مليار دولار، وتعتبر الولايات المتحدة المصدر الأول لواردات قطر من الخارج بنحو 16% من إجمالي قيمة الواردات القطرية، هذا إلى جانب سعي قطر لزيادة استثماراتها في السوق الأمريكي خاصة في مجال البنية التحتية الأمريكية ويعد مشروع تطوير منهاتن غرب أحد نماذج الاستثمارات القطرية في الولايات المتحدة؛ ما يبين لنا مدى حجم العلاقات القوية التي تربط بين الولايات المتحدة وقطر، ما سيجعل قطر بطبيعة الحال تحجم عن تعزيز العلاقات مع إيران، وهذا يقودنا إلى الاحتمال الثاني
الاحتمال الثاني: مناورة قطرية:
يقوم هذا الاحتمال على أن الغرض القطري من تعزيز العلاقات مع إيران هو فقط مجرد مناورة قطرية في إطار الضغط والحرب النفسية بينها وبين دول المقاطعة بهدف اجبارهم على التراجع والسماح لقطر بلعب دور إقليمي وأن تخرج قليلاً من العباءة الخليجية لبحث مصالحها في المنطقة استناداً إلى حلفائها الإسلاميين في المنطقة، ويدعم من ذلك ما قاله أحد المسئولين الأمريكيين لصحيفة وول ستريت جورنال بأن قطر أبلغت الولايات المتحدة أن الغرض من تعزيز العلاقات مع إيران هو فقط إظهار استياء الدوحة من المقاطعة، إلى جانب ذلك فهناك مصالح قوية ومتشابكة تربط قطر بدول مجلس التعاون الخليجي؛ فكما ذكرنا سابقاً يبلغ حجم التبادل القطري الخليجي نحو عشرة مليارات دولار وهو حجم تبادل يفوق حجم التبادل التجاري القطري مع الولايات المتحدة، كما أن أفضل الطرق لتصدير قطر لصادراتها بالتأكيد يكون عبر دول مجلس التعاون؛ نظراً للقرب الجغرافي، وعلاوة على ذلك فطرفي الأزمة حلفاء للولايات المتحدة التي لن تسمح لطهران باستغلال الأزمة للنفاذ إلى داخل المنظومة الخليجية وتفتيتيها ما يعني خسارة واشنطن لحلفائها الاستراتيجيين في الخليج الغني بالثروات النفطية والغازية.
أيضاً فإن إيران لا يهمها سوى مصالحها وقصدها من التقارب الأخير مع قطر هو تفكيك المنظومة الخليجية وتعزيز نفوذها في المنطقة، إلى جانب ذلك لم تقم قطر بخطوات جدية يُفهم منها أنها جادة في تعزيز العلاقات مع طهران والتخلي عن حلفائها الخليجيين، حتى مع توقيعها لاتفاق مشروع النقل الذي أشرنا إليه، فلا يزال التبادل التجاري بينهما متدنياً، كما أن قطر ترتبط أصلاً بعلاقات اقتصادية جيدة مع إيران، وهي ليست الدولة الخليجية الوحيدة التي تقوم بذلك؛ فالإمارات نفسها تعد من أكبر الشركاء الخليجيين لطهران، ولكن هذا لم يمنع الدولتان من التنافس والعداء الإقليمي بينهما حالياً، إضافة إلى ذلك فقطر تدرك خطورة إيران وخططها لتشييع الخليج لتصدير الثورة الإسلامية إلى الخارج بهدف اسقاط ملكيات الخليج التابعة للولايات المتحدة، وتأسيس جمهوريات إسلامية تابعه لها؛ ما يجعلها قادرة على السيطرة على موارد الخليج ومتحكمة في سوق أهم سلعة بالنسبة للغرب، وبالتأكيد لن تسمح الدوحة بذلك، نظراً لأن هذا يعرض أمنها هي للخطر، كما أنه يتعارض مع الطموح القطري في لعب دور إقليمي في المنطقة، ومن ثم يمكن القول أن ما تقوم به قطر قد يكون فقط مجرد مناورة لكسب الوقت وللضغط على الدول المقاطعة للتفاوض حول الشروط التي وضعتها بهدف تخفيفها.
الاحتمال الثالث: عودة قطر إلى الخليج:
يقوم هذا الاحتمال على انتهاء الأزمة الخليجية بتحسن العلاقات مع الجوار الخليجي مرة أخرى وانتهاء الأزمة الحالية، مع السماح لقطر بلعب دور إقليمي على اعتبار أنها يمكن أن تقوم بدور الوسيط بين إيران والخليج تأسيساً على العلاقات الاقتصادية والسياسية التي تتمتع بها مع إيران، وهو ما قد يرضي الدوحة الساعية للعب دور إقليمي كما أسلفنا، ويرضي دول الخليج الساعية لتقليص النفوذ القطري إلى أكبر حد ممكن خاصة الإمارات، والتي يرى محللون أنها كانت الدافع الرئيسي في الأزمة الحالية سعياً منها للتصدي للنفوذ القطري السياسي والإعلامي الضخم، والذي يتصادم مع الرغبة الإماراتية في تقديم نفسها كقوة إقليمية جديدة لديها قدراتها العسكرية والاقتصادية والسياسية إلى جانب قواها الناعمة من خلال مؤسساتها الخيرية التي لها فروع في المنطقة خاصة مؤسسة بن زايد وغيرها، وقد دعمت الإمارات تلك الرغبة بتحالف قوي مع مصر حالياً، علاوة على ذلك تحدثت تقارير غربية على رأسها صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية أن الهجمة الإلكترونية التي تعرضت لها وكالة الأنباء القطرية قبل قرار المقاطعة كان ورائها الإمارات بهدف إعطاء مبرر قوي لدول المقاطعة لقطع علاقتها مع قطر، وبهدف تهيئة الرأي العام في داخل وخارج دول المقاطعة للقبول بذلك، ولكن فإن السعي الإيراني في تعزيز علاقاته مع قطر واحلالها محل الإمارات ، قد يدفع الأخيرة ودول المقاطعة للتفاوض مع قطر بهدف الوصول إلى حل وسط يرضي الجميع، فتلتزم قطر بعدم العبث في داخل دول المقاطعة أو دعم جماعة الإخوان المسلمين سواء دعماً مادياً أو دعائياً عبر الجزيرة، في مقابل قبول دول المقاطعة بدور إقليمي لقطر لا يضر بصالحهم، خاصة مع الرغبة الأمريكية الحالية في وجود خليج موحد قادر على التصدي لإيران، وهو ما أكد عليه وزير الخارجية الأمريكي لنظيره السعودي مؤخراً بأن الخلاف لابد أن ينتهي، كذلك فالانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي وإعادة فرضها العقوبات الاقتصادية على إيران والتصعيد الكلامي والإعلامي معها وتقديم شروط قاسية لها حتى ينتهي كل ذلك، يضع قطر في مأزق وقد يدفعها للتضحية بإيران حتى لا تتعرض للغضب الأمريكي بجانب الغضب الخليجي وهو أمر لن تستطيع قطر مواجهته، ما يجعلها تقبل مؤقتاً بالعودة والتفاوض حول الشروط والتوصل إلى حلول وسط في سبيل السعي الأمريكي لتوحيد المنطقة بشتى الطرق للتصدي للنفوذ الإيراني المتزايد هناك.
ولكن على الجانب الآخر فإن تحقق هذا الاحتمال لا يعني دوامه فهناك مصالح متضادة باتت واضحة وأظهرتها تلك الأزمة لدى دول مجلس التعاون الخليجي، ما قد يعني أن قطر قد تعود لاحقاً وبعد استتباب الأمر مستغلة علاقاتها الجيدة مع الولايات المتحدة والغرب خاصة بريطانيا في ظل الاستثمارات القطرية الضخمة هناك، إلى جانب علاقاتها مع إيران الاقتصادية والعسكرية، إلى جانب قدراتها الإعلامية الضخمة وعلاقاتها بالإسلاميين في المنطقة، كل ذلك قد يدفعها لأن تتحين الفرصة المناسبة لتعلن عن نفسها من جديد كقوة إقليمية هامة، خاصة وأن قطر كانت قد وقعت اتفاقاً سابقاً في عهد الأمير حمد آل ثاني والد الأمير الحالي، ولكنها سرعان ما تراجعت عنه وهذا يقودنا إلى الاحتمال الرابع والأخير.
الاحتمال الرابع: تفكك مجلس التعاون الخليجي:
كما ذكرنا في السابق، فإن الأزمة القطرية قد أظهرت خلافات كانت مختفية في السابق نظراً للأخطار الإقليمية المحيطة بهم في ظل التقدم الإيراني المضطر في سوريا واليمن دفع ذلك دول المجلس إلى تنحية تلك الخلافات جانباً لحين الانتهاء من الملف الإيراني، إلا أن تطورات الأحداث وتحركات السعودية والإمارات الأخيرة قد أغضبت بعض دول المجلس؛ فلم تعد قطر راغبه في البقاء داخل العباءة السعودية الإماراتية، وصارت تطمح لأن يكون لها نفوذ قوي في المنطقة، أيضاً فإن هناك تصاعداً ملحوظاً للدور الإماراتي الذي يبدو أنه هو الآخر بات يبحث عن متنفس له خارج الهيمنة السعودية المطلقة التي شهدها الخليج لعقود، ما يعطي لنا مؤشراً هاماً عن طبيعة التفاعلات داخل المنظومة الخليجية المتمثلة في مجلس التعاون الخليجي والذي لم تنجح اتفاقيات التعاون الاقتصادي والثقافي المختلفة في أن تخلق هوية خليجية موحدة وسياسة خليجية موحدة، وبات المجلس على مشارف الانقسام بفضل الطموحات الإقليمية المختلفة لدوله خاصة قطر والإمارات اللذان لم يعودا قابيلين بهيمنة سعودية خاصة مع القيادة الشابة الحالية، كما أن عمان بدأت تستشعر الخطر بسبب تهور القيادات الشابة في الخليج وسعيها لجر المنطقة نحو حرب إقليمية غير محمودة العواقب، وهو ما يفسر لنا التحرك العماني غير المعتاد مؤخراً؛ فقد ظلت عمان تحت حكم السلطان قابوس تتبع سياسة الحياد السلبي، فهي لا تتدخل في شئون دول الخليج وهم لا يتدخلون في شئونها، حتى تلقبت عمان بلقب سويسرا العرب، ولكنها مؤخراً وفي ظل الأوضاع الملتهبة المحيطة بها اضطرت للتدخل للحيلولة دون حرب إقليمية خاصة عندما قامت السعودية باحتجاز رئيس الوزراء اللبناني تحت الإقامة الجبرية تمهيداً للدخول في حرب مع إيران في لبنان وهو ما دفع عمان للمساهمة في جهود الوساطة لمنع ذلك الأمر كذلك كانت قد تدخلت مؤخراً بوساطة بين إيران والولايات المتحدة وهي الوساطة التي أعلن بعدها ترامب عن رغبته في الجلوس مع الإيرانيين دون شروط مسبقه، جدير بالذكر أيضاً أن عمان سبق وأن رفضت دعوة سعودية لتحويل مجلس التعاون الخليجي إلى اتحاد سياسي خليجي نظراً لأن ذلك يعد اعتداء على سيادة واستقلال السلطنة.
كل تلك التفاعلات تبين لنا فشل مجلس التعاون في صهر دول الخليج في بوتقة واحدة خليجية، فقد ظلت الطموحات الوطنية كما هي ما يهدد بجعل المجلس يسير على خطى جامعة الدول العربية خاصة مع استمرار الأزمة الخليجية والتي تمثل دليلاً قاطعاً على حجم الاستقطاب داخله فلم تقم كل دول المجلس بمقاطعة قطر وكان من ضمن الدول التي أعلنت حيادها سلطنة عمان، فيما لا تزال الكويت تحاول القيام بوساطات بهدف تقريب وجهات النظر، وفي حقيقة الأمر فإن ظروف نشأة مجلس التعاون خلقت وحده ظاهرية بين دوله نظراً للخطر العراقي الذي كان يتهددهم، كما أن باقي دول المجلس لم تكن تمتلك في تلك الفترة المقومات السياسية والاقتصادية والعسكرية والإعلامية التي كانت تمتلكها السعودية، ولكن ما إن زال الخطر العراقي وتنامت قدرات باقي دول المجلس بفضل الثروات الهائلة لديهم من البترول والغاز، حتى بدأت تلك الدول تبحث عن دور إقليمي مستقل لها خاصة قطر والتي كانت سابقة في هذا المجال ولا تزال تحاول إلى الآن، ورغم أن هناك تقارباً إماراتياً سعودياً في الوقت الحالي، إلا أننا نرى أن هذا التقارب هو تقارب مصلحي بسبب الخطر الإيراني والتهديد القطري، خاصة وأن الإمارات صار لها تواجد إقليمي ملحوظ ليس فقط في الخليج وإنما في الدول الإفريقية أيضاً.
لكننا على الجانب الآخر نرى أن هناك أسباباً تمنع تفكك المجلس أبرزها أن هناك تعاون اقتصادي وسياسي وعسكري وثيق ما بين دوله وثقتها الاتفاقيات التي أبرمتها دوله إلى حد أنها قامت بتوحيد أنظمتها القانونية الداخلية، إلى جانب وجود السوق الحرة الخليجية، كذلك فإن استمرار الخطر الإيراني يعد محفزاً على بقاء المجلس بوصفه ضامناً لوحدة الخليج في مواجهته، وعلى الجانب الخارجي فالولايات المتحدة الحليف الرئيسي لدول المجلس والتي تحيط الخليج بقواعدها العسكرية والبحرية والجوية ترى أن هناك مصلحة حيوية لها في وجود خليج موحد صحيح أنها لا ترغب بخليج قوي لكنها ترغب بخليج موحد قادراً على الوقوف في وجه إيران بمساعدة أمريكية، وعلى أية حال فإن مجلس التعاون قد يظل قائماً لكن مع تراجع الهيمنة السعودية عليه لصالح فاعلين جدد.
ختاماً فإننا نرى أن احتمال عودة قطر إلى الخليج مرة أخرى هو الخيار الأكثر قرباً من الواقع في ظل المعطيات الإقليمية والدولية لكنها لن تكون عودة دائمة أو عودة إلى ما قبل الطموح القطري، فذلك الطموح سيظل قائماً منتظراً تغير الظروف لصالحه، كما نرى أن مجلس التعاون قد أفصح على هشاشته السياسية وعدم قدرته على خلق هوية خليجية مشتركة كان البعض يعتبرها أملا يمكن أن يتحقق ويخفف من أثر فشل الجامعة المحقق في تحقيق وحدة عربية، إلا أن المعطيات تنبئنا أن المجلس قد فشل في ذلك وإن كان قد نجح في مجالات أخرى عديدة ستلعب دوراً في الحفاظ على بقاء المجلس إلى جانب عوامل إقليمية ودولية. ومن ثم فإننا نكون قد عرضنا للأزمة الخليجية وأسبابها، إلى جانب تطورات العلاقات القطرية الإيرانية أسبابها وما آلت إليه، وفي الأخير وضعنا رؤية استشرافية حول مستقبل العلاقات الإيرانية القطرية وأثرها على مجلس التعاون الخليجي.
[list="padding-right: 15px; padding-left: 0px; margin-right: 20px; margin-bottom: 20px; margin-left: 0px; list-style: none; border: 0px; outline: none; box-sizing: border-box; color: rgb(44, 47, 52); font-family: -apple-system, BlinkMacSystemFont, \"Segoe UI", Roboto, Oxygen, Oxygen-Sans, Ubuntu, Cantarell, "Helvetica Neue", "Open Sans", sans-serif; font-size: 15px; background-color: rgb(255, 255, 255);"]
[*]Romany Shaker, “Iran’s Relationship with Qatar Could Be P

[/list]

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
مُشاطرة هذه المقالة على: diggdeliciousredditstumbleuponslashdotyahoogooglelive

العلاقات القطرية – الإيرانية : هل يتفكك مجلس التعاون الخليجي ؟ :: تعاليق

لا يوجد حالياً أي تعليق
 

العلاقات القطرية – الإيرانية : هل يتفكك مجلس التعاون الخليجي ؟

الرجوع الى أعلى الصفحة 

صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
** متابعات ثقافية متميزة ** Blogs al ssadh :: استـــراجيــات متحـــــــــــــــولة يشاهده 478زائر-
انتقل الى: