موقع للمتابعة الثقافية العامة
 
الرئيسيةالأحداثالمنشوراتالتسجيلدخول

عدد زوار مدونات الصدح

شاطر | 
 

 الفيلسوف وشرط الازدواجية في المدن الإسلامية من خلال "تدبير المتوحد" لأبي بكر ابن باجة

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
نابغة
فريق العمـــــل *****
avatar

التوقيع : المنسق و رئيس قسم الفكر والفلسفة

عدد الرسائل : 1497

الموقع : المنسق و رئيس قسم الفكر والفلسفة
تعاليق : نبئتَ زرعة َ ، والسفاهة ُ كاسمها = ، يُهْدي إليّ غَرائِبَ الأشْعارِ
فحلفتُ ، يا زرعَ بن عمروٍ ، أنني = مِمَا يَشُقّ، على العدوّ، ضِرارِي

تاريخ التسجيل : 05/11/2009
وســــــــــام النشــــــــــــــاط : 2

17042018
مُساهمةالفيلسوف وشرط الازدواجية في المدن الإسلامية من خلال "تدبير المتوحد" لأبي بكر ابن باجة


منذ ظهور التفكير الفلسفي في اليونان القديمة، اهتم الفلاسفة بالشأن العام لمجتمعاتهم، فكانت لهم آراء تخالف الرأي السائد في هذه المجتمعات بقدر ما تطرح بديلا لما هو قائم ثقافيا وسياسيا، وهذا ما أدى غالبا إلى مضايقتهم، بل إلى اضطهادهم سواء من طرف الأنظمة السياسية أو من طرف عامة الناس، وقد كان تدشين انطلاقة التفكير الفلسفي بمقاضاة سقراط والحكم عليه بالموت متجرعا للسم أبلغ دليل على ذلك.
كان بإمكان موت سقراط أن يكون حالة شاذة، لكن مراجعة سيَر الفلاسفة والمفكرين تفنّد هذا الاحتمال، بل تؤكد أن مضايقة واضطهاد الفلاسفة ظاهرة دائمة الحضور في كل العصور، مما يجعل المتشبّع بالفكر الفلسفي مسكونا بها، سواء أعلن عن ذلك أم أخفاه؛ ولعل هذا ما يطرح رهان التفكير في مدى إلمام الفيلسوف الأندلسي أبي بكر ابن باجة[1] بهذه الظاهرة، وذلك من خلال كتابه "تدبير المتوحد" باعتباره محاولة للجواب عن إشكال مركزي: كيف يتدبر المتوحد [الفيلسوف] حياته في مدن فاسدة؟ هل ينخرط في المجتمع ويستنسخ الصورة النمطية السائدة فيه أم يختلي بذاته ويعتزل الناس؟
"تدبير المتوحد" وتركيب ما لا يركّب
ما الذي يمكن أن يقود إليه هذا التركيب "تدبير المتوحد"، خصوصا إذا لامسنا أنه مركب من لفظين يسمحان بالقول، إن كل واحد منهما يكاد يجرِّد الآخر عنه في معناه؟
بإلقاء إطلالة عابرة على لفظ "التدبير" في تراثنا الثقافي واللّغوي، سنجد أنه لا يأتي إلا مرتبطا بترتيب لمصلحة مشتركة وليست فردية، فهو إما يجيء مقترنا بلفظ "المنزل" كما هو الحال في معجم البستان لعبد الله البستاني: "تدبير المنزل علم يبحث عن طرق العناية في ترتيبه ومعالجة الطعام، وتمريض العيال حفظا للصحة وطلبا للراحة"[2]، وإما يجيء مقترنا بلفظ "المدينة" (الدولة) كما هو الحال مع ابن أبي الربيع في كتابه "سلوك المالك في تدبير الممالك"؛ وإما يجيء مقترنا بهما معا (المنزل والمدينة)، مثلما حدث عند ابن خلدون في مقدمته، حيث نجده يحدد السياسة المدنية بكونها "تدبير المنزل أو المدينة بما يجب بمقتضى الأخلاق والحكمة"[3].
أما بالنسبة إلى الفظ "المتوحد"، فمعظم المعاجم تحيل في تعريفه، إما إلى الانعزال وإما إلى الانفراد، حيث نجد القول "المتوحد عن الناس" يفيد المنقطع عن الناس والمعتزل عنهم، أو نجد القول "توحد الرجل" يفيد البقاء لوحده. أما القول "تفرد برأيه"، فيفيد الانفراد برأي دون رأي الجماعة.
وانطلاقا من هذه التحديدات اللغوية لكل من لفظيْ "التدبير" و"المتوحد"، والتي تسمح بافتراض احتمالٍ مجازفٍ يقود إلى القول بِبُعدِ معنييهما عن بعضهما وبأن لا جسر يربط بينهما، نعيد طرح السؤال: ما الذي يمكن أن يقود إليه هذا التركيب الباجي "تدبير المتوحد"؟
الشروط الباجية للتدبير
يوضح ابن باجة أن معاني التدبير متعددة، لكن أشهرها يفيد "ترتيب أفعال نحو غاية مقصودة" وليس القيام بفعل واحد من أجل غاية ما[4]. ولعل هذا التحديد يتداخل نوعا ما مع ما جاء في التعريفات السابقة، لكنه يتنحى عنها باتجاه التدقيق أكثر في ماهية التدبير دونما ربطه بأي تمثيل (المنزل أو المدينة).
إن الذي يحدد ماهية التدبير في التعريف الباجي هي شروطه الذاتية وليس تمثيله من خلال ألفاظ أخرى، وهذه الشروط ثلاثة: الأفعال، ترتيبها، والغاية منها:
- الأفعال، بما هي ممارسة عملية للتدبير، ودونها ينتفي هذا الأخير.
- الترتيب، بما هو تصور سابق يؤطر الأفعال وينظمها وينسق بينها.
- الغاية، بما هي هدف محدد مسبقا لأي تدبير.
ولهذا سنجد أن أول تمثيل باجي للتدبير، باعتباره عملية تتضمن كل هذه الشروط الثلاثة ضرورة، هو تدبير الإله للعالم؛ هذا الذي يؤكد ابن باجة على استثنائيته من حيث هو تدبير مطلق يحوز الكمال، ومن ثمة فلا داعي للوقوف عنده واعتباره مبدأ للحديث عن التدبير المنشود؛ وهنا يُطرح السؤال: أليس الكمال هو غاية التدبير الذي يتحدث عنه ابن باجة أيضا؟
قد يكون الجواب عن سؤالنا الأخير هو ما كتبه هنري كوربان في تعليقه على فلسفة ابن باجة عموما وعلى رسالته "تدبير المتوحد" خاصة، حيث قال "فالكلام على التدبير يقصد منه عدة أعمال منسقة وفق تصميم بعينه، وتهدف نحو كمال منشود"[5]؛ ولعلنا لن نكل في إيجاد أقوال من داخل نص ابن باجة تؤكد على صحة تعليق كوربان، حيث في إحدى لحظات "تدبير المتوحد" يبلغ المتوحد مرتبة الإلهي/ الكمال!
لا تتحدد ماهية التدبير الباجي بتحديد شروطه الثلاثة تلك فقط، بل إن هناك شرطا باجيا رابعا تتوجب ضرورته من مبدئيته بالنسبة إلى التدبير، والذي يقدمه ابن باجة قائلا: "وبين أن الترتيب [التدبير] إذا كان في أمور بالقوة فإنما يكون ذلك بالفكرة، فإن هذا مختص بالفكر ولا يمكن أن يوجد إلا منه"[6]. إن الفكر مبدأ للتدبير، ولا يمكن لهذا الأخير أن يوجد بانتفاء الأول، حيث في هذه الحالة يستحيل رسم تصميم (ترتيب) للأفعال أو تحديد غاية مقصودة لها.
انطلاقا من قوة شرط الفكر كمحدد مبدئي للتدبير يخلُص ابن باجة إلى أن التدبير خاصية إنسانية خالصة، حيث يؤكد "ولذلك لا يمكن [للتدبير] أن يوجد إلا للإنسان فقط"[7]، ومن ثمة ألغى سمة التدبير عن الأفعال الحيوانية، ما دام ترتيب الأفعال وقصديتها تؤطرها كلها ذات مفكرة واعية، مثلما يعلق البكاي ولد عبد المالك موضحا "وينبغي هنا أن نتفطن إلى الاختلاف القائم ما بين ترتيب أفعال الإنسان ترتيبا فكريا تتحكم فيه ذات مفكرة واعية بحدود ممارستها وغاياتها، وبين ترتيب أفعال الحيوان ترتيبا غير ناطق وغير واع بحدود ممارسته"[8].
بعد ربطه لماهية التدبير بشروطه وتخصيصه للأفعال الإنسانية بالتدبير، باعتبارها وحدها القادرة على حيازة الترتيب الفكري المسبق، ينتقل ابن باجة إلى أصناف التدبير الإنساني وفق تحديدين متمايزين.
يهدف التحديد الأول إلى الفصل بين الحديث عن التدبير بشكل عام والحديث عنه بشكل خاص؛ وفي هذا الإطار يوضح ابن باجة أن كل أفعال الإنسان يقال عنها تدبير بشكل عام، سواء بالنسبة إلى المهن كالسكافة والحياكة أو بالنسبة إلى القوى كترتيب الأمور الحربية، ثم يقر أن التدبير بعموم يقال في القوى أكثر مما يقال في المهن. أما التدبير بخصوص، فيطلق على تدبير المدن كما يطلق على تدبير المنزل.
بعد الفصل السابق، ينتقل ابن باجة إلى التحديد الثاني للتدبير، والذي يهدف من خلاله إلى التمييز بين درجات التدبير، بين أشرفها وأخسّها؛ موضحا أن هذا التحديد لا يستقيم إلا بالتخلص من الحديث عن التدبير بعموم.
على الرغم من محاولة ابن باجة في البداية تقديم تعريف للتدبير في علاقته بشروطه الذاتية وفقط، فإنه لا يجد مفرا من الرجوع للتأطير التمثيلي الذي هيأه التاريخ اللغوي والثقافي السابق عنه، وذلك من أجل الحسم بين أشرف تدبير وأخسه؛ فيؤكد أن النظر إلى تدبير الإله للعالم على أنه أشرف تدبير يجب تجاوزه وعدم خوض الحديث فيه، ما دام تدبيرا مطلقا يتجاوز الحدود الإنسانية؛ ثم ينتقل بعدها للحديث عن تدبير المدن وتدبير المنزل، باعتبارهما يحوزان مرتبة الشرف والكمال في تحديد التدبير بخصوص.
فأما تدبير المدن، فسيتجاوزه ابن باجة أيضا، بعدما أكّد أن أفلاطون تحدث عنه بما يكفي وبيّن صوابه ومن أين يتسرب إليه الخطأ.
وأما تدبير المنزل، فرغم قول ابن باجة بأشرفيته في البداية، فهو لا يتردد بعدها من تلخيص الحديث عنه باعتباره لا يحوز استقلالية تخول الحديث عنه طويلا "فهو إما جزء مدينة فالقول فيه جزء من القول في تدبير المدن أو توطئة لغاية أخرى، فالقول فيه جزء من القول في تلك الغاية"[9]، بل إنه لا يتردد في توصيف الحديث عنه باللاجدوى وخارج إطار العلم "فمن ها هنا تبين النحو أن القول في تدبير المنزل على ما هو مشهور ليس له جدوى ولا هو على علم"[10].
يتبين، انطلاقا من تجاوز ابن باجة الحديث عن تدبير الإله للعالم ثم تجاوزه الحديث عن تدبير المدن وتدبير المنزل، أن استحضاره المؤقت لها جميعا لم يكن سوى تهيئة للحديث عن أشرف تدبير من وجهة نظره، فما هو إذن هذا التدبير، وما هي تمثيلاته وإمكانيات تحققه؟
متوحد ابن باجة، الاعتزال أم التفرد؟
بعد تحديده لمفهوم "التدبير" لا ينتقل ابن باجة مباشرة إلى تحديد مفهوم "المتوحد"، وإنما يقدم توطئة اجتماعية وتاريخية للبيئة التي ينتمي إليها، وذلك من خلال رصده للواقع كما هو كائن في عصره وكما كان قبله، وليس كما هو مرغوب فيه أن يكون دون أن يكون، يقول: "ولما كانت جميع السير التي في هذا الزمان وفيما كان قبلنا في معظم ما بلغنا خبره... فكلها مركبة من السير الخمس ومعظم ما نجده فيها شيء من السير الأربع"[11].
يشير ابن باجة إلى أنه سيستثني في هذا الرصد ما يحكيه الفارابي عن سيرة الفرس الأولى، ولا يُفصِّل في القول بعدها بغاية إثبات أو نفي صحة ما حكاه الفارابي في الموضوع!
لماذا يستحضر ابن باجة واقع الحاضر والماضي كمدخل أوّلي قبل الحديث عن المتوحد؟
بالعودة إلى سيرته الذاتية، سنجد أنه كان طيلة حياته مزاوجا بين السياسي والعالِم الشمولي، وهذا يفرض عليه (في الحالتين، وفي السياسي عمليا) الفعلَ في حاضره/ واقعه، وهذا الفعل لا يمكنه التحقق دون وعي بذلك الواقع من جهة، حتى لا يكون مجرد انفعال؛ كما لا يمكنه التحقق دون وعي بوقائع (جمع واقع) تاريخية سابقة عنه من جهة ثانية، حتى يستطيع تفادي أخطاء الماضي ممارسة وتنظيرا.
كأن ابن باجة يسائلنا من خلال استحضاره ذاك: بماذا يفيد الحديث (الحلم) عن المدينة الكاملة/ الفاضلة، ولا الحاضر أو التاريخ يدلل على وجودها خارج المثال؟ ثم كيف يمكن لمدينة كتلك أن تكون كاملة وفاضلة بينما ينتفي فيها الفرد وتنتفي فيها آراؤه؟
وفي هذا الإطار، يقول مبينا ديكتاتورية المدينة الكاملة "فبَيِّنٌ أن كل رأي غير رأي أهلها يحدث في المدينة الكاملة، فهو كاذب وكل عمل يحدث فيها غير الأعمال المعتادة فيها فهو خطأ..... فإذن ليس توضع في المدينة الكاملة أقاويل فيمن رأى غير رأيها أو عمل غير عملها"[12].
واضح إذن أن عملية استحضار ابن باجة للواقع والتاريخ هي عملية واعية ونقدية، مثلما هي عملية تؤشر على أن صاحبها يمهد لرؤية مختلفة عما هو سائد في عصره وقبله، رؤية تقوم على أنقاض أزمة رؤية سابقة، وسيتضح هذا مع إقفال باب الحديث عن المدينة الكاملة، والانتقال بعدها للحديث عن الفرد وآرائه، لكن ليس أي فرد وليست أية آراء!
إن كان إعدام الرأي المفرد خاصية من خصائص المدينة الفاضلة (المثال الأفلاطوني)، فإن ذلك متجاوَز في المدن الأخرى، يوضح ابن باجة "فإذن ليس توضع في المدينة الكاملة أقاويل فيمن رأى غير رأيها أو عمل غير عملها وأما في المدن الأربع فقد يمكن ذلك"[13]. إن الرأي ممكن في هذه المدن، لكن ما الرأي هنا؟ ومن هو المعني بهذا الرأي؟
يحدد ابن باجة الرأي من خلال تحديدين: الرأي من حيث إن أصله اكتشاف وإبداع، والرأي من حيث إن غايته هي التصحيح.
أما بالنسبة إلى الأول (الرأي اكتشاف وإبداع) فيقر أنه ليس هناك اسم يطلق عليه وعلى أصحابه، مما يسمح بطرح السؤال حول إمكانية غياب/ تغييب الاكتشاف والإبداع في الثقافة العربية الإسلامية حتى ذلك الحين، رغم أن ابن باجة يحدده من خلال تجليه عمليا أو علميا "وأما من وجد عملا أو تعلم علما صوابا لم يكن في المدينة فليس لهذا الصنف اسم يعمه"[14].
وأما بالنسبة إلى الثاني (الرأي كتصحيح) فهو محدَّد من حيث غايته التصحيحية لما هو سائد من رأي/ آراء في المدينة، ويطلق على أصحابه النوابت، ويوضح ابن باجة أن هذا الاسم يُطلَق عموما على من يرى غير رأي الجماعة/ المدينة بغض النظر عن صدقه من كذبه، لكنه يؤكد أنه سيخص به أصحاب الآراء الصادقة وأنه سيشمل التحديدين السابقين، وهنا يعود ابن باجة إلى تشذيبه النقدي، فيبين أنه في مقابل المدينة الكاملة التي تعدم النوابت، فإن النوابت في المدن الناقصة إحداث للمدينة الكاملة.
إنها رؤية مغايرة، كما أسلفنا التنبيه، حيث المدينة الكاملة كامنة في النواقص من المدن، وحيث السعادة، باعتبارها غاية الكمال لا تتحقق إلا في المفرد (النابتة) وبه[15]؛ فهل يمكن الحديث إذن عن نمط تفكير مختلف؟ عن تحول في الباراديغم مع ابن باجة؟
يشير طوماس كوهن[16] إلى أن مفهوم الباراديغم لا يتحدد من خلال ربطه بنظرية/ نظريات، بل إنه يتجاوز ذلك باتجاه رؤية للعالم تشمل حتى تلك النظرية/ النظريات؛ وبهذا المعنى فالباراديغم تصور عالم ممكن في مقابل العالم الكائن.
إن الباراديغم الذي كان سائدا في الفلسفة الإسلامية قبل ابن باجة يتضمن في عمقه المثال الأفلاطوني وفق شروط المرجع الإسلامي، فكان البحث في إمكان المدينة الفاضلة رؤية أفلاطونية مشروطة؛ أي عالما إسلاميا ممكنا في مقابل العالم الإسلامي الكائن؛ لكن مع ابن باجة يتم التسليم بهزيمة المثال الجماعي، ويتم الانتقال من البحث في إمكان المدينة الإسلامية الفاضلة إلى مفهوم "المفرد" وتدبيره: ما معنى أن يكون الفرد مفردا؟ وكيف يحقق سعادته ويتدبر أفضل وجود له في عالم ناقص؟
يقول ابن باجة: "وكأن السعداء إن أمكن وجودهم في هذه المدن فإنما يكون لهم سعادة المفرد وصواب التدبير إنما يكون تدبير المفرد"[17].
لا يتحدد المفرد السعيد عند ابن باجة بالعدد (الواحد أو أكثر) بل بالتفرد "وسواء كان المفرد واحدا أو أكثر من واحد ما لم يجتمع على رأيهم أمة أو مدينة"[18]، ومن ثمة فالتفرد الباجي إقصاء للإجماع/ المدينة الكاملة من جهة أولى، وعدمُ انحصارٍ في الواحد ضرورةً من جهة ثانية.
يتضح إذن، أن سؤال المفرد السعيد، عند ابن باجة، هو سؤال متحرر من قبضة سؤال السعادة الجماعية، كما أنه ليس خاصا بفرد واحد بل بالأفراد المتفردين في آرائهم؛ وهو بهذا سؤال الخاصة وسؤال محنتها كما يعلق محمد ألوزاد؛ أي سؤال الفلاسفة وسؤال الصوفية في عصر ابن باجة[19]، وهو سؤال قديم تتجدد الرؤية إليه وتتجاذبه حسب مبادئ كل رؤية.
هؤلاء الخاصة/ النوابت، يقر ابن باجة على أنهم هم أنفسهم من يُطلق عليهم الصوفية نعت "الغرباء"، ومحدد غربتِهم واغترابِهم ليس الابتعادُ المادي عن الوطن/ هجرَتُه، وإنما هو الابتعاد الرؤيوي/ السفر الفكري[20]، هذا الذي صار وطنا لهم، وهو ليس معطىً طبيعيا، بل هو من خَلقِهِم؛ وهكذا إذن يوجد وطن داخل وطن/ وطن في مقابل وطن.
في ظل نضج هذه الوضعية الإشكالية يطرح ابن باجة سؤاله الأساسي في كتابه "تدبير المتوحد": كيف يتدبّر المتوحد وجودَه؟
إن الجواب عن السؤال أعلاه هو غاية الكتاب وغاية كل ما تلا طرح السؤال، لأن كل ما سبق لم يكن سوى أرضية تأسيسية يستمد منها السؤال الباجي مشروعيته؛ والملاحظ أنه لأول مرة يصل ابن باجة بين لفظيْ عنوان الكتاب "التدبير" و"المتوحد"، ولأول مرة يعرض لفظ "المتوحد" بعدما هيأ له وشذب له الطريق طويلا، وكأنه جوهرة ثمينة في محل صائغ[21]، لا يتم عرضها إلا في المكان والزمان المناسبين وبعد التمهيد بما يكفي لعرضها؛ يقول: "ونحن في هذا القول نقصد تدبير هذا الإنسان المتوحد.. كيف يتدبر حتى ينال أفضل وجوداته"[22].
يوضح ابن باجة أن المتوحد هو النابت المفرد، وأنه لتحقيق سعادته وحفظها لا يكفيه خلقه لوطن داخل وطن/ عالم مقابل عالم؛ إنه يحتاج إلى تدبير وإلى وصفة تدبير، مثلما يحتاج المرء إلى وصفة طبيب ليحفظ دوام صحته أو ليستعيدها حين خرمِها؛ ومن ثمة يقترح كتاب "تدبير المتوحد" وصفة طبية لذلك المتوحد.
إن كان كتاب حفظ الصحة لجالينوس طبا للأجسام، وإن كانت وصفات الحُكم طبا للمعاشرات [للعلاقات الاجتماعية]؛ فإن "تدبير المتوحد" طب للنفوس[23]. وإن كان طب الأجسام يُستمد من الصنائع الطبيعية، وطب الحكم يُستمد من الصنائع المدنية، فإن طب النفوس يتجاوز إمكانية مصدر واحد، إنه يُستمد من كليهما: الصنائع الطبيعية والصنائع المدنية[24]، وفي هذا رمزية شموليته على طب الأجسام وطب المعاشرات، وكأنه أصل سابق عليهما.
سؤال: "كيف يتدبر المتوحد لينال أفضل وجوداته؟" ليس سؤالا جديدا مع ابن باجة، لكن جدته تكمن في طريقة مقاربته وزاوية الرؤية إليه. إن السؤال الباجي الضمنيّ في السؤال المصرّح به، ليس هو كيفية تعدد هذا المتوحد حتى يسود (سؤال المدينة الفاضلة)، ولا كيفية استنساخ وجوده للصورة النمطية السائدة في المدن الناقصة (سؤال العامة)، ولا كيفية خلوته وانقطاع صلته بالمجتمع (سؤال الصوفية)؛ بل هو: كيف يتفرد المتوحد؟ كيف ينخرط في المجتمع وفي الكون دون أن يستنسخ الصورة النمطية السائدة؟ أو بصيغة معاكسة: كيف يختلي وينقطع لذاته دون أن يقطع رابطته بالمدينة؟
إنه إذن سؤال المحايثة والتعالي في الآن نفسه؛ وهو سؤال لا يستبطن علاقة الذات بالآخر فقط، بل علاقة الذات بالذات نفسها، حيث لا تكف الذات عن مساءلة نفسها ومكاشفتها "لئلا يُقبل، في العلاقة بالذات، إلا ما يمكنه أن يتوقف على الاختيار الحر والمعقول للذات"[25]، كما يعلق فوكو على فحوصات معرفة الذات الأبيقورية والرواقية. لكن هذه العلاقة بالذات وقد لحقها "أمر خارج عن الطبع"[26]، هذا الانهمام والانشغال بها، لا يجب أن يؤدي بالمتوحد إلى الانسلاخ عن المجتمع، يقول: "فذو الحكمة إذن ضرورة إنسان فاضل إلهي، وهو يأخذ من كل فعل أفضله ويشارك كل طبقة في أفضل أحوالهم الخاصة بهم وينفرد عنهم بأفضل الأفعال وأكرمها وإذا بلغ الغاية القصوى.. كان عند ذلك واحدا من تلك العقول وصدق عليه أنه إلهي فقط وارتفعت عنه أوصاف الجسمانية الفانية وأوصاف الروحانية الرفيعة ولاق به وصف إلهي بسيط وهذه كلها قد تكون للمتوحد دون المدينة الكاملة"[27].
هذه الوصفة الباجية التي تدعو المتوحد إلى المراوحة بين التعالي والمحايثة شبيهة بـ "دعوة التغيير" الأبيقوري والرواقي، حيث يكون الهدف من ممارسات الذات هو التغيير في النشاط كما يوضح فوكو "ليس أنه يتوجب الكف عن كل شكل آخر من الاشتغال للتفرغ كليا وحصرا للذات"[28]؛ وبهذا يلازم السؤال الباجي بين الوجود الذاتي والوجود المدني.
هكذا إذن، ستكمن الجدة في المقاربة الباجية للسؤال المطروح، يقول ألوزاد: "إن جواب ابن باجة كان هو جواب الفيلسوف، وليس جواب الأديب. ولكن ليس جواب الفارابي، ولا جواب ابن طفيل صاحب "حي ابن يقظان"، لأن جواب الفارابي كان جوابا ينبني على أساس التسليم بإمكانية تحقق مدينة فاضلة بناء على مقولة سياسية وجدت في مجتمعه، هي المقولة الشيعية التي كانت ترى أن دعوة الإمام يمكنها أن تغير النظام الاجتماعي وأن تكون سببا في قيام تلك المدينة الفاضلة.. وهذا نوع من "المهدوية" في تفكير أبي نصر الفارابي... أما بالنسبة لابن طفيل، فإنه يتبنى القطيعة؛ يرى أنه لا مفر للحكيم من أن يعتزل، من أن يهاجر إلى الجزيرة، والجزيرة تعني أن يقطع صلته بالمجتمع. إن ابن طفيل يستلهم النموذج الصوفي... أما ابن باجة، فسيقدم تصورا آخر للتوحد، لا هو تصور ابن طفيل ولا تصور الفارابي. تصور طريف مفاده أنه يمكن للحكيم أن يعيش في المدينة الجاهلة، وأن يكون مع ذلك حكيما. معنى ذلك أن الإنسان يعيش حياة "مزدوجة" إذا جاز التعبير"[29].
بأي معنى يمكن فهمُ قولِ ألوزاد بإمكانية عيش حياة مزدوجة بالنسبة إلى الحكيم/ متوحد ابن باجة؟
هناك ثلاث لحظات أساسية في "تدبير المتوحد" تبين أن ابن باجة كان واعيا قبل غيره بحياة الازدواج المحتملة هذه:
أولا: وضعُ الفيلسوف في المدينة الإسلامية، هاته التي في كافة أحوالها لم ولن تخرج عن المدن الأربع الجاهلة. وضعُ الفيلسوف، الذي لن تجتمع على رأيه أمة أو مدينة أبدا، وبالتالي يُفرَض عليه أن يسافر بين وطنين: واحد واقعي والثاني في الأفكار، ومن هنا وجب عليه محايثة الواقع والتعالي عليه.
ثانيا: ربطُ وضع الفيلسوف في المدينة الإسلامية بوضع الإنسان في الكون، حيث الطبيعة جعلت الكائنات تشارك بعضها بعضا في أمور وتتجاوزها في أمور أخرى؛ والإنسان عموما يشارك الحيوان غير الناطق في النفس البهيمية لكنه يمتاز عنه بالقوة الفكرية، وهذه الأخيرة ليست دائما الغالبة في تحديد الفعل الإنساني "وقد تبين ما الفعل الإنساني وما الفعل البهيمي وما الفعل الجمادي وهذه جميع الأفعال التي توجد للإنسان"[30]، ولهذا فالوجود الأول للفيلسوف يتبلور حين تحتكم نفسه للقوة الفكرية فيه وليس للانفعال. إن اعتزال الناس مصدره الانفعال وليس القوة الفكرية، وشأنه في هذا شأن الانغماس الكلي وتكرار الصورة النمطية والسائدة في المجتمع؛ أما القوة الفكرية فتوجب المشاركة في أمور وتجاوز أخرى، لكن دائما باختيار عقلي، ولعل هذا المعنى الأخير نفسه هو ما نجده في واحدة من رسائل سينيكا الفيلسوف، بعدما وجد نفسه مجبرا على أن يختار بين المشاركة كالجميع أو المقاطعة لحفلات أعياد زحل حين كانت روما تغرق في الفساد، فاختار حينها "بدون الذوبان في الجمهور، فعل نفس الأشياء، ولكن بطريقة أخرى"، ليجيء قراره "الاحتفال ككل الناس ولكن دون السقوط أبدا في البذخ.. [حيث] يمكننا أن نحتفظ بنفس مترفعة وسط الوفرة"[31].
ثالثا: الوضعُ الأنطولوجي للفيلسوف، والذي يمكن اختزاله في السؤال المفارقاتي التالي: ما الغاية القصوى للفيلسوف/ المتوحد؟ هل هي عيش حياة بسيطة فانية مهما كانت رفعتُها أم امتلاك جوهر إلهي بسيط وخالد؟
عن هذا الوضع يقول ابن باجة: "إلا أنه كما يجب على الروحاني أن يفعل بعض الأفعال الجسمانية لكن ليس لذاتها ويفعل الأفعال الروحانية لذاتها، وكذلك الفيلسوف يجب أن يفعل كثيرا من الأفعال الروحانية لكن لا لذاتها ويفعل جميع الأفعال العقلية لذاتها، وبالجسمانية هو الإنسان موجود وبالروحانية هو أشرف وبالعقلية هو إلهي فاضل.... كان عند ذلك واحدا من تلك العقول [العقول البسيطة الجوهرية] وصدق عليه أنه إلهي فقط وارتفعت عنه أوصاف الجسمانية الفانية وأوصاف الروحانية الرفيعة ولاق به وصف إلهي بسيط، وهذه كلها قد تكون للمتوحد دون المدينة الكاملة"[32].
يتضح في هذا الوضع الأخير أن الإنسان، في منظور ابن باجة، مركّب وعليه أن يختار الغالب فيه، واختيار مكون لا يلغي المكونات الأخرى؛ ومن ثمة يجب على الفيلسوف/ المتوحد أن يختار المكون العقلي باعتباره الغالب فيه، وهذا يجعله يمتلك جوهرا إلهيا بسيطا خالدا دون أن يُلغي المكونات الفانية فيه وحقيقة فنائها كضرورة.
خلاصات:
لقد جاء الإشكال الأساسي لابن باجة في كتابه "تدبير المتوحد" مُركّزا في سؤاله "كيف يتدبر المتوحد [الفيلسوف] حياته في مدن فاسدة؟"، وهو سؤال يجيب عنه في لحظات متتالية وليس دفعة واحدة، حيث إنه:
أولا: يحدد مفهومي "التدبير" و"المتوحد"، مبينا أن التدبير هو مجموع الأفعال الإنسانية التي تهدف إلى غاية معينة، والتي تستلزم الفكر كمبدأ لها؛ وأن المتوحد هو صاحب الرأي الصادق المخالف للآراء السائدة في المدينة.
ثانيا: يؤكد أن المتوحد يحتاج إلى وصفة لتدبير حياته مثلما يحتاج المرء إلى وصفة طبية للحفاظ على صحته، ومن ثمة يقترح رسالته "تدبير المتوحد" كجواب عن سؤاله الإشكالي، معتبرا أن تدبير المرء (الفيلسوف خاصة) لحياته أشرف تدبير في المدن الفاسدة.
ثالثا: يخلُص إلى أنه لا يجب على المتوحد أن ينغمس في المجتمع ويصبح صورة مستنسخة لما هو سائد فيه، ولا أن يعتزل حياة الناس كما يفعل المتصوفة، وإنما يجب عليه أن يشارك العامة في بعض الأمور ويترفع عنهم في أخرى.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
مُشاطرة هذه المقالة على: diggdeliciousredditstumbleuponslashdotyahoogooglelive

الفيلسوف وشرط الازدواجية في المدن الإسلامية من خلال "تدبير المتوحد" لأبي بكر ابن باجة :: تعاليق

لا يوجد حالياً أي تعليق
 

الفيلسوف وشرط الازدواجية في المدن الإسلامية من خلال "تدبير المتوحد" لأبي بكر ابن باجة

الرجوع الى أعلى الصفحة 

صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
** متابعات ثقافية متميزة ** Blogs al ssadh :: دراسات و ابحاث-
انتقل الى: