موقع للمتابعة الثقافية العامة
 
الرئيسيةالأحداثالمنشوراتالتسجيلدخول

عدد زوار مدونات الصدح

شاطر | 
 

 فــنــان الـجـــوع للكاتب الألماني: فرانـــــس كـافـكـا ترجمة: صلاح حاتم

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
فدوى
فريق العمـــــل *****
avatar

التوقيع :

عدد الرسائل : 1539

الموقع : رئيسة ومنسقة القسم الانكليزي
تاريخ التسجيل : 07/12/2010
وســــــــــام النشــــــــــــــاط : 7

04042018
مُساهمةفــنــان الـجـــوع للكاتب الألماني: فرانـــــس كـافـكـا ترجمة: صلاح حاتم



في العقود الأخيرة تضاءل الاهتمام بفناني الجوع كثيراً. فبينما كان، فيما مضى، مجدياً جداً أن تقام عروض من هذا القبيل بإخراج شخصي، فإنَّه في هذه الأيام من المستحيلات. لقد كانت أزماناً أخرى. وقتئذٍ شُغلتِ المدينة كلها بفنان الجوع؛ ومن يوم جوع إلى آخر زادت المشاركة؛ كل واحد أراد أن يرى فنان الجوع مرة واحدة على الأقلَّ كل يوم؛ وفي الأيام اللاحقة كان هناك مشتركون جلسوا أياماً أمام القفص المشبّك الصغير؛ وفي الليل أيضاً كانت تجري تفقّدات لزيادة التأثير على ضوء المشاعل؛ وفي أيام جميلةً كان القفص يُحمل إلى العراء، على أنهم كانوا أطفالاً بصورة خاصة أولئك الذين كان يُعرض لهم فنان الجوع، وعلى حين لم يكن هو في نظر البالغين في أحيان كثيرة إلا تسليةً شاركوا فيها بدافع التقليد فقد تفرّج الأطفال مدهوشين، فاغري الأفواه، ممسكين بأيدي بعضهم بعضاً على سبيل الأمان، وقد قعد على قش منثور، شاحب اللون، في التريكو الأسود، بأضلاع شديدة البروز، رافضاً حتى المقعد، وقد أجاب على أسئلة، تارةً مومئاً برأسه في أدب ومبتسماً في إجهاد، كما أنه كان يمدُّ ذراعه من خلال القضبان أيضاً لكي يترك الآخرين يجسّون نحوله، على أنه كان يخلو تارة أخرى إلى نفسه ويغرق في ذهوله غير مكترث لأحد، حتى ولا لدقّة الساعة المهمة جداً له، التي كانت قطعة الأثاث الوحيدة في القفص، بل اكتفى بالنظر أمامه بعينين شبه مغلقتين، وبين الحين والآخر، كان يتجرّع جرعة صغيرة لكي يبلّل شفتيه.

وفضلاً عن النظّارة المتبدلين كان هنالك أيضاً حراس دائمون تخيّرهم الجمهور، ومن عجب أنهم كانوا عادة جزّارين، ثلاثة في آن واحد، كانت مهمتهم أن يراقبوا فنان الجوع ليلاً ونهاراً لكي لا يتناول طعاماً بطريقة ما سريّة. على أنَّ هذا لم يكن إلا أمراً شكلياً وُضع لتهدئة الجماهير، إذ إنَّ المطّلعين عرفوا حق المعرفة أن فنان الجوع ما كان سيأكل في أثناء فترة الجوع أي شيء على الإطلاق ولا بأية حال، حتى ولا بالإكراه؛ إنَّ شرف فنه يحرّم عليه هذا. والحق أنه ما كلُّ حارس استطاع أن يدرك هذا، كان هنالك أحياناً مجموعات حراسة ليليّة تهاونت جداً في القيام بالحراسة، وتعمدّت الجلوس في ركن بعيد وانهمكت في لعب الورق، بخالص النيّة ألا يضنوا على فنان الجوع بطعام خفيف، ربما استطاع أن يأتي به بحسب رأيهم من أية مخزونات سرية. وما من شيء كان أكثر إزعاجاً على فنان الجوع من مثل هؤلاء الحراس؛ فقد جعلوه مكتئباً؛ ونكّدوا عليه الصوم على نحوٍ مخيف؛ وكان يتغلّب في بعض الأحيان على ضعفه، فكان يغني في أثناء فترة الحراسة ما دام قادراً على هذا لكي يظهر للناس مبلغ ظلمهم في ارتيابهم به.على أنَّ هذا كان قليل النفع؛ فلم يعجبوا في مثل هذه الأحوال إلا بمهارته في أن يأكل حتى في أثناء الغناء. وكان أحبَّهم إلى نفسه الحراس الذين كانوا يجلسون لصق القضبان، ولم يكتفوا بالإضاءة الليلية الخافتة للقاعة، بل أضاؤوها بأنوار مصابيح الجيب الكهربائية التي وضعها المتعهد الفني تحت تصرفهم. ولم يزعجه الضوء الساطع الباهر قط، فما كان في مقدوره أن ينام على الإطلاق، إلاَّ أنه كان في مقدوره أن يعيش دائماً في شبه غيبوبة، عند كل إضاءة وفي كل ساعة وفي القاعة المكتظة الصاخبة أيضاً، وكان على أتمّ استعداد لأن يساهرهم الليل كلّه؛ وكان مستعداً لأن يمازحهم ويحكي لهم حكايات عن تجواله ويستمع إلى حكاياتهم، لا لشيء إلاَّ لكي يسهرهم ويتمكن من أن يظهر لهم المرة تلو المرة أنه لم يكن عنده شروى نقير في القفص لكي يأكله، وأنه يصوم على نحوٍ قد لا يقدر عليه أحد منهم، على أنه كان أسعد حالاً حين كان النهار يطلع وكان يؤتى لهم على حسابه بفطور دسمٍ جداً، وكانوا يرتمون عليه بشهية رجال أصحاء بعد ليلة ساهرةً على نحو شاق، لا بل إنه كان هنالك ناسٌ أرادوا أن يجدوا في هذا الفطور تأثيراً على الحراس لا يليق، على أن هذا جاوز الحدَّ كثيراً، وكان إذا سألهم المرء عما إذا أرادوا أن يقوموا بالحراسة الليلية حبّاً بالشيء ومن غير فطور، اختفوا عن الأنظار، إلا أنهم، مع هذا، كانوا يصرّون على اتهاماتهم وشكوكهم. أما هذا فقد كان جزءاً من الاتهامات التي لا يمكن فصلها أبداً عن الجوع والصوم.وما من أحدٍ كان قادراً على أن يقضي الأيام والليالي كلَّها حارساً بدون انقطاع لدى فنان الجوع؛ وما من أحد إذاً، كان قادراً على أن يعرف من نظرته الخاصة هل كانت عملية الصوم تتم حقاً بصورة مستمرة وعلى نحو سليم. على أن فنان الجوع كان وحده قادراً على أن يعرف هذا، وهو وحده كان في آن واحد المتفرج الراضي كل الرضى عن صومه وجوعه، على أنه لم يكن، لأمر ما، راضياً قط؛ ولربما لم يكن الصوم السبب في نحوله الشديد بحث أن بعضهم اضطروا، وللأسف، لأن يتخلفوا عن حضور العروض، لأنهم لم يحتملوا منظره، بل إنَّ نحوله لم يكن سببه إلا استياءه من نفسه، إذ إنه هو وحده عرف، وما من مطلّع سواه عرف كم كان الصوم سهلاً. كان الصوم أسهل ما في الوجود. لم يسكت على ذلك أيضاً، لكن الناس لم يصدقوه، وعدّوه على أحسن تقدير متواضعاً، لكن في معظم الأحيان رأوا فيه متعطشاً للدعاية أو محتالاً هان عليه الصوم لأنه عرف كيف يستسهله، وإلى هذا كانت لديه الشجاعة أيضاً لأن يعترف بذلك شبه اعتراف. وكان عليه أن يتقبل هذا كلّه، كما أنه تعوّد هذا مع مرور السنين، أمّا في أعماقه فكان هذا الاستياء يعذّبه دائماً، وما من مرة، ولا بعد أيّة فترة صوم- وهذه الشهادة كان على المرء أن يشهدها له- كان قد غادر القفص طواعية. كان المتعهّد الفني قد حدّد للصوم مدة أقصاها أربعون يوماً، وفضلاً عن ذلك لم يسمح بالصوم قط، ولا في المدن الكبرى أيضاً، وذلك لسبب وجيه. ففي أربعين يوماً استطاع المرء بحكم الخبرة المكتسبة أن يثير اهتمام مدينة أكثر فأكثر بدعاية تزداد تدريجياً، على أن الجمهور أخفق بعدئذ، فقد تبين نقصٌ جوهري في الإقبال، وطبيعي أنه وجدت في هذا الخصوص فروقٌ طفيفة بين المدن والأرياف، إلا أنّه عُدَّ قاعدةً أن تكون المدة القصوى أربعين يوماً. في مثل هذه الأحوال إذاً وفي اليوم الأربعين كان القفص المكلّل بالزهور يفتح، وكان يملأ المدرج نظّارة متحمسون وتعزف فرقة موسيقية، وكان يدخل طبيبان، إلى القفص ليفحصا فنان الجوع الفحوصات الضرورية، وكانت النتائج تعلن في القاعة بواسطة مكبّر صوت، وأخيراً كانت تأتي سيدتان شابتان سعدتا بأنَّ الاقتراع وقع عليهما بالذات، وأرادتا أن تهبطا بفنان الجوع خارج القفص بضع درجات إلى حيث أعدّت على مائدة صغيرة وجبة طعام خاصة بالمرضى مختارة بعناية فائقة. في هذه اللحظة كان فنان الجوع يمانع ويقاوم دائماً. صحيح أنه ألقى بَعْدُ طوعاً بذراعيه العظيمتين في أيدي السيدتين المنحنيتين إليه واللتين مدّتها إليه استعداداً للمساعدة، إلا أنه لم يرغب في أن يقوم. فلماذا الإمساك الآن بالذات بعد أربعين يوماً؟ كان سيتحّمل ذلك طويلاً، إلى ما لا حدَّ له. فلماذا الإمساك الآن بالذات، حيث إنه كان في أحسن حال، وإن لم يكن بعد في أحسن حالات الصوم؟ لماذا أراد المرء أن يحرمه من الشهرة في أن يستمر في صومه وأن يكون لا أعظم صوّام وفنان جوع على مدى الأزمان كلها فحسب، وربما كان هو كذلك أيضاً، بل وأن يجاوز حدود طاقته أيضاً إلى ما هو غير معقول، إذ أنه أحسَّ بأن قدرته على الصوم لا حدود لها. فلماذا لم تصبر عليه تلك الجموع التي تظاهرت بأنها معجبة به إيما إعجاب، إلا قليلاً؛ فحين احتمل أن يظل مستمراً في صومه، فلماذا أبت هي أن تعبر على ذلك؟ كما أنه كان متعباً أيضاً، وقعد مرتاحاً في القش وكان عليه الآن أن يعتدل في جلسته وينتصب قائماً ويمضي إلى الطعام الذي كان مجرّد تصوّره يسبّب له الغثيان الذي احتبسه في مشقة مراعاة للسيدتين. ورفع نظره إلى أعين السيدتين اللتين كانتا لطيفتين في الظاهر غاية اللطف والقاسيتين في الواقع غاية القسوة، وهز رأسه الذي ناء تحت ثقله العنق النحيل. على أنه حدث بعدئذ ما كان يحدث دائماً. فقد جاء المتعهد الفني، وبما أن الموسيقا جعلت الكلام مستحيلاً- فقد رفع في صمت ذراعيه فوق فنان الجوع لكأنّه يدعو السماء لتشهد عمله على هذا القش مرة واحدة وتنظر إلى هذا الشهيد الذي يرثى له ولم يكن إلا فنان الجوع ولكن بمعنى آخر، ليس إلا، ثمَّ أمسك بفنان الجوع من خصره النحيل قاصداً أن يقيم الدليل بحذر مبالغ فيه على أنَّ له علاقة هنا بشيء شبه واهٍ واهن؛ وسلّمهُ، لا من غير أن يهزه بينه وبين نفسه بعض الشيء بحيث إنَّ فنان الجوع تمايل بشدّة يمنة ويسرة برجليه وأعلى جسمه - إلى السيدتين اللتين اصفرتا في أثناء ذلك صفرة الموت ثم تحمل فنان الجوع هذا كلَّه. كان الرأس على الصدر، بدا وكأنه تدحرج إلى هناك حيث استقرّ على نحو غامض؛ كان الجسد مهزولاً؛ والتصقت ساقاه ببعضهما بعضاً في الركبتين التصاقاً وثيقاً بدافع حفظ الذات، كان ثقل الجسم كلُّه، إنَّما الثقل الصغير جداً، على إحدى السيدتين التي مدت عنقها أوّلاً على قدر الإمكان مستنجدة، متسارعة الأنفاس- فما كانت قد تصوّرت هذه الوظيفة الشرفية هكذا- وذلك لكي تحمي وجهها على الأقل من أن يحتك بفنان الجوع، وبما أنها لم تفلح في ذلك، ولم تساعدها رفيقتها الأسعد حظاً، بل اكتفت بأن حملت أمامها، وهي ترتعش، يدفنان الجوع، هذه الحزمة العظيمة الصغيرة، فإنَّها أشهقت بالبكاء وسط قهقهات النظارة المبتهجين وكان لابدَّ من استبدالها بخادم كان قد جُهِّز من زمن، ثم جاء الطعام الذي أطعم المتعهد الفني فنان الجوع قليلاً منه في أثناء غفوة أشبه بغيبوبة وسط حديث مسل كان الغرض منه صرف انتباه الجمهور عن حالة فنان الجوع؛ ثمَّ شُرب كذلك نخبُ الجمهور الذي كان قد هُمِس به إلى المتعهّد الفني، كما يقال، من قبل فنان الجوع؛ وأثبتت الجوقة كل شيء بسلام مربعٍ كبير. وتفرق الناس، وما من أحد كان له الحق في أن يستاء مما شوهد، لا أحد، إلا فنان الجوع، هو وحده بصورة دائمة.

هكذا عاش سنوات كثيرة تخللتها فترات راحة قصيرة منتظمة، في بهاء ظاهري، محترماً من العالم، ولكن مع هذا كلِّه كان في كثير من الأحيان عكر المزاج، وزاد مزاجه تعكيراً أكثر وأكثر أنَّه ما من أحد فطن إلى أن يقيم له وزناً. بم كان على المرء أن يواسيه أيضاً؟ وماذا تبقى له ليتمنى؟ وكان إذا وجد شخصاً طيب القلب رثى له وأراد أن يشرح له أنه لمن المحتمل أن يكون الصوم سبب كآبته كان من الممكن أن يحدث، ولا سيما في أثناء فترة صوم متقدمة، أن كان فنان الجوع يجيب في فورة غضب ويشرع على غير توقع من الجميع في هزّ القضبان مثل حيوان. على أن المتعهد الفني كانت لديه لمثل هذه الحالات وسيلة للعقاب أحبَّ استعمالها كان يعتذر من فنان الجوع أمام الجمهور المحتشد ويعترف أنه ليس إلا الانفعالية التي سببها الصوم ولا يمكن فهمها على ناس شباع بهذه السهولة قد تسوّغ تصرّف فنان الجوع؛ وكان يبدأ الحديث بهذه المناسبة أيضاً عن إدعاء فنان الجوع الذي يجب إيضاحه أيضاً بأن كان في إمكانه أن يصوم فترة أطول بكثير مما صامه إلى الآن؛ وكان يثني على ما يتضمنه هذا الإدعاء أيضاً من طموحٍ عالٍ وإرادة طيبة ونكران للذات عظيم؛ على أنه كان يحاول أن ينقض بعد ذلك هذا الإدعاء بعرض كافٍ لصور بيعت في الوقت نفسه، إذ أن المرء رأى فنان الجوع على الصور في يوم صومه الأربعين، في السرير، شبه ميت من الوهن والضعف. وشقّ على فنان الجوع قلب الحقيقة هذا الذي كان يعرفه حق المعرفة، إلا أنه كان يوهنه ويحطّم أعصابه دائماً. أما ما كان نتيجة إنهاء صيامه السابق لأوانه فقد أظهره الناس هنا على أنه سبب! وكان محالاً مقاومة هذه الجهالة وعالم الجهالة هذا. كما أنه كان قد أصغى السمع إلى المتعهد الفني بحسن نيّة وتلهّف عند القضبان، إلاّ أنه كان يترك القضبان المشبكة عند ظهور الصور كلَّ مرة ويرتمي على ظهره في القش متأوهاً، وكان في إمكان الجمهور المهدّأ أن يقبل من جديد ويزوره.

وكان إذا ما عاد شهود مثل هذه المشاهد بذاكرتهم إلى هذا سنوات قلائل من بعد ذلك استبهمت عليهم أنفسهم مراراً. إذ أن ذلك التغير المذكور قد طرأ في أثناء ذلك؛ وعلى نحو مفاجئ تقريباً حدث هذا؛ وربما كان له أسبابه العميقة، ولكن من ذا الذي همه أن يبحث عنها. ومهما يكن فإنَّ فنان الجوع المدلّل رأى نفسه ذات يوم من غير أنيس ولا جليس وقد تخلّى عنه الجمهور المغرق في لهوه والذي آثر أن يتدفق على عروض أخرى. ومرة أخرى انطلق به المتعهد الفني عبر نصف أوربا ليرى إذا لم يكن الاهتمام القديم سيحصل هنا وهناك من جديد؛ كل شيء بلا طائل؛ وكما في اتفاق سري كان قد نشأ في كل مكان أشبه بالنفور من عروض الصوم. وطبيعي أن هذا ما كان في الإمكان أن يحدث في الواقع هكذا على حين غرّة، وتذكّر المرء الآن متأخراً بعض البشر الذين لم يؤبه لهم في حينهم في نشوة النجاح بشكل كافٍ ولم يضطهدوا الاضطهاد الكافي، أما الآن فقد فات الأوان للقيام بشيء تجاه ذلك. صحيح أنه كان مؤكداً أنه ذات مرة أيضاً سيأتي الوقت ثانية من أجل الصوم، أما في نظر الأحياء فلم يكن هذا بعزاء. ماذا كان على فنان الجوع أن يفعل الآن؟ إنَّ ذلك الذي كانت الآلاف قد غمرته بالتهاليل واستقبلته استقبالاً رائعاً لم يستطع أن يظهر في أكشاك العرض في الأسواق الموسمية الصغيرة، ولكي يختار مهنة أخرى، لم يتأخر العمر جداً بفنان الجوع فحسب، بل إنه كان قبل كل شيء مدمناً على الصوم على مدّ التعصب الشديد. وعلى هذا ودّع المتعهّد الفني، رفيق مهنة لا نظير له، وسمح لنفسه أن يُستخدم من قبل سيرك كبير؛ ولكي يراعي مشاعره لم ينظر إلى شروط العقد إطلاقاً.

إنَّ سيركاً كبيراً يتألف من بشر متممين ومساوين لبعضهم بعضاً المرة تلو المرة ومن حيوانات وآلات يمكنه أن يحتاج إلى كل واحد وفي كل وقت، وكذلك أيضاً إلى فنان جوع، بمطالب متواضعة نسبياً بطبيعة الحال، وفضلاً عن ذلك لم يُستخدم في هذه الحالة الخاصة فنان الجوع نفسه فحسب، بل اسمه القديم المشهور أيضاً، لا بل إن المرء لم يستطيع أن يقول في طبيعة هذا الفن غير المتناقض مع تقدم العمر أن فناناً استهلك ولم يعد فيه نفع ولم يعد في أوج مقدرته يريد أن يهرب إلى وظيفة هادئة في السيرك ، وعلى العكس ، فقد أكد فنان الجوع ، وقد كان هذا جديراً بالتصديق ، إنه يصوم مثل صومه سابقاً ،لا بل إنه زعم أيضاً لم يدهش العالم دهشاً مسوغاً إلا الآن ، هذا إذا فعل المرء مايريد. وقد وعده المرء بهذا بغير مبالاة ، على أنه أدعاء لم يبعث إلا على ضحك المختصين مرعاةً لروح العصر الذي نسيه فنان الجوع بسهولة في الحماسة.

لكن في الحقيقة لم يغب عن فنان الجوع فهمه للظروف الواقعية ، وقبله كشئ بديهي أنَّ المرء لم يضعه مع قفصه في وسط حلبة السيرك على أنه فقرة مهمة قوية الأثر ، بل وضعه في الخارج في مكان يسهل الوصول إليه على مقربة من الاصطبلات .لقد أحاطت بالقفص كتابات عريضة ملونة وأعلنت ماكان بالإمكان رؤيته هناك . وكان إذا سارع جمهور المتفرجين في فترت ما بين العروض إلى الاصطبلات ليشاهد الحيةنات كان لابد له تقريباً من أن يمر بفنان الجوع ويتوقف هناك قليلاً ، ولربما كان المرء سيمكث زمناً أطول لو لم يجعل المتدافعون الذين لم يفهموا هذا المكوث في الطريق إلى الاصطبلات المنشودة ، في الممشى الضيق مشاهدة هادئة أطول مستحيلة .وكان هذا السبب أيضاً في أن فنان الجوع خاف أيضاً من جديد من مواعيد الزيارات هذه التي كان يشتاقها بطبيعة الحال على أنها مسوغ لحياته. وفي الفترة الأولى عز عليه أن ينتظر استراحات العروض وبسرور بالغ كان قد ترقب جمهور النظّارة المندفع إلى الأمام، إلى إنه اقتنع في وقت قصير جداً- كما أن خداع النفس الأشد إلحاحاً والمتعمد تقريباً لم يصمد أمام التجارب- بأنهم لم يكونوا في أغلب الأحيان على النيّة، المرة تلو المرة، بغير استثناء إلا زواراً للاصطبلات. وهذا المنظر من بعيد ظل دائماً أجمل المناظر. إذ أنهم كانوا إذا ما اقتربوا منه تعالى من حوله صراخ وسباب الفرق المتشكّله من جديد بدون انقطاع، ذلك الفريق الذي ما لبث أن صار في نظر فنان الجوع أكثر إزعاجاً، فقد أراد أن يراه بالراحة، لا من باب التفهم، بل على سبيل المزاج العناد، وذلك الفريق الثاني الذي لم تصبُ نفسه في بادي الأمر إلا إلى الاصطبلات. فإذا ما مرّت العامة جاء بعدئذ المتأخرون، على أنَّ هؤلاء الذين لم يعد محرّماً عليهم أن يتوقفوا ما دامت عندهم رغبة، قد أغذوا في السير بخطوات كبيرة، من غير نظر جانبي تقريباً، لكي يصلوا إلى الحيوانات في الوقت المناسب. ولم تكن مصادفة سعيدة متكرّرة كثيراً أن يأتي رب أسرة مع أطفاله ويشير بسباته إلى فنان الجوع ويستفيض في شرح ما كان يدور هنا ويحكي عن سالف السنين حين كان يحضر عروضاً مماثلة لكن لا مثيل له في الضخامة والعظمة، ومن ثم الأطفال، بسبب إعدادهم غير الكافي من ناحية المدرسة والحياة، فإنهم ظلوا لا يدركون شيئاً- ماذا كان الصوم في نظرهم؟-، إلا أن بريق عيونهم الفاحصة فضح شيئاً في أزمان جديدة قادمة مواتية أكثر. وربما، هكذا قال فنان الجوع في نفسه أحياناً، تحسّن كل شيء بعض الشيء لو لم يكن مقره قريباً جداً من الاصطبلات. فبذلك سهِّل على الناس الاختيار كثيراً، ناهيك بذلك أن أبخرة الإصطبلات وروائحها وجلبة الحيوانات في الليل ونقل اللحم النيء للحيوانات الكاسرة والصراخ عند إطعامها قد آذى مشاعره وأحزنه وأثقل عليه بصورة دائمة. لكنه لم يجرؤ على أن يحتجّ ويشكو لدى الإدارة؛ على كل حال فقد كان مديناً للحيوانات بهذا العدد الكبير من الزائرين الذين كان بينهم أحياناً شخص قصده، ومن كان يدري أين كان المرء سيخفيه لو أراد أن يذكرّ بوجوده ويذكّر بذلك أنه لم يكن، بالمعنى الدقيق، إلا عائقاً في الطريق إلى الإصطبلات.

على أنه عائق بسيط، عائق يتضاءل أكثر وأكثر. وقد تعود المرء الغرابة بأن أراد أن يلفت في هذه الأيام الانتباه لفنان جوع، وبهذا التعوّد كان قد نطق بالحكم عليه. وكان له أن يصوم ما استطاع، وقد فعل ذلك، لكن ما من شيء استطاع أن ينقذه، فقد كان الناس يمرون به. حاولْ أن تشرح لأحدهم فن الصوم! فمن لا يحس بهذا فلا سبيل إلى إفهامه ذلك.

لقد اتسخت الكتابات الجميلة وصارت غير مقروءة، فانتزعها المرء، ولم يخطر ببال أحد أن يستبدلها؛ فاللوح الصغير برقم أيام الصوم المؤدّاة الذي كان قد جدِّد في الفترة الأولى يومياً بعناية وإتقان، بقي من زمن اللوح نفسه دائماً، إذ أن المستخدمين أنفسهم سئموا بعد الأسابيع الأولى هذا العمل البسيط؛ وهكذا تابع فنان الجوع صومه كما كان قد حلم به في سابق الأزمان، وقد تمّ له هذا في غير جهدٍ ومشقة مثلما كان قد تنبأ به آنذاك، لكن ما من أحد عد الأيام، لا أحد، حتى ولا فنان الجوع نفسه عرف مبلغ عظمة الإنجاز، وانقبض صدره، وكان إذا توقف ذات مرة في هذا الوقت مكسالٌ ما وجعل من الرقم القديم أداة سخرية وتكلّم عن الاحتيال، فقد كان هذا بهذا المعنى أسخف كذبة استطاعت أن تخترعها اللامبالاة والخباثة المتأصلة، إذ لا فنان الجوع خدع، فقد عمل بصدق وإخلاص، بل العالم خدعه في أجره.

على أن أياماً كثيرة مرّت، كما أن هذا انتهى. وذات مرة لفت القفص نظر أحد المراقبين، وسأل الخدم لماذا ترك المرء القفص الذي ينتفع به هنا حيث هو من غير استعمال وفيه القش المتعفّن، وما من أحد عرف السبب، إلى أن تذكر أحدهم فنان الجوع بواسطة لوح الرقم. وقلّب المرء القش بعصي ووجدوا فيه فنان الجوع. سأل المراقب: "أما زلت صائماً؟ ومتى ستمسك عن ذلك؟" وهمس فنان الجوع: "سامحوني كلكم" ولم يفهمه إلا المراقب الذي وضع أذنه على القضبان. "بالتأكيد أننا نسامحك" قال المراقب ووضع إصبعه على الجبين لكي يعتبر بذلك عن حالة فنان الجوع للمستخدمين. قال فنان الجوع: "أردت دائماً وأبداً أن يعجبكم صومي. " قال المراقب مجاملاً: "وإننا لمعجبون به أيضاً." قال فنان الجوع: "لكن ما كان ينبغي أن تعجبوا به". قال المراقب: "إذاً لن نعجب به، ولم لا ينبغي أن نعجب به". قال فنان الجوع: "لأنَّ علي أن أصوم، ولا أستطيع إلا الصوم" قال المراقب: "يا للغرابة! ولم لا تملك إلاَّ أن تصوم؟" رفع فنان الجوع رأسه الصغير قليلاً، وبشفتين مزمومتين كما هي الحال في التقبيل وضع فمه على أذن المراقب لكي لا يضيع أي شيء وقال: "لأنني لم أستطع أن أجد الطعام الذي يلذ لي ويطيب. ولو أني وجدته، صدقني، لما كنت محطَّ الاهتمام ولملأت بطني مثلك ومثل الجميع" كانت هذه الكلمات الأخيرة، على أنه كان لا يزال في عينيه الكسيرتين الاقتناع الثابت، وإن لم يعد الاقتناع الأبي أنه سيتابع صومه.

قال المراقب: "هيا رتبوا الأمور"، وطمر المرء فنان الجوع والقش معاً. أما القفص فقد وضع المرء نمراً صغيراً. كان هذا راحة ملموسة حتى بالنسبة لأشدّ الحواس بلادة أن ترى هذا الوحش الكاسر يتقلّب في القفص المهجور منذ زمن. لم ينقصه أي شيء. فالطعام الذي لذّ له وطاب، جاءه به الحراس من غير تفكير طويل؛ فلا الحرية بدا أنه يفتقر إليها؛ وهذا الجسم الرشيق المزود بكل ما هو ضروري إلى حدّ التمزيق بدا أنه محمّل بالحرية أيضاً؛ وبدت أنها تكمن في مكان ما في أسنانه. لقد انبعث الفرح بالحياة من حلقه بمثل هذا الوهج القوي بحيث إنه لم يكن سهلاً على النظارة أن يقاوموه. على أنهم حملوا أنفسهم على ما تكره وتزاحموا حول القفص وكرهوا أن يتزحزحوا من مكانهم على الإطلاق.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
مُشاطرة هذه المقالة على: diggdeliciousredditstumbleuponslashdotyahoogooglelive

فــنــان الـجـــوع للكاتب الألماني: فرانـــــس كـافـكـا ترجمة: صلاح حاتم :: تعاليق



1ـ بوزايدون‏(‏ إله البحر‏)
‏ يجلس إله البحر بوزايدون أمام مكتبه ويقوم بعمليات حسابية‏,‏ تقارير عديدة من مختلف إدارات المياه‏.‏ كان يمكنه أن يستعين بمساعدين كما يشاء فعنده الكثير من المساعدين‏.‏
ولأنه يمارس وظيفته بجدية زائدة فهو يقوم دائما بدراسة ومراجعة جميع التقارير والحسابات بنفسه ونادرا مايحتاج لمساعديه, لا يمكن القول إن عمله يبهجه فهو ببساطة يقوم به لأنه مكلف به فلقد حاول أكثر من مرة البحث عن عمل آخر أكثر بهجة كما يقول بل لقد قدم بالفعل طلبات عدة للبحث عن عمل جديد, لكنه رفض وظائف عديدة أكثر من مرة, فقد كانت لاتروق له مثل وظيفته الحالية لم يكن سهلا أن تجد له وظيفة أخري فقد كان من المستحيل أن تحدد له بحرا بعينه بصرف النظر عن أن الحسابات هناك ليست أقل, فلا يمكن لبوزايدون العظيم إلا أن يشغل وظيفة قيادية ولو أنك عرضت عليه عملا بعيدا عن المياه فمجرد الاقتراح يصيبه بالغثيان يضطرب تنفسه الإلهي ويهتز قفصه الصدري حقيقة علينا ألا نأخذ شكواه علي محمل الجد, فعندما يتذمر عظيم علينا أن نتراجع في مثل هذه الظروف التي لا حل لها لمجرد أن يفكر أحد في أن بوزايدون يمكن أن يترك موقعه, منذ البدء كان محددا له أن يكون إله البحر ويجب أن يظل في مكانه. أكثر مايثير غيظه ـ وهذا ضمن الأسباب الأساسية لعدم رضاه عن وظيفته ـ عندما يسمع مايقال عنه من أنه لا يكف عن التجوال بعربته وسط الأمواج ماسكا شوكته الثلاثية حتي في أثناء جولته تلك يجلس في قاع بحار العالم ويقوم بلا توقف بعملياته الحسابية باستثناء تلك الرحلة التي يقوم بها في فترات متقطعة لزيارة جوبيتر بهدف كسر الملل, رحلة يعود منها غالبا وهو في حالة حنق شديد فهو لا يكاد يري البحار والمحيطات إلا بشكل خاطف وهو في طريق صعوده المتعجل للأوليمب, في حقيقة الأمر لم يقم بوزايدون باجتيازها مرة واحدة إنه يقول دائما إنه ينتظر حتي تأتي نهاية العالم سوف تكون هناك لحظة هدوء بكل تأكيد يراجع فيها آخر فاتورة بالكاد قبل النهاية ويتمكن فيها من أن يقوم بجولة سريعة في البحار والمحيطات.
***

2 ـ راكب الجردل
استهلكت كل ما لدي من فحم, فرغ الجردل حتي آخره, الجاروف بلا معني, الفرن يتنفس برودة, الغرفة يتراكم علي جدرانها الصقيع, أمام النافذة تقف الأشجار متصلبة السماء درع فضي تصد به كل من يرغب في مساعدة منها, يجب أن أحصل علي فحم لا يصح أن أتجمد هنا من البرد خلفي الفرن الذي لا يرحم, أمامي السماء التي لا ترحم هي أيضا, لذلك يجب علي أن أركب الجردل بسرعة وأذهب لوسط المدينة أطلب العون من بائع الفحم, انه محصن ضد توسلاتي المتكررة لكن يجب أن أقنعه هذه المرة بأنني لا أملك قالب فحم واحد وأنه يعني بالنسبة لي الشمس في السماء.
يجب أن أكون كالمتسول الذي يقف علي عتبة الباب ويطلب شيئا حتي لا يموت من الجوع فتقرر طباخة السادة إعطاءه بقايا القهوة يسد بها رمقه, هكذا يجب علي بائع الفحم أمام إلحاحي وتمسكني لا تشارك في موتي ـ أن يملأ الجاروف بالفحم ويلقيه في الجردل يجب أن أحدد كيف سأذهب الي هناك سأمتطي الجردل وأمسك بحافة الجردل المستوية أهبط علي السلالم بخفة ورشاقة بينما يستقر الجردل تحتي بعظمة فخيما فاخرا كإبل تبرك علي الأرض تقف تهز جسمها تحت عصا الراعي خببت بإيقاع منتظم خلال الممر المتجمد, غالبا ماكنت أصعد حتي الدور الأول للمنزل لم أهبط قط الي مستوي باب المنزل وصعدت بصعوبة حتي وصلت الي مستوي بدروم بائع الفحم حيث كان يقبع هناك في الأسفل منكبا علي دفاتر حساباته وقد ترك الباب مفتوحا من أجل درجة الحرارة المرتفعة بشكل زائد في المكان.
ناديت بصوت مجروح من شدة البرودة يابائع الفحم! بينما تلفني سحابة من بخار اعطني قليلا من الفحم يابائع الفحم أرجوك إن جردلي فارغ لدرجة أنني ركبته وجئت به إليك كن طيبا سأدفع لك بمجرد أن أتمكن من ذلك.
وضع البائع يده علي أذنه ووجه السؤال هل سمعت جيدا؟ من خلف كتفه لزوجته التي تجلس قريبة من المدفأة تشتغل تريكو هل سمعت جيدا؟ زبون؟.
أنا لم أسمع شيئا قط ردت الزوجة باطمئنان وثقة وهي تدير ظهرها ناحية المدفأة وتواصل شغل التريكو رفعت صوتي صائحا نعم أنا زبون قديم منضبط تماما لكن حاليا ليس معي نقود نادي البائع زوجته قائلا إنه زبون يا امرأة لا يمكنني ان أخطيء لهذه الدرجة لابد أنه زبون قديم, قديم جدا الذي يتكلم معي بهذا الود.
ماذا بك يارجل؟ ردت الزوجة وضغطت التريكو للحظات علي صدرها وواصلت لا أحد هناك الممر خال كل زبائنا عندهم مايكفي من الفحم يمكننا ان نغلق المحل عدة أيام نستريح فيها لكنني أنادي هنا وأنا جالس فوق الجردل تملأ عيني الدموع من قسوة البرودة فقط, انظروا لأعلي رجاء سوف ترونني فورا, أنا لا أطلب غير جاروف واحد من الفحم ولو أنكم أعطيتموني جاروفين سوف أكون في غاية السعادة, لقد سمعت هنا وأنا فوق الجردل أن كل الزبائن عندهم مايكفيهم.
أنا قادم قال البائع وهو يستعد للصعود علي سلم البدروم لكن المرأة قطعت عليه الطريق وأمسكت بذراعه قائلة: ستظل في مكانك لن تنزل لا تكن عنيدا سأذهب أنا تذكر سعالك الحاد ليلة أمس لكنك من أجل المكسب حتي إن كان مكسبا وهميا تنسي الزوجة والأولاد وتضحي بصحتك, أنا ذاهبة فرد الزوج إذن قولي للزبون ان كل الأنواع عندنا في المخزن وسوف أقول لك السعر من هنا بصوت عال حسنا قالت الزوجة واتجهت الي الممر بالطبع سوف تراني مباشرة ناديت تحياتي أيتها البائعة جاروف فحم واحد فقط لا غير هنا في هذا الجردل وسأنصرف فورا, جاروف فحم من أردا الأنواع سأدفع الثمن كاملا بالطبع لكن ليس في الحال, ليس في الحال, أي جرس مميز لهذه الكلمات ليس في الحال وأي معني تثيره وهي تختلط بصوت أجراس الكنيسة التي عن قرب!
ماذا يريد الرجل؟ صاح البائع من المحل لا شئ أجابت المرأة لا شئ هناك إنني لا أري شيئا ولا أسمع شيئا أسمع فقط صوت دقات الساعة السادسة, سأغلق المحل البرودة فظيعة قاسية غدا سيكون يوم عمل طويل.
إنها لا تري ولا تسمع ومع ذلك تفك المريلة من علي خصرها وتهشني بها بعيدا, وقد كان لها ماأرادت بكل أسف حقيقة لقد تحلي الجردل بكل صفات الحيوان الطيب لكنه كان ضعيف التحمل والمقاومة فهو هش جدا, مريلة امرأة دفعت قدميه بسهولة من علي الأرض. أيتها الشريرة! صحت في وجهها وهي تبتعد في طريقها للمحل, بمزيج من الاحتقار والرضا, ملوحا بيدي في الجو, أيتها الشريرة! طلبت منك جاروف فحم من أردأ نوع وأنت لم تعطني إياه, وهكذا مشيت وسط جبال الجليد واختفيت بلا عودة.
***

3 ـ عودة

ها أنا قد عدت قطعت الممر ونظرت حولي إنه فناء أبي القديم, مازالت النقرة وسط ساحة الفناء, آلة زراعية قديمة غير مستعملة, أجزاؤها مكومة فوق بعضها تعوق الطريق للسلالم, قط يموء في ساحة الفناء, فوطة ممزقة ملفوفة حول عصا كلعبة تهزها الرياح, هاأنا قد وصلت. من ياتري سوف يستقبلني ؟ من تراه ينتظر خلف باب المطبخ؟ الدخان ينبعث من المدفأة قهوة العشاء تعد هل تشعر بغربة؟ هل تشعر أنك في بيتك؟ لا أدري, إنني حقيقة غير متأكد هذا بالفعل هو منزل أبي, ينتصب ببرودة قطعة جوار قطعة كما لو أن كل فرد مشغول بمايعنيه من مشاكل, تلك التي نسيت أغلبها ولم أعرف قط بعضا منها, ماذا يمكنني أنا أن أقدم لهم؟ ماذا أكون بالنسبة لهم؟ أنا ابن الفلاح العجوز, لم تواتني الجرأة أن أخبط علي باب المطبخ, وقفت أتنصت عن بعد شريطة ألا يفاجئني أحد ويري أنني أتنصت, ولأنني كنت أتنصت من بعيد, فلم أتمكن حقيقة من سماع شئ فيما عدا دقات الساعة الآتية من الحديقة بصعوبة أو ربما اعتقدت أنني أسمعها, مايحدث في المطبخ هو سر يحتفظ به الجالسون هناك ويخبئونه عني وكلما طالت مدة ترددي أمام الباب تزايد شعوري بالغربة, ماذا سيحدث لو أن أحدهم فتح الباب الآن فجأة ووجه إلي الأسئلة؟ ألا أبدو ساعتها أنا الآخر كأنني أخبئ سرا؟



مر بهذا العالم مرا سريعا , فلم يعش فيه الا أربعين عاما , أنفق جزءا غير قليل منها في الطفولة والصبا , متأثرا بما حوله غير مؤثر فيه , متلقيا ما ينحدر اليه من أبويه الذين منحاه لحياة , وما يقدم اليه أبواه أثناء التربية من ألوان التصور للأشياء , والتقدير لها , والحكم عليها , والوقوف أمامها , قابلا حينا ورافضا حينا اخر , متلقيا كذلك ما تقدم اليه بيئته الخاصة التي تحيط به وبأسرته في مدينة براج , في اواخر القرن الماضي من ألوان الحضارة وفنون الحياة التي كانت الطبقة الوسطى تحياها في ذلك الوقت .ثم أنفق بعض هذا الأمد طالبا في المدارس الثانوية ثم في الجامعة , مندفعا بميله الأول الى العلم , ثم متحولا عن العلم التجريبي الى الفقه والقانون , حتى اذا ما أتم دراسته التمس عملا يكسب منه القوت , ليظفر بشيء من الحياة المستقلة , فوجد هذا العمل في شركة من شركات التأمين .

وهو في أثناء ذلك يتكلف أسفارا قصيرة في وطنه وفي ألمانيا وسويسرا , وايطاليا وفرنسا . ثم لا يكاد القرن العشرون يتقدم قليلا , حتى يقضي عليه الموت سنة 1924 وقد ولد 1883 فحياته العاملة الظاهرة كما ترى قصيرة جدا , بسيطة جدا , ليس فيها عوج ولا التواء , وليس فيها تكلف ولا تعقيد , ومع ذلك فلم يعرف التاريخ الأدبي كثيرا من الأدباء تعقدت حياتهم النفسية , والتوت بهم طرق الاحساس والشعور والتفكير , كهذا الأديب , والذين يدرسون حياته النفسية هذه في اثاره الكثيرة يردون تعقيدها الى طائفة من المؤثرات , قريبة في نفسها ولكنها بعيدة أشد البعد فيما نشأ عنها من ضروب الشعور والتفكير .

فقد كان أديبنا من أسرة يهودية تعمل في التجارة , متأثرة أشد التأثر , وأيسره في الوقت نفسه , بالتقاليد اليهودية المتوارثة , في شرق أوروبا ووسطها , فهي محافظة أشد المحافظة على هذه التقاليد السطحية التي يحافظ عليها اليهود , وهي في الوقت نفسه متهاونة أشد التهاون في حقائق الدين ودقائقه , ترى أنها قد أدت الواجب على وجهه اذا اختلفت الى المعبد في أوقات معلومة , فسمعت ما يسمع الناس , وقالت ما يقولون , وأتت من الحركات والأعمال ما يأتون , دون أن يتجاوز شيء من هذا كله أطراف اللسان وأعضاء الجسم , الى دخائل النفوس وأعماق القلوب فدينها ظاهر من الأمر , كدين غيرها من عامة الناس , صور وأشكال لا تمس الضمير , ولا تؤثر في السيرة اليومية , ولا توجه الحياة الداخلية والخارجية الى وجه حياة الناس , على اختلاف أديانهم وعقائدهم .من هذه الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية , التي تدفع الناس الى العناية بمنافعهم القريبة العاجلة , أكثر من العناية بحقائق الدين ودقائقه , وبتعمق الحياة وما يكون فيها من الاحداث , وما يمكن أن يكون لها من الاغراض العليا والغايات البعيدة .

ولذلك لم يلبث أديبنا أن ضاق بهذه الحياة الدينية الظاهرة المتكلفة التي تقوم على النفاق أكثر مما تقوم على الايمان , فجحد دين الأسرة والشعب اليهودي أولا , ثم جحد الدين نفسه بحقائقه ودقائقه بعد ذلك , وأقام حائرا لا يستطيع أن يعود الى دين أبائه , لأن عقله لا يطمئن الى هذا الدين , ولا يستطيع أن يستغني عن حياة دينية صادقة تعمر القلب , وتملأ الضمير ثقة واطمئنانا , فهو ينكر من جهة أشد الانكار , ويسعى من جهة أخرى أشد السعي , الى أن يجد ما يؤمن به وترتاح نفسه اليه . 

وهذه المحنة القاسية التي امتحن بها في ايمانه , قد نشأت عنها محنة أخرى ليست أقل منها قساوة وعنفا , وليست أيسر منها تأثيرا في حياته الداخلية , فقد امتحن أديبنا في الصلة بنيه وبين أبيه , أنكر سيرة أبيه في الدين , لأنه لم ير فيها صدقا ولا اخلاصا , ثم أنكر سيرة أبيه في الأسرة لأنه راها تقوم على التسلط والاستطالة وعلى القوة والقهر أكثر مما تقوم على الرحمة والحب وعلى البر والعطف والحنان , ثم أنكر سيرة أبيه في تدبير منافعه التجارية المختلفة , لأنه راها تقوم على الحرص والأثرة وانتهاز الفرص , أكثر مما تقوم على القصد والعدل والانصاف , فنظر الى أبيه على أنه طاغية مخيف , ولن يستطع أن ينظر اليه الا على هذا النحو , وأقام الصلة بينه وبين أبيه على الاشفاق والخوف , ثم على المصانعة والمداراة , ولم يستطع أن يقيمها على شيء اخر من هذا التعاطف الرقيق الرفيق الذي يكون بين الابناء والاباء .

فهو اذن منكر للدين وسلطانه , وهو في الوقت نفسه ضيق بالابوة وسلطانها , وهو لا يلبث أن يوحد بين هذين النوعين اللذين ينكرهما من السلطان : سلطان الدين , وسلطان الأبوة . فيقف منهما موقفا قوامه القلق والفزع والهول , وهو يشقى بهذا الموقف حياته كلها , قد حاول ما وسعته المحاولة , أن يخلص من الشك الى الثقة ومن الخوف الى الأمن , فلم يجد الى ذلك سبيلا .

ثم تنشأ من محنته في الدين وفي الصلة بينه وبين أسرته , محنة أخرى ليست أقل منهما قسورة ولا تعقيدا , وهي المحنة التي تمس حقه في أن يحيا حياة الأباء , فيتخذ الزوج ويمنح الوجود للولد , كما اتخذ أبوه الزوج وكما منحه ومنح اخوته الوجود , فهو يشعر بأنه مدين لأبيه بوجوده , لا يشك في ذلك , ولا يشك في أن الدين يجب أن يؤدى , ولا يشك في أن الوسيلة الوحيدة الى أن يؤدي الابن ما عليه لأبيه من الدين انما أن يمنح الوجود الذي تلقاه من أبيه لأبناء يتلقونه منه ويمنحونه بعد ذلك لأبنائهم , فاذا اتخذ الزوج ورزق الولد , فليس عليه لأبيه دين . وهو يؤمن بهذا كله , ولكنه في الوقت نفسه يقف من هذه القضية موقفا يشبه أبي العلاء في البيت المشهور

                           هذا جناه أبي علي وما جنيت على أحد

ذلك أنه يرى الحياة التي تلقاها من أبيه شرا لا خيرا , لأنها لم تمنحه رضا القلب , ولا هدوء النفس , ولا راحة الضمير , ولا هذه الثقة الباسمة التي تنشأ عنها كل هذه الخصال , وهو مدين لأبيه وما في ذلك شك , وليس أحب اليه من أن يؤدي ما عليه من الدين , ولكن بشرط ألا يكون أداء الدين مصدرا لشر , ولا سبيلا الى الأذى وبشرط ألا يجني على أبنائه , ما جنى عليه أبوه من هذا القلق المتصل , والخوف الملح , واليأس المقيم .

والى جانب هذه المحن التلاث , في الدين والابوة والزواج , تضاف محنة أخرى لعلها أن تكون هي التي أسبغت لونها القاتم على محنه الأخرى كلها , وهي محنة المرض , المرض الذي لا يظهر فجاءة ولا يثقل المريض ثقلا طويلا , وانما يداوره ويناوره , ويسعى اليه سعيا خفيا بطيئا متلكئا , يدنو لينأى عنه , ويلم به ليفارقه , ويقفه من الحياة موقفا غريبا لا هو باليأس الخالص ولا هو بالأمل الخالص , وانما هو شيء بين ذلك , يملأ القلب حسرة ولوعة , ويملأ النفس شقاء وعناء , حتى اذا استبان أنه قد نهك فريسته وكلفها من الجهد أقصاه ولم يبقى فيها قدرة على المقاومة , أنشب فيها أظافره , وصب عليها الاما ثقالا وأهوالا طوالا , ثم قضى عليها الموت في ساعة من ساعات الليل أو من ساعات النهار .

فأنت ترى أن أديبنا عليل قد ألحت عليه العلة , وأن علته معقدة أشد التعقيد بعضها يتصل بالدين , وقد عجز أطباء اللاهو ت عن علاجه , فهو قد قرأ الثوراة وتعمق دراسة التلمود , ودرس المسيحية ودرس فلسفة الفلاسفة المؤمنين والملحدين , فلم يجد لعلته الدينية هذه طبا ولا شفاء . 

وبعضها يتصل بالوراثة والصلة بين الابن وأبويه , فهو الى علم النفس التحليلي أقرب منه الى أي شيء اخر , وقد عجز علم النفس التحليلي عن علاجه ,فلم يستطع أحد ولم يستطع شيء أن يصلح رأيه في أبيه , أو يصلح العلاقة بينه وبين أبيه , وانما ظل طول حياته واقفا من أبيه موقف الطفل الخائف المروع الذي يرى تفوق أبيه وتسلطه , ويحاول أن يخلص من سلطانه فلا يستطيع , ويحاول أن يحبه وأن يظفر منه بالحب فلا يستطيع .

وبعضها يتصل برأيه في الحياة , وموقفه منها ورغبته في أن يحياها كمت تعود الناس أن يحيوها , وخوفه مع ذلك من العجز عن احتمال أثقالها , وخوفه بنوع خاص من أن يحمل هذه الأثقال قوما اخرين أبرياء , لم يجنوا ما يستحقون من أجله احتمال الأثقال , وهم الزوج والولد .

وبعض علته جسمي يتصل بالفيسولوجيا , وقد عجز الأطباء عن علاجه , فما زال السل يداوره ويناوئه حتى قضى عليه اخر الأمر . 

فاذا قدرنا هذه المحن كلها , وقدرنا أنها لم تصب على رجل عادي , وانما صبت على رجل ممتاز له من القلوب أذكاها , ومن العقول أصفاها , ومن الأذواق أرقها , ومن المشاعر أدقها , ومن الحس أشده ارهافا , وله بعد ذلك ارادة حازمة صارمة , وقدرة مدهشة على الملاحظة , وعلى ملاحظة نفسه أكثر من ملاحظة غيره من الناس , وبراعة خارقة للعادة في أن يجعل نفسه موضوعا للدرس والبحث والتحليل , ون يكون هو الدارس الباحث المحلل , وأن يسجل ما ينتهي اليه درسه وبحثه وتحليله , في اثار مكتوبة طوال وقصار , أقول اذا قدرنا هذا كله , لم نر غريبا أن يكون أديبنا هذا بهذه المنزلة التي شغلت الناس , ويظهر أنها شغلتهم وقتا طويلا .

وربما كان أخص ما يمتاز به فرانز كافكا أشد الامتياز , أنه كان أصدق الناس لهجة , وأشدهم اخلالصا , وأبغضهم للتكلف , وأبعدهم عن التصنع , وأعظمهم حظا من التواضع الذي يأتي من معرفة الانسان قدر نفسه بعد الدرس المتصل والاستصقاء العميق , وهو من أجل ذلك كان يكتب لنفسه أكثر مما كان يكتب للناس , فقد كان من أشد الناس زهدا في نشر اثاره وأعظمهم اخفاء لها وضنا , لا لأنه كان يكبرها أو يغالي بها , بل لأنه كان يزدريها كما كان يزدري نفسه .

وقد نشر قليل من اثاره أثناء حياته في المجلات , ولم ينشر في أكثر الأحيان الا على كره منه , كان صديقه ماكس برود يختطف هذه الاثار اختطافا , ويدفعه الى نشرها دفعا , فلما أدركه الموت وقرئت وصيته , تبين أنه قد اختار صديقه هذا –ماكس برود- وصيا , وأنه يطلب اليه أن يحرق اثاره كلها وألا ينشر منها في الناس شيئا .وقد وقف الوصي من هذه الوصية موقف الحيرة التي لم تتصل , فشك غير طويل ثم خالف عن أمر صديقه , وأخذ في نشر اثاره ملتمسا لذلك ما شاء من العلل والمعاذير .

وقد مات فرانز كافكا سنة 1924, ولم تمض على وفاته أعوام حتى كانت اثاره بعيدة الانتشار في ألمانيا , بل في أوروبا الوسطى كلها , ثم تجاوزت حدود أوروبا الوسطى الى أوروبا الغربية , فتلقاها الفرنسيون لقاء غريبا . وربما كان من طرائف الأشياء , أن اثار كافكا كانت تستقبل أحسن استقبال في غرب أوروبا , وينكل بها أبشع تنكيل في أوروبا الوسطى , فكان الفرنسيون والانجليز يترجمونها ويفسرونها , على حين كان الألمانيون الهتلريون يحرقونها جهرة في الميادين .

وقد يكون من الخير أن نلاحظ , قبل أن نتحدث عن اثار فرانز كافكا أن ظروف الحياة الأوروبية كانت ملائمة كل الملائمة لظهور هذه الاثار , فقد بدأ كافكا يشعر ويفكر قبيل الحرب العالمية الأولى , فكان كل شيء من حوله يؤذن بالكارثة , ويدفع الى البؤس واليأس .ثم مضى في تفكيره وانتاجه أثناء الحرب العالمية الأولى , فكان في تلاحق الكوارث والفواجع من حوله ما يزيد امعانه في البؤس واليأس , ثم نظر ذات يوم فاذا كل شي من حوله ينهار , فامبراطورية النمسا والمجر تتفرق أيدي سبا , والامبراطورية الألمانية العظيمة تلقي السلاح وتركع متلقية شروط المنتصر , فلا يزيده هذا كله الا ايغالا في البؤس واليأس , ثم يمضي في تفكيره وانتاجه وقد تم الصلح .
ولم تلبث الانسانية بعد امضائه أن استشعرت خيبة الأمل وكذب الظن , فلم يتحقق العدل الذي قيل ان الحرب أثيرت لتحقيقه , وانما عادت الانسانية بعد الحرب , كما كانت قبل الحرب , بائسة يائسة , متخبطة لا تدري الى ي وجه تتجه , ولا في أي طريق تتجه , ولا في أي طريق تسير .

حياة خاصة كلها نكر وشر , وحياة عامة كلها بؤس ويأس , فأي غرابة في أن يكون الأدب الذي ينتجه فرانز كافكا في هذه الظروف كلها هو الأدب الأسود بأدق معاني هذه الكلمة وأشدها سوادا وحلوكا ؟!

وواضح جدا أن هذا القلب الذكي ذا الحس المرهف والشعور الدقيق لم يصور الحياة كما راها من حوله فحسب , وانا صور هذه الحياة وصور اثارها القريبة , فكان في أدبه هذا المظلم , شيء من التنبئ المزعج , بما ستتعرض له الانسانية من الكوارث والأخطار . 
وكان من أجل هذا بغيضا الى الذين كانوا يريدون أن يعيدوا الحرب جذعة , مثيرا للشوق وحب الاستطلاع عند الذين كانوا يخافون الحرب ويشفقون من أن يدفعوا اليها كارهين . ومن أجل هذا كانت اثار فرانز كافكا في وقت واحد تترجم في باريس , وتحرق في في برلين , والاثار الأدبية التي تركها فرانز كافكا كثيرة منوعة , لم تنشر كلها بعد , وانما نشر أكثرها , وأظهر ما تمتاز به من الخصائص أنها تصور القلق الذي يوشك أن يبلغ اليأس , وتصور الغموض الذي يضطر القارئ الى حيرة لا تنقضي ويدفعه الى كثير من المذاهب في فهم هذه الاثار وتأويلها , وحل ما تشتمل عليه من الألغاز والرموز , فقد كان فرانز كافكا أشد الناس صراحة وأعظمهم اخلاصا في حياته اليومية , وفيما كان ينشأ من الصلات بينه وبين أصدقائه وذوي معرفته , وفيما كان يسجل لنفسه من الخواطر والمذكرات في يومياته المتصلة , ولكنه بعد هذا كله كان أبعد الناس عن الصراحة و أنآهم عن الوضوح , فيما كان ينتج من القصص الطوال والقصار . 

وليس من المهم أن نلتمس العلل المختلفة لهذا الغموض , فالأدب الرمزي في نفسه ظاهرة سائغة طبيعية , ليست في حاجة الى أن تلتمس لها العلل والمعاذير , وانما هي أثر من اثار بعض الامزجة , ولون من ألوان الفن , في كثير من الاداب القديمة والحديثة , على اختلاف البيئات والعصور. فقل بعد ذلك ان فرانزا كافكا قد أمعن في درس التلمود , وتعمق ما في اداب اسرائيل من الأسرار والألغاز , وتأثر بهذا كله في فنه , فهذا حق من غير شك , ولكنه ليس كل شيء , فما أكثر الأدباء الرمزيين الذين يستمدون رمزيتهم من مزاجهم الفني وحده , لا من دراسة التلمود ولا من تعمق الأسرار والألغاز في أدب اسرائيل . 

والغموض في أدب كافكا من نوع خاص , فالرجل المثقف حين يقرأ هذا الأثر أو ذاك من اثاره , لا يشعر بالغموض لأول وهلة , وانما يخيل اليه أنه يقرأ شيئا يسيرا سائغا قريب الفهم , لا يتكلف في تذوقه جهدا ولا عناء , ولكنه لا يلبث أن يحس شيئا من الغرابة , أو قل شيئا من الغرابة في هذا الذي يقرأ , لأنه يرى أشياء مسرفة في البساطة مألوفة أشد الالف ليس من شأنها أن ترتفع الى حيث تكون أدبا ينتجه الفن الرفيع , وانما هي من هذه الاشياء التي يراها الانسان في كل يوم وفي كل مكان , وفي الطبقات الساذجة العادية من الناس , فيسأل القارئ نفسه , أو قل يقنع القارئ نفسه بأن الكاتب لم يرد الى هذه البسائط , وانما اتخذها وسائل قريبة لغايات بعيدة . وهنا يدفع القارئ الى التماس هذه الغايات , فيذهب في التماسها كل مذهب , ويسلك الى استكشافها كل سبيل , وقد يصل الى شيء يحسبه الغاية التي قصد اليها الكاتب , ولكنه لا يكاد يفكر ويروي , حتى يشك فيما انته اليه وحتى يسأل نفسه الا يمكن يكون الكاتب قد أراد الى غاية أخرى ا والى غايات أخر , غير هذه التي انتهى هو اليها ؟ 

وكذلك نستطيع أن نقول أن قارئ فرانز كافكا , معلق دائما , يخيل اليه أنه يفهم ما يقرأ , وهو يفهم معانيه القريبة من غير شك ولكنه يشعر شعورا قويا بأن هذا الذي يفهمه ليس هو الذي قصد الكاتب اليه . والى جانب هذا الشعور بالتعليق المتصل يجد القارئ أثناء قرائته حرجا مرهقا وضيقا شديدا , لأنه يرى نفسه في بيئته مهما تكن قريبة في ظاهر الامر فهي غريبة في حقائق الاشياء , وهو من أجل ذلك لا يحس يسرا ولا سهولة ولا سعة , وانما هو يشعر بضيق الصدر وقلق النص , وهذ ا الجهد العنيف الذي يفرض على العقل .

فقارئ فرانز كافكا في الدنيا وليس فيها , هو في عالم غريب , لا هو بالواقعي ولا هو بالوهمي , وانما هو شيء بين الواقع والوهم بلأ النفس حيرة وشوقا وسأما والحاحا في وقت واحد . تأخذ في قراءة القصة فيفاجؤك قربها وتدهشك غرابتها , وأنت لا تكاد تطمئن الى هذا القرب اليسير المألوف , ولو قد اطمأننت اليه لتركت القصة وأعرضت عن الكتاب , ورأيت أنك لست في حاجة الى تكلف الجهد لتفهم ما لا يحتاج الى الفهم , وأنت لا تطمئن الى هذه الغرابة ولو قد اطمأننت اليها لتركت القصة وأعرضت عن الكتاب يائسا من القدرة على الفهم . فأنت اذن معلق بين الوضوح الذي يملأ نفسك سأما وبين الغموض الذي يملأ نفسك شوقا , وما تزال في هذه الحال المعلقة مذ تبدأ الكتاب أو القصة الى أن تفرغ منهما .

وأغرب من ذلك أنك حين تفرغ من القراءة , لا تنتهي الى ما يحسن الاطمئنان اليه والسكوت عليه , و أنت معلق بعد الفراغ من القراءة كما كنت معلقا في أولها وفي وسطها , ذلك لأن الكاتب لا يتم قصته وانما يقتضبها اقتضابا , وبنتهي بها الى شيء لا يصلح أن يكون غاية لقصة أو كتاب . ومصدر ذلك في أكبر الظن أن الكاتب نفسه لا يعرف لنفسه غاية يقف عندها أو أمدا ينتهي اليه , وانما هو يمضي بقصته في طريقها ما وسعه المضي , حتى اذا أدركه الاعياء أو انتهى الى بعض الطريق , وجد أمامه سدا منيعا لا يستطيع أن يتجاوزه , فوقف حيث ينتعي به السعي , واستأنف السير في طريق أخرى وانتهى من هذه الطريق الأخرى الى مثل ما انتهى اليه في الطريق الأولى فوقف ثم استأنف السير في طريق تالثة .

فأنت ترى الى الان أن أدب فرانز كافكا يقوم , أو قد يدور حول هذه الأصول التلاثة وهي العجز عن الاتصال بالاله من جهة , والعجز عن فهم الخطيئة والتبرؤ منها مع الثقة بالتورط فيها من جهة ثانية , والعجز عن فهم العلل الغائية لما يكون في العالم من الخطوب والأحداث من جهة تالثة . وأنت اذا قرأت هذه الاثار الكثيرة التي نشرت لفرانزا كافكا على اختلافها في الطول والقصر , وتفاوتها في الوضوح والغموض , رأيتها كلها تدور حول هذه الأصول , وقد يلح هذا الأثر أو ذاك في تجلية هذا الأصل أو ذاك , ولكن مجموعتها تنتهى بك دائما الى هذه الخلاصة القاتمة السلبية , التي تجعل حياة الانسان كلها عجزا وقصورا ويأسا أو شيئا قريبا جدا من اليأس .
ومن أجل هذا وصف أدب فرانز كافكا كما وصف أدب أبي العلاء المعري بأنه أدب قانم حالك , يفل العزائم ويثبط الهمم , ويصد الاسان عن العمل ويرده عن الأمل , ويدفعه الى نشاط عقلي عقيم , يدور حول نفسه أكثر مما يدور حول غيره , ولا يحفز الناس الى طمع أو طموح , وانما يمسكهم في لون من الخوف المنكر , الذي لا أمن معه ولا اطمئنان .

ومن أجل هذا حرقت كتب كفكا في برلين أثناء الحكم الهتلري , ومن أجل هذا كان اليساريون في فرنسا يبغضون هذه الكتب أشد البغض , ويودون لو يحال بينها وبين الشباب , ويعبرون عن هذا كله بهذه الجملة التي كثر حولها الحديث في في فرنسا أثناء الصيف الماضي " يجب أن يحرق فرانزا كافكا"


وواضح جدا أن هذه العبارات ليست الا رمزا , فتحريق الكتب لا يغني شيئا ويكفي أن تحرق الكتب ليزداد انتشارها , انما المهم هو أن هذا الأدب القاثم مثبط لهمم الشباب , فلا ينبغي أن يخلى بينه وبين الشباب . 
 

فــنــان الـجـــوع للكاتب الألماني: فرانـــــس كـافـكـا ترجمة: صلاح حاتم

الرجوع الى أعلى الصفحة 

صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
** متابعات ثقافية متميزة ** Blogs al ssadh :: اخبار ادب وثقافة-
انتقل الى: