موقع للمتابعة الثقافية العامة
 
الرئيسيةالأحداثالمنشوراتالتسجيلدخول

عدد زوار مدونات الصدح

شاطر | 
 

 ‘جورج ديفريه’ رحّال بدون وجهة في رحاب التّحليل النّفسي الإثني

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
حياة
فريق العمـــــل *****
avatar

عدد الرسائل : 1546

الموقع : صهوة الشعر
تعاليق : اللغة العربية اكثر الاختراعات عبقرية انها اجمل لغة على الارض
تاريخ التسجيل : 23/02/2009
وســــــــــام النشــــــــــــــاط : 10

06032017
مُساهمة‘جورج ديفريه’ رحّال بدون وجهة في رحاب التّحليل النّفسي الإثني

لا أملك بلدا، ولا حدودا”
جورج ديفريه
 
يشير مصطلح التحليل النفسي الإثني ethnopsychanalyseفي المقام الأول لأعمال جورج ديفريهGeorges Devereuxدون أن ننأى عن التنويه بمنجز غيزا روهيمGéza Róheimفي عمله الميداني الوازن الذي شمل قطاعا هاما وأساسيا من الانتروبولوجيا النفسية(1) (2)، وبالتالي تضمّنها لإرهاصات الأولى لبوادر التحليل النفسي الإثني. فبعد جولان صيت مؤلفي الطوطم والتابو وموسى والتوحيد(3)، الذي سبق لفرويد أن طبق فيهما التحليل النفسي على مواد اثنولوجية، اعتبر بعد ذلك الانتروبولوجي مالينوفيسكي أول من اهتم بالرابط الذي يجمع ما هو نفساني بما هو ثقافي من خلال تفسيراته الفذة والمشوقة، باسطا النفوذ الواسع وقتها للمدرسة الوظيفية(4). لكن، كلّ الفضل يعود إلى روهيم في كونه أول من قام بتنظيم هذه المقاربة وكرّس لها حياته وأعماله، ساعيا إلى تأصيل نظرية خلقية للثقافة. في نفس الحين، لم نجده يستخدم مفهوم التحليل النفسي الإثني، على الرغم من انه كان يحاول في وقت مضى انشاء مجلة هنغارية تحت مسمّى “علم النفس العرقي”.
في ضوء هذه الاهتمامات والابحاث الموغلة في كشف وتحليل روابط النفس بالثقافة، يظلّ جورج ديفريه هو من وحّد جميع الميادين المرتبطة بدراسة الأمراض العقلية والنفسية في تعدّدها الثقافي، منجزا في نفس الوقت تأليفا نوعيا بين الفرويدية في الولايات المتحدة الامريكية اين كان يدرّس، والمدرسة الانتروبولوجية الفرنسية القبلة البديلة القادم إليها(5).صحيح أنّ ديفريه اقتبس مفهوم الطب النفسي  الإثني من الطبيب النفسي haïtien louis mars، بينما يعود صوغ مصطلح التحليل النفسي الإثني اليه بشكل خاص. وإذا ما تأملنا جيدا أعماله المائزة، فسنرى ان التحليل
النفسي الإثني يجد تعريفه كتطبيق للتحليل النفسي على مواد انتروبولوجية، سواء في المجالات العادية أو المرضية. لذا، فاختيار مصطلح التحليل النفسي الإثني ينبغي أن يكون مفهوما في المقام الأول باعتباره إحالة إلى المحلل النفسي الإثني جورج ديفريه.
في الحقيقة لا يمكننا التوسع أكثر في الحديث عن التحليل النفسي الإثني ومؤسسه، دون مراعاة ما تؤوب إليه البوليمكات المعاصرة الدائرة حول الطب النفسي والتي تلحّ علينا ضرورة المرور بأشكلة الحقل المفهومي. لا سيما وان محاولات تشيّيد “هيكل فكري جديد للطب النفسي” لم يحدث أن قامت بمعزل عن استيعابها للتحديثات التي يعرفها مجال العلوم النفسية، خاصة منها القضايا المطروحة والبحوث المنجزة خارج نطاق المجتمعات الغربية.
ونظرا الى قلق المصطلح والتباساته الناجمة عن تشابكه مع علوم أخرى، يمكننا بادئا الإحالة إلى بعض التعريفات، أهمها التعريف الوارد في معجم التحليل النفسي: وجاء ذكره للتحليل النفسي الإثني الذي كان روهيمRóheimمفتتحه، بكونه يستوحي من مبادئ التحليل النفسي لكي يدرس الاضطرابات النفسية المتعلقة بثقافات محددة، والطريقة التي بها هذه الثقافات المختلفة تصنّف وتنظّم الامراض النفسية. تاريخيا، ولد التحليل النفسي الإثني من رحم الطّب النفسي الإثني المحدث من قبل اميل كريبلينEmil Kraepelin. ويعرّف بأنه دراسة الجنون وتصنيف الاختلالات العقلية فيثقافات مختلفة. فمنذ أعمال جورج ديفريه الذي وحدّ المجالين الاثنين وكلمة التحليل النفسي الإثني لها نفس معنى الطب النفسي العرقي(6).من ناحية أخرى، يبرز التحليل النفسي الإثني كتسمية لاتجاه اثنولوجي خاص، نأخذ على سبيل المثال أعمال براديلpradelle، في مؤلفه: التحليل النفسي الإثني في بلاد الباميليكي.
من المزالق التي ينبغي تفاديها بالنظر إلى هذه التحديدات او أخرى، السقوط في خلط ما بين التحليل النفسي الإثني والأنثروبولوجيا النفسية، على الرغم من أن كلا منهم يقوم بتطبيق التحليل النفسي لدراسة الأحداث الإثنوغرافية أو الاثنولوجية الخاصة بشعب أو ثقافة محددة، أو حتى على الثقافة نفسها. إذ يهتم علماء الانثروبولوجيا الثقافية بدراسة أساليب معيشة الناس في المناطق المختلفة من العالم، بينما يهتم علماء سيكولوجية الشخصية والأطباء، والمحللون النفسيون بتحليل الشخصية الإنسانية لفهمها(7).كما لو يتوجب علينا الأخذ في هذا المنوال بمنظور رالف لينتون الذي يرى أن مهمّة عالم الأنثروبولوجيا في محاولاته لكشف خفايا الأمور، تشبه مهمّة عالم النفس في الجهود التي يبذلها في سبر أغوار اللاشعور. وفي كلا الحالين، تتألّف النتائج التي يتوصّل إليها الباحثون من سلسلة تأويلات، أمّا الحقائق التي تستند إليها هذه التأويلات، فكثيرا ما تكون قابلة لأكثر من تفسير.
في نفس الصدد، لا مزيد من تحليل النفسي ينشد التماهي مع الطب العقلي، حيث لا ينبغي الخلط مرة أخرى بين التحليل النفسي الإثني وبين الطب النفسي الإثني أو الطّب النفسي عبر الثقافات(8)،لأن هذه العلوم الأخيرة تتموقع في الحقل الطبي الذي يستحوذ على مناهجه ومفاهيمه الخاصة به.  فضلا عن ذلك، فالتحليل النفسي الإثني لا يطبق حصريّا على معطيات حالات مرضية او يفترض انها كذلك. أيضا لا يمكن مطابقة التحليل النفسي الإثني مع علم النفس عبر الثقافي *أو علم النفس العرقي، الا إذا اعتبرنا هذه المطابقة، عبارة عن نموذج يتكون من نماذج فرعية تتحدّد بالعلاقة التي تقيمها مع هذه النظرية او تلك.
يتضح إذن أن التحليل النفسي الإثني ليس تحليل نفسي آخر بديل أو نسخة جديدة منه، ما دام تعريفه النفسي الإثني لا يستقيم سوى بالإحالة إلى نظرية التحليل النفسي التي انشأها فرويد ومفهوم التكامل الذي نحته جورج ديفريه(9). فهو يفترض – من النواحي المنهجية- تطبيقات قبيلة للتحليل النفسي منفصلة عن علم الأعراق البشرية (الاتنولوجيا) في ما يخصّ التعريفات الموضوعة والأكثر عمومية لهذين التخصصين الإثنين. اما التفسيرات المسحوبة من هذه التطبيقات فتقع من الناحية الابستيمولوجية ضمن مجال التحليل النفسي والانتروبولوجيا النفسية.
تكمن نقطة قوة التحليل النفسي الإثني في اهتمامه بالمجال السريري، استطاعته تحليل التمثلات الثقافية وفك لغزية التشفير الثقافي”codage culturel” الذي تخضع له، ما دام هذان البعدان يساهمان في تطور البنية ووظيفة الجهاز النفسي. اما اهتمامه في المجال الاجتماعي، فيكمن في مقدرته الباهرة على تحليل الظواهر التي تبطن علاقات بين الثقافات، صيرورات التثاقف مثلا، ومختلف الظواهر الأخرى التي تنتج في التواجه الحاصل بين النفس والثقافة(10).نخلص إذن بعد هذه الإلماعات المقتضبة إلى موقعة التحليل النفسي الإثني في مفترق طرق، تتقاطع مناحيه كل من الانتروبولوجيا الثقافية، الطب النفسي الإثني، الطب النفسي عبر الثقافي، الانتروبولوجيا النفسية، التطّبيب الإثني.
فالتحليل النفسي الإثني كممارسة عملية تقتضي النزول إلى الميدان ومعاينة مجتمع الدراسة فرادى أو جماعات، بفضل التحقيقات الأنثروبولوجية والعمل خارج الحقل الطبي. فيتموقع المحلل في وضعية الأنثربولوجي وهو يقرأ خصوصية حقله الميداني اعتمادا على تقنيات المشافهة والمعاينة والمقابلة  ثم المقارنة والتحليل الدلالي لخطاب الأهالي مستخلصًا بحيله التأويلية، تجلّيات الرمزية اللاشعورية التي يقيمها الفرد بالثقافة باعتبارها النبع الأصلي.
لم يكن ديفريه ينظّر من كرسيّه أو سجين مكتبته التي كانت تسحر زواره من الأصدقاء، لأنه خبر أكثر من غيره حالة التعدد الهوياتي، واللغوي، والجغرافي والثقافي، فكان على بيّنة من ان تركيبات الشخصية الأساسية والأوليات النفسية اللاشعورية التي عبرها يتم تصريف ما هو غريزيو رغبوي، تختلف باختلاف النمط الثقافي الذي لا بد ومن ولوجه الحصول على شفرة أو مفتاح، لكي نستطيع ربط ما هو جزئي بما هو كلّي وكوني. هذا وان كان التخلي عن الفرضية التطورية التي تبناها رعيل علماء الانتروبولوجيا الأوائل، قد أدى فيما بعد، إلى تسهيل الدمج بين  الأسلوبين: الانتروبولوجي والسيكولوجي (11)، الشيء الذي أفضى بإسهام في خدمة منظور ديفريه حول نقده الصارم للتنميط النموذجي الأوربي، ودفاعه عن استحالة وجود “كونية الثقافة” قد تفضي إلى سيادة ثقافة كونية، وبالتالي انحصار الزمن في دقات عقارب حضارة واحدة ضخمة ومتوحشة، استطاعت ان تبتلع في بطنها كل ما هو رمز للهامش، للغريب، للامتأنسن، للمبعد، للوحشي أو البربري (…) الخ، عن طريق تثبيتها رواسي مشروعامبريالية ثقافية، محمّلة بمنظور عرقي إسقاطي متمركز حول الثقافة الغربية. وفي الواقع ان القليل من علماء التحليل النفسي، الذين ابدو اهتمامهم بهذه المشكلات المرتبطة بخصوصية الثقافة الحاضنة للفرد، وأجروا بأنفسهم أبحاثا ميدانية لاختبار نظرياتهم بين جماعات تقع خارج نطاق الثقافات (الاورو- انكلوساكسونية). وهذا ما ينطبق أيضا وإلى حد ما على علماء النفس الكلاسيكيين الذين يتناولون بالبحث سيكولوجية الثقافة(12).ومن الجدير بالذكر هنا أن التحليل النفسي الإثني في أوجه منه، قد جاء كتوجه بحثي مضاد للاستعمارanti colonisationونواياه الخبيثة، كاشفا عن مخلّفات الاجتثاث الهوياتي الذي يتركه وراءه المستعمر، مغتصبا النفسية قبل الثقافة.
ونشير هنا ولو بإيجاز إلى أن منظور الاعتراف المتبادل بين الثقافات قد غيب سنين عديدة عن التداول، وكل نقاش عن المنظور المتمركز حول الثقافة بدل المنظور المتمركز حول العرق يبقى حديثا نسبيا. ففي سنة 1983 تأسس بجامعة “تولوز لوميراي” فريق للبحث عبر الثقافي، تبنى هذا المنظور الرافض للعالمية المرتكزة على فكرة توحيد الثقافات و مسح الكيانات الثقافية المتميزة واعتناق إيديولوجيات التعدد والنسبية الثقافيتين*.
توجه ديفريه في بداية مشوراه نحو الانتروبولوجيا والسوسيولوجيا ليحظى برفقة كل من مارسيل ماوس(1950- 1872) ولوسيان ليفي بروهل(1939-1857). وقام بعد ان اشتدّ عوده في ميدان العلوم الإنسانية بنقل أول أعماله الميدانية الانتروبولوجية الى أمريكا بالقرب من هنود السهول ومجموعة من الأهالي الأخرى في بقاع مختلفة من العالم، قبل أن يحرز دكتوراه في جامعة بركلي مع الانتروبولوجي الشهير ‘الفرد كروبرkroeber’ ( 1960 – 1876 )، مركزا فيها موضوع أطروحته على الحياة الجنسية لهنود السهول. وحتى بعد إنهائه هذا المتن الشائك، استمر في كتابة مقالات علمية متابعا فيها أبحاثه حول الجنسانية والانتحار.
ما يشدّ الباحث في حياة ديفريه غير المنفصلة عن فكره، تغييره وبشكل كبير انتماءه وإخفاءه، معطيا انطباعا على انه ولد في فرنسا، التي هاجر إليها بعد انتحار اخيهIstvan، الى جانب تغييره لاسمه في الرابعة والعشرين من عمره*، وأشياء اخرى تظل مبهمة في مسار حياته، تتعذّر عن الفهم كما أتت على ذكر ذلك مؤرّخة التحليل النفسي اليزابيت رودينسكوRoudinesco(13). لربما خوفه الهوامي من أن يصبح عبدا مملوكا بحكم جذوره العرقية اليهودية، هو الدافع الذي جعله هو نفسه يتنكّر إلى هويته الأصلية، ليعيش كظّل او شبح متجول من مكان لآخر، مختارا المنفى بلدا له. وكثيرا ما يرجّح هذا الحكم الذي عبّر عنه المتخصص في سيرته وفكره توبي ناتانTobie Nathan.
في الواقع لقد انحدر جيورجي دوبوGyőrgyDobóوهو اسمه الحقيقي من عائلة يهودية ألمانية-هنغاريةgermano-hongroise، في ترانسيلفانيا، وهي المنطقة التي تم ضمّها إلى رومانيا سنة (1920).  ولكن المحيّر في سيرته المتناثرة الأطراف، هو انه قد أخفى جزءا من هذه الهوية، بل أقبرها في دواخله، مستبدلا إياها بمزيج رهيب من الانقلابات على الجذور واستئصال للقواعد. وهكذا كان اختياره اللغة والثقافة الفرنسية على حساب اللغة الالمانية وثقافتها، ثم ثقافة هنود السهول ضد اليهودية، والحضارة الآثينية ضد المجتمع العسكري من سبارطا. أما الشعب الذي عرف من خلاله فهو الشعب الموهاف آو هنود السهول، اللذين تمكنوا من تطوير ما أسماه “ثقافة الاحلام”  “culture rêvé”. وعندما توفي هذا المفكر الاناركي”Anarchiste” تناثر رماده في المحيط الهادئ من أراضيهم كما كان يتمنى(14).
خاض ديفريه مغامرة في المجهول بكل ما في المعنى من كلمة. لم يقم خلالها باستكشاف مسارات معروفة وملحوظة بشكل جيد. لعلّه كان ينقب عن خريطة معينة للاشعور الثقافي، خريطة غير مزيفة تسمح بمعرفة طوبولوجيا “الهو” الفرويدي ضمن بنيات نفسية شديدة التعقيد والتشاكل. لقد كان ديفريه شخصية تثير الاستغراب حقا، يجمع بين مزيج من الجرأة والمحافظة، الليونة والصلابة، تذهب به بعض الأحيان حد الدوغمائية. كيف لا وهو الذي كان يتمتع بكم معرفي وثقافي بالغ الثراء حول الحضارات والشعوب، خاصة تلك التي تصنّف ضمن التاريخ المنسي (غير المكتوب)، هذا ما جعل الانتروبولوجي كلود ليفي ستراوس يكّن له تقديرا كبيرا، بل لم يتوان هذا الأخير في ان يعرض عليه كرسيا للتدريس بمدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية.
يمكننا أن نلاحظ لدى ديفريه تفكيرا منصبا على امتداد حياته، صوب إشكالية الهوية والتغيرات التي تلحقها، على طبيعة الشخصية الإثنية، وعلى مشاكل انتماء الفرد. إذ لم تتوقف اهتماماته في ميدان الاثنولوجيا وحده، فقد توجهت ملاحظاته صوب المشاكل النفسية والعقلية للشعوب المدروسة. ناظرا إلى الظواهر في أشكالها المتنوعة، وعلى نحو تكاملي (15). ويبرز ذلك بوضوح في اهتمامه بتضمينات الثقافة في الفرد، أو إذا صح القول البعد الذي تقحمه الثقافة داخل الموضوع الملاحظ في بعض من اضطراباته النفسية، كالفصام مثلا الذي يكون ناجما عن اختلال اثني، وتكون فيه الأعراض مستمدة من الثقافة المحيطة. فالعامل السوسيولوجي يلعب دورا حاسما بالنسبة لديفريه في الإصابة بالفصام. ويمكن العودة في هذا الشأن إلى مقال له بعنوان: “الأصول الاجتماعية للفصام” نشر في مجلة “المعلومة الطبّ -عقلية” سنة (1965) ثم أعاد نشره في كتابه “نصوص في الطب العقلي الإثني العام” المنشور سنة (1977) بعد أن غيّر عنوانه إلى “الفصام، ذهان إثني أو الفصام بدون دموع”.
من مزايا ما عرف به ديفريه انه يعدّ أول من نقل فكرة العائق الابستيمولوجي إلى حقل التحليل النفسي الإثني، المرتبطة فيه المعرفة بالإثنيات والعرقيات وحتى الاقليات من المهاجرين. انه يعيد استقراء مفهوم الموضوعية في مجال العلوم الإنسانية على ضوء ما سيسفر عنه اللقاء بين المحلل الانتروبولوجي أو النفسي والذوات الأخرى التي يعاينها ويحل ضيفا على عالمها. فكيف أمكنه هذا اللقاء؟
في سنة(1951) قد صدر له علاج نفسي لهندي من الدلين، والذي ارتبط فيه العلاج بحالة صادفت جيمي بيكار Jimmy picard، وهو رجل هندي من الأقدام السود (تصدق هذه العبارة على الأجنبي المولود بالمستعمرات)، يحس كما لو انه ذئب هندي حقيقي. من خلال هذه الحالة يبين ديفريه بوضوح ودقة متناهية كيف لظاهرة نفسية ان تعرف وفرة من التخيّلات والأحلام ينبغي أن يتم تأويلها على نحو مختلف من قبل المحلل، تبعا للأصول الثقافية لمريضه. عند اوروبي مثلا او عند هندي آخر، هذه الوفرة أو الفائض يمكن أن يكون مؤشر على بداية ازدواجية في الشخصية. بمعنى الأنا الأعلى كابح المكبوتات تبعا لفرويد، لم يستطع ممارسة رقابته بنجاعة أمام تدفّق النّزوات المنحدرة من اللاوعي. ولكن ديفريه أبان أن مثل هذه الخلاصة، ستكون غير منسجمة مع حالة ‘جيمي’ المدروسة. لسبب ثقافي بالأساس، فعند الأقدام السود، الأحلام ليس لها وظيفة رقابية فقط، فهي تلعب من الناحية الثقافية دورا اجتماعيا بارزا، أما سيكولوجيا فتعمل كميكانيزم دفاعي.
لقد حاول ديفريه في هذا الباب إتمام تشخيصه التحليلي النفسي، أخذا بعين الاعتبار أهمية العامل الثقافي في بناء لاوعي الفرد، دون أن يزيغ عن ثوابت النظرية الفرويدية. انهم هنود السهول في الأصل من اثأروا اهتمامه وانشغاله بمسألة الأحلام، ودفعوه الى الانعطاف نحو اعمال فرويد و التحليل النفسي. وقد ظلّ على صلة وثيقة معهم، تعرّف على شامانهم، عاين المرضى وعائلاتهم، درس أساطيرهم (…) الخ، ومن هذه الممارسة الحقلية الطويلة والمكلّفة، قد سحب مادة مؤلفه الشهير: “الطب النفسي الإثني لهنود السهول” (16)،  وهو مؤلف منارة يحلّل فيه الجهاز النظري والاستعدادات الخاصة التي تقف وراء نشوء الأعراض الباتولوجية في هذه القبيلة من الهنود(17). ووفق قواعد الطب النفسي العرقي قد قدم فرضيتين اساسيتين، مفادها: انه لا توجد هناك كونية نفسية” universalité psychique” من المفروض أن يتجه صوبها كل كائن. بقدر ما هنالك تشفير ثقافي خاص بكل ثقافة، يصف هذا الأخير مفعولها على البنيات و السياقات النفسية(18).
كان لديفريه ثلاثة أعداء يكّن لهم أشدّ الخصام: الأديان والمخدرات، اللذان يجعلاننا نغادر الواقع. لقد ظهرت له الأديان كنوع من الإدمان (في حين هو نفسه كان يدخن اربع علب سجائر في اليوم)، أما العدو الثالث الذي يفقده صوابه، فهو التحليل النفسي اللاكاني وتأويلاته الفضفاضة. ولكي نفهم موقف ديفريه من هذا الأخير ينبغي لنا فهم تجربته مع التحليل النفسي الإثني.لقد كان ديفريه مقتنعا بالصلة الوثقى التي تجمع المحلل النفسي بتجربة ما يدعوه الانتروبولوجي ” الميدان”، والتي يبدأ فيها اللقاء بالآخرين بإزالة التمركز على الذات. ومن هنا تتبلور المفاهيم ويتقوى سمك الجهاز النظري وتتعدد الخبرات ويكون التحليل النفسي مصفاة للأفكار التي نبنيها عنا لذوات الآخرين انطلاقا من المعرفة بثقافتهم.
ولعل هذا الجانب من اهتمامه بعلاقتنا بالآخر، هو السبب الذي من أجله انتظر قدر غفير الباحثين المقبلين على الانخراط في بحوث ميدانية، أن يلتحقوا بالمشاركة في علاج نفسي. هذه التجربة الشخصية مع التحليل النفسي كانت أكثر من حافز بالنسبة له، إنها نوع من الالتزام، إذ كان يقول دوما لكل تلاميذه: إذا كنتم تريدون أن تصبحوا انتروبولوجيين يجب أن تمرّوا من خلال التحليل النفسي. لأنه إذا كنتم على غير علم به، ستعملون على إسقاط  نزواتكم وهواماتكم على الآخرين، وقد كان على حق(19). فقد اعتمد الباحثون في الواقع على نتائج بحثهم وملاحظاتهم المحدودة، كما لو أنها قضايا مسلّم بصحتها، فافترضوا وجود غرائز عامة متنوعة لتعليل ما لاحظوه من ظاهرات، ثم تبيّن لهؤلاء ان معايير الشخصية تختلف باختلاف المجتمعات والثقافات، فكان هذا الاكتشاف بمثابة صدمة اضطرتهم إلى اتخاذ خطوات جذرية لإعادة تنظيم مفهوماتهم(20).
هناك سوء معاملة وتشويش يعيق معرفتنا بالآخر الغريب، وسوء المعاملة والتشويش هذين ينحدران ربما من نفس الوهم، ألا وهو التفكير في موضوع كوني مفصول عن كل الاحتمالات، أي التشبث بنوع من اليقين ينتفي معه تنسيب الأشياء والاستعداد الى امتداح التمايز والإصغاء إلى صوت الآخر*. وقد بدأ هذا الجدار الإيديولوجي السميك يتآكل، خاصة بعد أن أدّت العواقب النفسية التي شهدها الناجون من فظائع معسكرات الاعتقال النازية، وانتقلت إلى الجيل اللاحق منهم أيضا، إلى يقظة رعب إثنية ـ ثقافية عنيفة بين المحللين النفسين. إذ ظهر واضحا أن العقل الفردي لا يوجد بمعزل عن محيطه الاجتماعي ـ السياسي، وأن التركيبة النفسية بحاجة إلى حافز مغذ من المحيط الخارجي كي تحافظ على استقرارها. فضلا عن ذلك، خلق يهود المهجر ما بعد المحرقة مواجهة سريرية بين المحلل الأوروبي المهاجر، أي الأوروبي الذي هاجر إلى أميركا وأصبح طبيبا نفسيا، وبين المرضى المختلفين ثقافيا من شمال وجنوب أميركا. واتضح من ذلك أن الأخذ بالاختلافات الإثنية والدّينية في التحليل النفسي قد يحفز كامل عملية التحليل النفسي، في حين أن التغاضي عنها قد يعقدها. وهكذا صار التحليل النفسي، فيما هو يركز في الغالب على العالم الداخلي، يمنح انتباها أعظم للواقع الخارجي(21).
لقد انشأ ديفريه حركة تعدّ وبشكل قطعي متعددة التخصصات، المرجى منها فهم الأبعاد الثقافية للاضطرابات العقلية والبعد الباثولوجي للثقافة. فانطلاقا من تقصي قائم على ربط علاقة بين السيرورات النفسية وتلك الخاصة بالثقافة (لجميع الثقافات وليس فقط تلك تنشأ في محضنها شخص ما يعاني من اضطرابات نفسية)، قد بنى علاجا نفسيّا أصيلا، لا يهدف إلى إعادة التأهيل réadaptationلأنه يعتقد ان بعض المجتمعات هي نفسها مركبة على نحو مسبب للأمراض بحيث يقحم الأفراد فيما يدعوه سيرورات المثاقفة أو التثاقف. استطاع ديفريه من خلال هذا المنظور صناعة او بلورة احد الافكار العلمية الأكثر أصالة بالنسبة لعصره، مدشنا ممارسة طبّ -نفسية عابرة للثقاقاتtransculturelle. كما حاضر لنشر تصوراته في عدة جامعات امريكية، أين كان يدّرس الانتروبولوجيا بعد أن حصل على الجنسية الامريكية. ويذكر في هذه المرحلة أن أصيب ديفريه بخيبة أمل عميقة من قبل الجمعية الامريكية التي القي عليها اللوم مأخذا عليها عدم فهم التحليل النفسي* وأهمية النموذج الثقافي الذي من خلاله قد عارض بشدة دعاة  “كونية الثقافة”l’universalité de la culture”، عائدا أدراجه إلى فرنسا سنة(1963)وكله محمّل بالهواجس.
حافظ ديفريه بصعوبة في خضم مسيرته على علاقاته مع المؤسسات والمحيط الجامعي. إذ كان غاضبا من معظم علماء الانتروبولجيا إذا ما استثنينا من ضمنهم: العالم بالحضارة الهلنستية الانجليزي اريك روبرتسون دودز وأيضا ليفي سترواس والسويسري روجيه باستيد. هؤلاء قد ساعدوه في الحصول ولو بشكل متأخر على مقعد أستاذ مساعد بمدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية كما اشرنا سابقا. وفي سنة (1964)اعترفت به جمعية التحليل النفسي بباريس كعضو عادي. لكن لم تكن هذه الالتفاتة الخجولة صراحة كافية في حقه.
يعدّ جورج ديفريه المؤسس لنظرية في المعرفة يدعوها “ابستيمولوجيا التكاملépistémologie de complémentaire”والتي اكتشفها انطلاقا من مبدأ اللايقين لهاينزنبورغ(1927) ، عن طريق سحب جميع الآثار (التطبيقات) التي يمكن ان تكون لهذا المبدأ في دراسة العلاقات المتلازمة بين الحياة النفسية والثقافة. لقد استثمر هذا الأخير نتائج نظرية هايز نبيرغ في تفسير حركة الذرات ومبدأه الذي أطلق عليه اسم “مبدأ عدم التأكد” *. هذا المبدأ الذي وضع صيغته سنة(1927). ويعتبر مبدأ عدم التأكد أو مبدأ الريبة أو مبدأ اللايقين أو مبدأ الشك من أهم المبادئ في نظرية الكم التي أحدثت أثرا بالغا في تاريخ العلم الحديث، بحيث أنه يضع حدوداً لقدرة الإنسان على قياس الأشياء. فهذا المبدأ معناه أن الإنسان ليس قادرا على معرفة كل شيء بدقة متناهية، ولا يمكنه قياس كل شيء بدقة متناهية، إنما هناك قدرا لا يعرفه ولا يستطيع قياسه. لقد أوضح “هايزنبيرغ”انه لا يمكن ملاحظة إلكترون بدون خلق وضعية تحدده. فهناك علاقة غير محددة بين الطبيعة الموجية والطبيعة الجسيمية المنبطحة تحت المجهر (22).
انطلاقا من هذا المبدأ الخاص بالفيزياء الكمية سيبتكر ديفيري سنة (1938)”ابستيمولوجيا التكامل” والتي ضمّنها الصيغ التالية: كل ظاهرة تنطوي على وجهيين وتدين إلى نوعين من التفسيرات، شرح نفسي وشرح انتروبولوجي. لكن هذا النهج المزدوج تعتمله صعوبة تحقيق المبتغيين في نفس الوقت، واع بصعوبة الأمر، كما خلص إليه روبرت بريسونr.bressonمن عمله كمخرج، حين ارتجل قائلا : “لو كان بإمكاننا إظهار جميع الإطراف في وقت واحد”(23). ما يأتي على التأكيد في هذه الظروف، هو التمفصل المنهجي للمقاربة التحليلية النفسية والمقاربة الانتروبولوجية وتضمينهما الابستيمولوجي. فالنفسية تحوي الثقافة المدمجة أو تستدمجها كما يرى التحليل النفسي، ثم هناك ثقافة نفسية تسقط على الواقع(24).
من حالة اللايقين هذه التي جاء بها “فيرنرهايزنبيرغ”Heisenberg، استمد ديفريه النتيجة التالية: ينبغي إعادة إدماج الباحث في مجال أو حقل الملاحظة. وبالمثل، أظهر هاينزنبورغ انه لا يمكن ملاحظة الكترون بدون خلق مساحة تحدّده. الشيء الذي دفع بديفريه المستمسك هذه المرة بالمنطق الفيزيائي، الى استخلاص ان حضور الملاحظ يشوش ويبعثر الموضوع الملاحظ ويخلق ظاهرة جديدة لم تكن لتنشأ بدونه، لو كان موضوع الملاحظة
 
شخصا آخر غيره. إن الأمر يتعلق بإعادة إدماج الفيزيائي في تجربة المراقبة المادية (اينشتاين/هاينزنبورغ) أو الرسام في اللوحة او المخرج في السينما أو المعالج في العلاج ومع ديفريه يتم إدماج الملاحظ وعواطفه في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية. فالتعديل في الظاهرة المدروسة، هو تعديل يحصل عند حضور الملاحظ (الانتروبولوجي) أو المعالج النفسي(25).
من هذا المنطلق انتبه ديفريه إلى ضرورة الاضطلاع على لاوعي المحلل قبل المحلل. حيث على المحلل أن يفهم لاوعيه قبل أن يحاول الحلول ضيفا على ثقافة الآخر والإقدام على تحليله. بهذا قد طرح ديفريه على نحو غير مسبوق سؤال الذاتية من زاوية ابستيمولوجية تخص العلوم النفسية. فبالنسبة لفرويد، أهم عنصر في التحري المنهجي التحليل النفسي، هو التحويل. يؤكّد ديفريه في منطق كتابه “قلق المنهج في العلوم السلوكية”، انه “التحويل المضاد” من يؤسس العامل الأكثر أهمية. فالمراقب كفرد مع قلقه، وآليات دفاعه وحقيقة أنه يحمل ثقافته الخاصة به المقحمة في قلب الإطار المرجعي الذي يحكمه، فهو سينتهي إلى جمع معلومات مختلفة، عن أخرى خرج بها ملاحظ آخر. وهذا يعني أيضا أن الانتروبولوجيا ليست علما موضوعيا تماما. ومن تمّت، ينبغي على المراقب في هذه الحالة التكيّف مع الحقل الذي يعمل فيه على حقائقه الإنسانية(26).
ان مفهوم التحويل، هو عملية إسقاط تأثرات المحلل على المحلل. أما التحويل المضادcontre transfert فهو بالتحديد ردة فعل المحلّل حيال خطاب او صمت المحلل. هذه الوضعية التّحويلية أو التّحويلية المضادة بعيدة عن تحصر في إطار أو نطاق العلاج النفسي، بل هي موجودة بقوة في العلاقات التي يحاول أن يبنيها الانتروبولوجي مع أفراد المجتمعات التي يدرسها. لقد أدرك ديفريه مثلا في هذا الإطار انه لا يكّن اي تقارب او مودة لثقافة قبائلsedang moi ، و ذهب حدّ تطوير في حقهم ما يدعوه في التحليل النفسي “بالتحويل السلبي المضاد”. بالمقابل يقع عاشقا لثقافة هنود السهول اللذين أثاروا لديه هذه المرة “تحويل ايجابي مضاد”. التحويل الايجابي المضاد معناه تقبل الباحث او المحلل ثقافة الآخر المختلف ، وتقبل هذا الأخير هو كذلك لهذا المتطفل الغريب. وهذا ما حدث بالضبط في تجربة ديفيرو مع هنود السهول. لقد أقحم ديفريه التحليل النفسي إذن في صميم الانتروبولوجيا، إنه يقدّر أن تحليل التلف او التشتّت الحاصل في لاوعي الباحث،كجزء مدمج من عالم المعرفة، تلك الخاصة بالعلوم الإنسانية. باختصار لا يمكننا تحقيق الموضوعية بالكامل، والتي لا يمكن ان تكون على حد قول باشلار سوى تقريبية عندما يتعلق الامر بتحليل ما هو ذاتي أو بين -ذاتي. وزيادة عن ذلك تفترض متطلبات التكامل complémentaritéحسب ديفريه، الالتزام بالضوابط التالية : الخوض في تجربة التحليل النفسي، التمكن من المعرفة الإثنولوجية، الاستخدام المباشر للغة الأم مع مجتمع أو حالات الدراسة.
بعد عام (1972) أكثر كتابات جورج ديفريه كرّست  لدراساته حول الأساطير اليونانية والى تفسيرات تحليل نفسية للتاريخ القديم . فديفريه وبطريقة أصلية للغاية ، كان قادرا على إظهار ثراء في تطبيق التحليل النفسي على دراسة التاريخ . وقدم جهدا كبيرا لفهم وتفسير الحقائق النفسية اللاواعية الفاعلة في الماضي، مما  يمنحها ضياء جديدا. في التراجيديا والشعر اليوناني “دراسات في التحليل النفسي العرقي” (1975) يفسر الأحلام في تراجيديات كل من إسخيلوس، سوفوكليس، يوربيدس، مما دلّ على  انه لازال يحتفظ بريشة شاعر حقيقي يبدع أحلام معقولة من ناحية نفسية، مع اقتراحه فكرة أن التحليل النفسي، يمكن أن يكون أداة ثمينة بالنسبة للتحقيق التاريخي.
يعود في مؤلفه المرأة والأسطورة (1982) ،ليحلّل سلسلة من الأساطير اليونانية تتمحور حول الجنس، سفاح المحارم، مغامرات الآلهة(…) الخ. انه يدعم من خلال هذه المناولات فكرة أن الأساطير الاميسية تظهر أن كل إنسان ومنذ طفولته المبكرة مكفول إلى النظام الأمومي  (الرواية العائلية للعصاب).فمثلا من خلال الأسطورة اليونانية ل  Baubo-Iambé، التي تمثل جنس المرأة ، نجد قلبا في تصور الفرج و المهبل عند الأنثى، من خلال إعادة تأهيله بواسطة فعل ترميز الأعضاء التناسلية للمرأة، التي انتقصت منها الثقافة الغربية وحطّت من قيمتها بالمقارنة مع القضيب الذكوري. نجد أيضا كتابات نشرها جورج يعالج فيها موضوعات خاصة بالتحليل النفسي الإثني، مشيرا إلى العديد من الأساطير اليونانية، التي غاص في سحرها حتى سنة وفاته. و بعد موته، نشر كتابه الذي ألّفه بالاشتراك مع “W.G.Forrest” أستاذ التاريخ القديم في جامعة أكسفورد، بعنوان “كليومينس الملك المجنون”. هذا الكتاب عبارة عن سيرة ذاتية ذات طابع نفسي. وهو يستحضر كليومينس الثاني من سبارتا، الذي كان يعاني من فصام استحواذي(27).لقد غدت الميثولوجياالإغريقية التي يستنجد بمصائر أبطالها بين الفينة والأخرى، تلقي بظلالها على صميم أحداث حياته.
من الصعب الإحاطة بتفكير أخطبوطي جد متطلّب ومعقد، كذلك الخاص بباحث عالمي cosmopolite يتحرّك بشكل منهجي بين الثقافات (الملايو، الفيتنامية، اليونانية، أمريكا الشمالية…)، ومتعدد اللغاتPolyglotteاذ كان يجيد الحديث بثمانية  لغات منها: الانجليزية، السيدون، الموهاف، الملايو، المجرّية، الرومانية، الألمانية، الفرنسية وهذه اللغات الأخيرة الأربع ثم تعلمها منذ سن الطفولة. ومن المناسب هنا ذكر مساهمته في الفيلولوجيا والأساطير اليونانية التي وسع اضطلاعه عليها ما لم يتأتّى لمجموعة من المحلّلين. ولعل ما يجعل منه أكثر من نموذج، هو تصميمه وهو في سن الخامسة والخمسين تعلم اللغة اليونانية القديمة. هذه الاهتمامات المتنوعة وهذا الفضول المعرفي الذي لا ينضب، لم يكن يبطن شيئا من الانتقائية التي كان يكرها بشدة. لأنه كان يفصل بدقة، وبطريقة باشلارية بين العقلانية العلمية والعاطفة الفنية. كما كان يظهر، الرجل المفكر، الكاتب، المحلل، عارف متعنت وعنيد،منغمس بعمق في علاقاته مع الآخرين، دون أن يفتح أمامهم أبواب عالمه السري إلى أن وافته المنية في 28 ماي 1985. وبكل إرادته، احتفظ ببقاياه في مقبرة موهاف دي باركر، في كولورادو.
لقد ترك ديفريه تلاميذ ولكن ليس مدرسة، ترك إذا جاز القول فكرا اصيلا وعميقا ولكن ليس نظرية متكاملة. كما تلخّصلنا ذلك بشكل جيد ديان كولنيكوفDiane Kolnikoff. توجد حاليا مؤلفات ديفريه ومقالاته الأكثر أهمية باللغة الفرنسية. لكن المفارقة التي تطرح، هياننا بقدر ما نعلم عن افكاره، بقدر ما يغمرنا انطباع بأن ديفريه ينفلت منا. فحتى الموت لم يغيبه، لأنه اجترح معه – ولو لمدة وجيزة- سفره الدائم بين الأرواح والنفوس والأشخاص والعوالم.فأعماله تشهد على عمقه، بل مازالت تدرس وتدرّس ويعاد التفكير في مجاهيلها الفسيفسائية من منظورات معرفية متنوعة كما لها من الراهنيّة والجدّة ما يجعلها اطارا مرجعيا لا يمكن القفز عليه أو تجاهله في مضمار التحليل النفسي الإثني، كما شاء هو ان يسمّيه.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
مُشاطرة هذه المقالة على: diggdeliciousredditstumbleuponslashdotyahoogooglelive

‘جورج ديفريه’ رحّال بدون وجهة في رحاب التّحليل النّفسي الإثني :: تعاليق

لا يوجد حالياً أي تعليق
 

‘جورج ديفريه’ رحّال بدون وجهة في رحاب التّحليل النّفسي الإثني

الرجوع الى أعلى الصفحة 

صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
** متابعات ثقافية متميزة ** Blogs al ssadh :: دراسات و ابحاث-
انتقل الى: