موقع للمتابعة الثقافية العامة
 
الرئيسيةالأحداثالمنشوراتالتسجيلدخول

عدد زوار مدونات الصدح

شاطر | 
 

 مازلنا نتطور (بعد كل هذه السنين)(*)

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عزيزة
فريق العمـــــل *****
avatar

التوقيع :

عدد الرسائل : 1370

تاريخ التسجيل : 13/09/2010
وســــــــــام النشــــــــــــــاط : 4

11112016
مُساهمةمازلنا نتطور (بعد كل هذه السنين)(*)

مازلنا نتطور (بعد كل هذه السنين)(*)
على مدى 000 30 عام، كان نوعنا البشري يتغير بسرعة ملفتة ولم ننته من ذلك بعد.
 
باختصار

   ادّعى بعض العلماء والإعلاميين العلميين أن البشر لم يعودوا عرضة للاصطفاء الطبيعي(1) وأن تطور الإنسان قد توقف فعليا.

   في الحقيقة تطور البشر بسرعة، وعلى نحو لافت، خلال 00030 عام الماضية. فالشعر المستقيم الأسود اللون والعيون الزرقاء وتَحمُّل اللاكتوز(2) كلها أمثلة لصفات حديثة الظهور نسبيا.

   لقد كان هذا التطور السريع ممكنا لأسباب عديدة، من ضمنها التحول من الصيد وجمع الثمار إلى المجتمعات المعتمدة على الزراعة، الذي سمح بدوره للمجتمعات البشرية بالنمو بشكل أكبر من ذي قبل. فكلما تكاثر البشر في مجتمع ما، ارتفعت فرصة حدوث طفرات جديدة مفيدة.

   سوف يستمر البشر، بدون شك، بالتطور في المستقبل. وعلى الرغم من أنه قد يبدو أننا نتجه نحو توليفة عالمية من الجينات البشرية، إلا أن أجيال المستقبل ستتكون على الأغلب من خليط مدهش من كامل ماضينا التطوري.

 
 
[rtl]إن البشر كائنات ذات إرادة وتصميم. ولا يوجد نوع آخر على هذا الكوكب اكتسب مثل هذه السيطرة الكبيرة على مصيره. لقد حَيّدنا مخاطر لا عدَّ لها كانت يوما تقتلنا بالملايين: فقد تعلمنا كيف نحمي أنفسنا من العناصر والمفترسات في البرية؛ وطورنا أدوية وعلاجات للعديد من الأمراض المميتة؛ وحولنا حدائق أسلافنا الزراعيين الصغيرة إلى حقول فسيحة للزراعة الصناعية؛ وزدنا بشكل هائل فرصنا لإنجاب أطفال أصحاء على الرغم من جميع الصعوبات المعتادة.
 
[/rtl]
[rtl]ويجادل الكثير من الناس في أن تقدمنا التقاني - قدرتنا على تحدي الطبيعة والتحكم فيها - قد جعل البشر مستثنين من الاصطفاء الطبيعي(١)، وأن تطور الإنسان قد توقف فعليا. والحجة في ذلك تقول إنه لم يعد هناك وجود لمقولة «البقاء للأنسب(3)»، في ظل أن كل إنسان تقريبا أصبح قادرا على البقاء لعمر متقدم. وهذا الرأي هو أكثر من مجرد فكرة شاردة في الوعي الجمعي. فهناك علماء محترفون، من أمثال <S. جونز>(4)وإعلاميون علميون محترمون، مثل <D. أتنبوروه>؛ قد أعلنوا أيضا أن تطور الإنسان قد انتهى.
 
[/rtl]
[rtl]ولكن الأمر ليس كذلك. فقد تطورنا في ماضينا الحديث، وسوف نستمر بذلك طالما ظللنا موجودين. وإذا أخذنا فترة تنوف على سبعة ملايين عام منذ انفصال البشر عن آخر أسلافنا المشتركين مع الشمبانزي وحولناها إلى يوم من 24 ساعة، فإن آخر 000 30 عام منها ستشكل نحو ست دقائق فقط. ومع ذلك، فقد تَكشََّف الكثير خلال هذا الفصل الأخير من تطورنا: هجرات كبيرة إلى بيئات جديدة، وتغيرات مثيرة في طبيعة الغذاء، وأكثر من 1000 مرة زيادة في تعداد السكان في العالم. وقد أضاف جميعُ هؤلاء الناس الجدد العديدَ من الطفرات(5) الفريدة إلى مجموع السكان. وكانت النتيجة نبضة من اصطفاء طبيعي سريع. وتطور الإنسان لا يتوقف. وإذا كان هناك أي شيء مناسب لوصفه، فهو أنه يتسارع.
 
[/rtl]
إرث أنثروبولوجيّ(**)
 
[rtl]ما أشارت إليه الهياكل العظمية للبشر القدامى منذ فترة بالغة القدم، هو أن الإنسان طور صفات معينة بسرعة ومنذ فترة قريبة. وخلال ما يقرب من 000 11 عام مضت، ومع بدء البشر بالتحول من الصيد وجمع الثمار إلى الزراعة والطهي، حدث تغير في التركيب التشريحي للإنسان. فعلى سبيل المثال، منذ عشرة آلاف عام، كان متوسط حجم أسنان الإنسان أكبر بمقدار 10% في أوروبا وآسيا وشمال إفريقيا مقارنة باليوم. وعندما بدأ أسلافنا بتناول غذاء مطبوخ أكثر طراوة ويحتاج إلى مضغ أقل، فإن أسنانهم وفكوكهم انكمشت رويدا رويدا في كل جيل.
 
[/rtl]
[rtl]ومع أن المختصين في علوم الإنسان(6) قد عرفوا مثل هذه الصفات لعقود من الزمن، إلاّ أنه لم يصبح جليا لهم مدى جدة هذه الصفات إلاّ خلال العشرة أعوام الماضية. وقد أظهرت لنا دراساتُ الجينوم البشري(7)الأهدافَ التي وقع عليها الاصطفاء مؤخرا. إذ اتضح، على سبيل المثال، أن هناك احتمالاً كبيراً لأن تمتلك ذرية المزارعين القدرة على إنتاج كميات أكبر من إنزيم الأميليز في اللعاب(8)، وهو إنزيم أساسي يقوم بتكسير جزيئات النشا في الغذاء. ومعظم الأفراد الأحياء اليوم لديهم عدة نسخ من الجين AMY1 المكوّد للأميليز. ويميل البشر الصيادون جامعو الثمار المعاصرون - مثل الداتوگا(9) في تنزانيا - إلى أن تكون لهم نسخ أقل بكثير من الأفراد الذين جاء أسلافهم من مجتمعات زراعية، سواء كانت معيشتهم في إفريقيا أم آسيا أم الأمريكتين. ويبدو أن امتلاك القدرة على معالجة النشا عند نقطة دخوله، أي الفم، كان ميزة للمزارعين القدماء الذين اعتمدوا تناول الحبوب النشوية بصرف النظر عن مكان تواجدهم.
 
[/rtl]
[rtl]وهناك تأقلم غذائي آخر وهو أحد أفضل الأمثلة المدروسة للتطور المعاصر للإنسان: إنه تَحمُّل اللاكتوز(10). فكل إنسان في العالم تقريبا يولد ولديه القدرة على إنتاج إنزيم اللاكتيز lactase، الذي يقوم بتكسير سكر الحليب المسمى لاكتوز lactose ويُسهل استخلاص الطاقة من الحليب - وهذا أمر أساسي لبقاء الطفل الرضيع حيا. ويفقد أغلب الناس هذه القدرة عند البلوغ. وقد ظهرت طفرة جينية لإطالة فترة نشاط الجين المكود لإنزيم اللاكتيز في خمسة أوقات مختلفة على الأقل من ماضينا التطوري الحديث، تزامنت مع بداية اكتشاف البشر للمنتجات اللبنية. ونشأت ثلاث من هذه الطفرات في أجزاء مختلفة من جنوب الصحراء الكبرى في إفريقيا(11)، حيث يوجد تاريخ طويل من تربية الماشية. وإن إحدى هذه الطفرات الخمس شائعة في الجزيرة العربية، ويبدو أنها تطورت في المجتمعات القديمة لرعاة الجمال والماعز.
 
[/rtl]
 
[rtl]إن الشكل الخامس والأكثر شيوعا من هذه الطفرة، والذي يبقي الجين المكود للاكتيز فعالا في فترة البلوغ، يوجد اليوم في المجتمعات البشرية الممتدة من إيرلندا إلى الهند، ويظهر بأعلى تكرارية على امتداد أوروبا الشمالية. فقد نشأت الطفرة في فرد واحد منذ 7500 عام (بزيادة أو نقص بضعة آلاف من الأعوام). وفي عام2011 قام العلماء بتحليل الدنا DNA المسترد من أوتزي رجل الثلج(12) الذي كان محنطا بطريقة طبيعية منذ نحو 5500 عام في شمال إيطاليا. ولم تكن لديه طفرة تحمّل اللاكتوز؛ مما يلمح إلى أنها لم تكن بعد شائعة في هذه المنطقة بعد مرور آلاف الأعوام من نشأتها المبدئية. وفي الأعوام التالية، قام الباحثون بسلسلة الدنا المستخلص من الهياكل العظمية للمزارعين الذين عاشوا في أوروبا منذ أكثر من 5000 عام. ولم يحمل أي منها طفرة اللاكتيز. إلا أن طفرة استمرارية اللاكتيز توجد في المنطقة نفسها اليوم لدى مئات الملايين من البشر - أكثر من 75 في المئة من العدد الكلي لهذا الجين. وإن هذا ليس تناقضا(13)، ولكنه التوقع الرياضياتي لعملية الاصطفاء الطبيعي. وإن الطفرة المعرضة للاصطفاء الطبيعي تنمو بشكل أسّيِّ، وهي تحتاج إلى العديد من الأجيال لتصبح شائعة بشكل يكفي لملاحظتها في المجتمع. ولكن بمجرد أن تصبح شائعة، فإن نموها المتواصل يكون سريعا جدا، وهي تسود في النهاية.
 
[/rtl]
ضحالة السلالات البشرية(***)
 
[rtl]قد يكون الأمر الأكثر إدهاشا في تطورنا الحديث هو عدد الصفات الفيزيائية الجسدية الشائعة الجديدة تماما على التركيب التشريحي للإنسان. فالشعر الكثيف المستقيم ذو اللون الأسود الذي يتشارك في امتلاكه أغلب سكان شرق آسيا، على سبيل المثال، ظهر فقط خلال 000 30 عام الأخيرة، ويعود الفضل في ذلك إلى طفرة في جين يُسمى EDAR، وهو أساسي لتنسيق التطور المبكر للجلد والشعر والأسنان والأظافر. وانتقل هذا الطراز الجيني مع المستعمرين الأوائل للأمريكتين الذين يشتركون جميعا في ماض تطوري مع سكان شرق آسيا.
 
[/rtl]
العديد من الصفات المعتادة في بيولوجيا الإنسان جديدة نسبيا. والعيون الزرقاء، والشعر المستقيم الكثيف الأسود اللون، والقدرة على هضم الحليب في مرحلة البلوغ وبعض الطفرات التي عملت على تفتيح لون البشرة ظهرت جميعها في آخر 000 30 عام.
 
[rtl]وفي الحقيقة، فإن التاريخ التطوري الإجمالي للون بشرة وشعر وعين الإنسان ضحل بشكل مثير للدهشة. ففي المراحل الأولى من مسيرة تطورنا، تميز أسلافنا ببشرة وشعر وعيون ذات لون داكن. وفي المراحل اللاحقة لهذه الحالة البدائية، عمل العديد من التغيرات الجينية على تخفيف هذه الصفات إلى حد ما. وتمثل بعض هذه التغيرات تباينات قديمة تظهر في إفريقيا إلا أنها أكثر شيوعا في أماكن أخرى من العالم. كما أن معظم هذه التغيرات تمثل طفرات جديدة ظهرت في مجتمع أو آخر: مثل التغير في جين يُسمى TYRP1، يمنح بعض سكان جزر سليمان(14) ملامح شقراء؛ كما تمنح طفرة HERC2 العيون الزرقاء إلى حامليها؛ وتتسبب التغيرات في الجين MC1R بنمو شعيرات حمراء اللون بدلا من سوداء، وتعمل طفرة في الجين SLC24A5 على منح البشرة لونا فاتحا؛ الأمر الذي يبدو جليا عند 95% من الأوروبيين. وكما في حالة اللاكتيز، يقدم دنا الإنسان القديم معلومات واضحة عن مدى قدم هذه الطفرات. ويبدو أن العيون الزرقاء ظهرت لدى البشر الذين عاشوا منذ أكثر من 9000 عام، إلا أن التغير الكبير في الجين SLC24A5 لم يتم اكتشافه في دنا الهياكل القديمة ضمن ذات الفترة الزمنية. فقد تطور لون البشرة والشعر والعين بسرعة مذهلة.
 
[/rtl]
[rtl]وتمثل الاختلافات في لون البشرة بعضا من أكثر الفوارق وضوحا بين الأجناس البشرية، كما أنها تمثل بطريقة ما أسهل هذه الفوارق من حيث الدراسة. كما قام العلماء بدراسة صفات أكثر غرابة وأقل وضوحا في البنية التشريحية للإنسان. لننظر إلى التباينات في شمع الأذن. إذ يمتلك أغلب الناس في العالم اليوم شمع أذن لزجاً. وعلى النقيض من ذلك، يمتلك العديد من سكان شرق آسيا شمع أذن جافاً وقشرياً ولا يلتصق ببعضه البعض. وقد عرف علماء الأنثروبولوجيا عن هذا التباين لأكثر من مئة عام، إلا أن علماء الوراثة لم يكشفوا سبب ذلك إلا مؤخرا. وينجم شمع الأذن الجاف عن طفرة حديثة نسبيا حصلت للجين المسمى ABCC11. وتؤثر هذه الطفرة، التي يتراوح عمرها بين 000 20 إلى 000 30 عام فقط، أيضا في الغدد المفرزة(15)، التي تنتج التعرق. فإذا كان لديك إبطان كريها الرائحة(16) وشمع أذن لزج، فمن المحتمل أنك تمتلك النسخة الأصلية من الجين ABCC11. أما إذا كان لديك شمع أذن جاف وحاجة أقل إلى استخدام مزيل رائحة التعرق؛ فمن المحتمل أنك تمتلك الطفرة الأحدث.
 
[/rtl]
[rtl]وقبل عدة آلاف من السنين من ظهور شمع الأذن الجاف لأول مرة لدى سكان شرق آسيا، بدأت على ما يبدو طفرة بسيطة أخرى بإنقاذ ملايين الأفارقة من مرض مميت. وينتج الجين المسمى اللفظ DARC جزيئا نشويا على سطح خلايا الدم الحمراء يقوم بإزالة جزيئات الجهاز المناعي الزائدة من الدم والمعروفة بكيموكينيز(17). ومنذ نحو 000 45 عام أضفت طفرة في الجين DARC مقاومةً شديدة إلى الپلازموديوم ڤيڤاكس(18)، وهو أحد اثنين من أكثر طفليات الملاريا الشائعة التي تصيب الإنسان اليوم. وتدخل طفليات الڤيڤاكس خلايا الدم الحمراء من خلال الجزيء DARC الذي يكود له الجين، وهكذا فإن إعاقة التعبير عن الجين DARC تُبقِي الـمُمرِضات عاجزة. كذلك، فإن غياب الجين DARC يرفع من كمية الكيموكينيز المسبب للالتهاب المنتشرة في الدم، والذي بدوره ثبت ارتباطه بارتفاع معدلات سرطان البروستات لدى الرجال الأمريكان من أصل إفريقي. إلا أنه وعلى وجه العموم، فإن الطفرة كانت ناجحة جدا لدرجة أنها توجد الآن لدى95% من البشر الذين يعيشون أسفل الصحراء الكبرى، بينما توجد فقط لدى 5% من الأوروبيين والآسيويين
 
[/rtl]
قوة العشوائية(****)
 
[rtl]لقد اعتدنا على أن نفكر في التطور كعملية تحل فيها الجينات «الجيدة» محل الجينات «السيئة»، إلا أن المرحلة الأكثر حداثة من تأقلم الإنسان لهي دليل على قوة العشوائية في التطور. فالطفرات المفيدة لا تستمر بشكل تلقائي. والأمر كله يعتمد على التوقيت وحجم السكان.
 
[/rtl]
[rtl]لقد تعلمتُ هذا الدرس لأول مرة من الأنثروبولوجي الراحل <F. ليڤنگستون>. وتزامنت بداية تدريبي البحثي مع انتهاء مهنته الطويلة التي قام من خلالها بدراسة الأساس الجيني لمقاومة الإصابة بالملاريا. فمنذ أكثر من 3000 عام ظهرت في إفريقيا والهند، طفرة في الجين المكوِّد للجزيء الناقل للأكسجين في خلايا الدم والمعروف بالهيموگلوبين(19). وعندما ورث الناس نسختين من هذه الطفرة - سميت هيموگلوبين Sا(20) - وقد ظهر عليهم فقر دم(21) الخلايا المنجلية(22)، وهو مرض تعمل فيه خلايا دم ذات شكل غير معتاد على سدّ الأوعية الدموية. وإن خلايا الدم الحمراء مطواعة ومرنة لدرجة كافية لكي تشق طريقها خلال الأوعية الشعرية الصغيرة جدا، ولكن خلايا الدم الطافرة تكون قاسية ومحددة بالشكل المميز للمنجل. وكما أوضحت الأبحاث، فإن تغيير شكل خلايا الدم الحمراء أحبط أيضا قدرة طفيل الملاريا على إصابة هذه الخلايا.
 
[/rtl]
[rtl]وهناك طفرة أخرى أثارت اهتمام <ليڤنگستون> وهي الهيموگلوبين Eا(23). وكونه شائعاً في جنوب شرق آسيا اليوم، فإن الهيموگلوبين يضفي مقاومة قوية ضد الملاريا من دون التأثيرات الجانبية القاسية للهيموگلوبين S. فقد قلتُ في قاعة الصف ذات يوم: «يبدو أنه من الأفضل بكثير أن يكون لدينا الهيموگلوبين E بدلا من الهيموگلوبين S.» وسألته: «لماذا لم يحصلوا على الهيموگلوبين E في إفريقيا؟»
 
[/rtl]
[rtl]«إن الطفرة لم تحدث هناك،» كما قال <ليڤنگستون>.
 
[/rtl]
[rtl]لقد صعقني رده. وافترضت أن الاصطفاء الطبيعي هو أعظم قوة في ترسانة التطور. فقد عاش البشر في إفريقيا آلاف السنين مع ملاريا الفالسيپارم(24) المميتة. ومن المؤكد أن الاصطفاء الطبيعي كان سوف يتخلص من الطفرات الأقل فائدة ويدفع بأكثرها نجاحا.
 
[/rtl]
 
[نتائج(25)]

طفرة الحليب(*****)

   إن التمتع بمنتجات الحليب في مرحلة البلوغ هو ميزة ظهرت متأخرة نسبيا في تاريخنا التطوري. ونحن نعتمد على إنزيم اللاكتيز لتكسير اللاكتوز، وهو السكر الموجود في الحليب، ولكن جسم الإنسان يتوقف عن إنتاج اللاكتيز بعد سن المراهقة. وفي الحقيقة، فإن أغلب البالغين في العالم غير قادرين على تحمل اللاكتوز. إلا أنه خلال 000 10 عام الأخيرة، تطورت لدى مجتمعات مختلفة من مزارعي الألبان، وبشكل مستقل، طفرات جينية حافظت على نشاط اللاكتيز طوال الحياة. وعرف العلماء خمساً من تلك الطفرات، ولكن قد تكون هناك طفرات عديدة أخرى. وتوضح جميع هذه التأقلمات، مجتمعة، انتشار صفة تَحمّل اللاكتوز كما نراها حول العالم اليوم.


   نشأت ثلاث طفرات مختلفة لاستمرارية اللاكتيز في جنوب الصحراء الكبرى بإفريقيا، وانتشر أكثرها شيوعاً بسرعة في المنطقة في 7000 عام الأخيرة.

   (1) ظهرت إحدى الطفرات المسماة استمرارية اللاكتيز(26) منذ نحو 7500 عام بين مزارعي الألبان في منطقة تقع بين وسط أوروبا وشمال البلقان. وهذه هي أكثر طفرات اللاكتيز شيوعا في أوروبا اليوم.

   (2) عاش أوائل مزارعي الألبان في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من 8000 إلى 000 10 عام. فقد قاموا بصفة أساسية بتربية الأغنام والماعز والأبقار، إلا أنه يحتمل أن تكون طفرة واحدة لاستمرارية اللاكتيز على الأقل قد ظهرت بين رعاة الجمال.

   (3) موقع تجميع بيانات (نقاط حمراء)
 
 
[rtl]وتابع <ليڤنگستون> حديثه ليوضح كيف أن الوجود المسبق للهيموگلوبين S في مجتمع ما قد جعل من الأصعب على الهيموگلوبين E أن يغزو هذا المجتمع. وتسري الملاريا في المجتمع المليء فقط بأشخاص حاملين للهيموگلوبين الطبيعي، ويمكن لأي طفرة جديدة تقدم ميزة طفيفة أن تصبح بسرعة أكثر شيوعا. إلاّ أن مجتمعا قد تم إمداده بطفرة الهيموگلوبين S الواقية من هذا المرض سوف تنخفض فيه مخاطر الوفاة. ويبقى الحاملون للخلايا المنجلية في مواجهة مخاطر جسيمة، ولكن ميزة الهيموگلوبين E هي أقل نسبيا في مجتمع لديه بالفعل هذا الشكل غير الكامل من مقاومة الملاريا. وخلافا لما هو مألوف، فإن ما يهم ليس فقط توفر الحظ لوجود طفرة، وإنما توقيت حدوث هذه الطفرة أيضا. وقد يكون الفوز لتأقلم جزئي ترافقه تأثيرات جانبية سيئة يجري، على الأقل خلال بضعة آلاف السنين القليلة التي كان البشر فيها يتأقلمون مع الملاريا. 
 
[/rtl]
[rtl]ومنذ أن بدأ الإنسان لأول مرة بمحاربة الملاريا، ظهر عدد من التغيرات الجينية المختلفة التي زادت مناعة جسم الإنسان ضد المرض، وهي تغيرات مختلفة في أماكن مختلفة. وبدأ كل منها كطفرة عرضية تمكنت من الاستمرار بمجتمع محلي على الرغم من كونها طفرة نادرة جدا في البداية. ولم يكن من المحتمل لأي من تلك الطفرات أن تستمر، منفردة، لفترة طويلة بما يكفي لتأسيسها، إلا أن الأعداد السكانية الكبيرة والمتزايدة بسرعة لأسلافنا منحتها فرصا أخرى عديدة. ومع انتشار المجتمعات البشرية في أجزاء جديدة من العالم ونموها بشكل أكبر، فإن الطفرات تأقلمت بسرعة مع مواطنها الجديدة تحديدا؛ لأن تلك المجتمعات كانت كبيرة جدا.
 
[/rtl]
مستقبلنا التطوري(******)
 
[rtl]واليوم تستمر المجتمعات البشرية بتطورها. فعلى خلاف الماضي البعيد، حيث يتعين علينا الاستدلال على ما فعله الاصطفاء(27) من تأثيراته طويلة المدى في الجينات، فإنه يمكن لعلماء اليوم مشاهدة تطور الإنسان أثناء حدوثه، غالبا عن طريق دراسة اتجاهات الصحة والتكاثر. فمع أن التقانات الطبية، وتعزيز الصحة العامة(28)واللقاحات، أدت إلى مدّ الأعمار بشكل كبير، إلا أن معدلات التوالد في العديد من المجتمعات مازالت متذبذبة.
 
[/rtl]
[rtl]وفي جنوب الصحراء الكبرى بإفريقيا، تكون النساءُ اللاتي يمتلكن طرازا معينا من جين يدعى اللفظ FLT1ويحملن خلال موسم الملاريا أكثرَ احتمالا بشكل طفيف لأن يلدن أطفالا مقارنة بالنساء الحوامل اللاتي يفتقدن هذا الطراز، وذلك لأن خطر إصابة المشيمة(29) بطفيليات الملاريا أقل لدى من يمتلكن هذا الطراز. ونحن لا ندرك حتى الآن كيف يخفض هذا الجين من خطر الإصابة بملاريا المشيمة(30)، ولكن تأثير هذه الإصابة عميق وقابل للقياس.
 
[/rtl]
[rtl]قام <S. ستيرنس> وزملاؤه [من جامعة Yale] بفحص سجلات سنوات من دراسات طويلة المدى في الصحة العامة بغرض معرفة الصفات التي قد ترتبط بمعدلات الإنجاب حاليا. وخلال الأعوام الستين الماضية، أنجبت السيدات القصيرة وثقيلة الوزن نسبيا في الولايات المتحدة الأمريكية واللاتي يمتلكن مستويات منخفضة من الكوليسترول عدداً أكبر بشكل طفيف من الأطفال في المتوسط مقارنة بالسيدات اللاتي يمتلكن الصفات المضادة. فمن غير الواضح حتى الآن سبب ارتباط هذه الصفات بحجم العائلة.
 
[/rtl]
[rtl]وهناك في الأفق دراسات جديدة في الصحة العامة، مثل دراسة البنك الحيوي البريطاني(31)، التي ستتعقب الطرز الجينية والحالة الصحية لمئات الآلاف من البشر على مدى الحياة. ويجري القيام بمثل هذه الدراسات لأن التفاعلات بين الجينات معقدة، ونحتاج إلى فحص آلاف من المخرجات لكي نعرف أي التغيرات الجينية يدعم صحة الإنسان. ويعطينا تتبع أصل الطفرات البشرية قوة هائلة لملاحظة التطور خلال مئات الأجيال، ولكنه قد يخفي التفاعلات المعقدة بين البيئة والقدرة على البقاء والخصوبة التي حدثت في الماضي. ونحن نرى الفائزين على المدى الطويل، كاستمرارية طفرة اللاكتيز مثلا، ولكن قد يفوتنا الديناميات قصيرة المدى. وإن المجتمعات البشرية على وشك أن تصبح التجربة طويلة المدى الأكثر ملاحظة مكثفة في بيولوجيا التطور.
 
[/rtl]
[rtl]كيف يبدو مستقبل تطور الإنسان؟ خلال بضعة آلاف من الأعوام الماضية، اختلف مسار التطور البشري باختلاف المجتمعات، إلا أنه احتفظ مع ذلك بعمومية مثيرة للدهشة. ربما استطاعت الطفرات التأقلمية الجديدة أن تشق طريقها داخل المجتمعات البشرية، ولكنها لم تقو على إزاحة النسخ القديمة من الجينات. وبدلا من ذلك، فالنسخ القديمة «نسخ أسلافنا» من الجينات ظلت في الغالب معنا. وفي الوقت نفسه تتنقل ملايين البشر بين الأمم في كل عام؛ مما يؤدي إلى معدل غير مسبوق من التبادل والخلط الجيني.
 
[/rtl]
[rtl]ومع مثل هذا المعدل العالي من المزج الجيني، قد يبدو منطقيا أن نتوقع أن صفات تراكمية(32) - مثل صفة التصبغ(33) حيث تمتلك جينات مختلفة تأثيرات مستقلة في لون الجلد – سوف تصبح أكثر تمازجا في المجتمعات البشرية المقبلة. هل سنشهد مستقبلا بشرياً نتكون فيه من خليط متجانس بدلا من خليط شواشي متعدد الألوان؟
 
[/rtl]
بدلا من ذلك الجمهور العديم الملامح من النسائل التي تبدو كلها بلون القهوة بالحليب، بدأنا بالفعل نرى اضطرابا زاهيا من التباينات - بشرة داكنة لشقراوات منمشات، وتوليفات مدهشة من العيون الخضراء والبشرة الزيتونية اللون. إن كلاًّ من أحفادنا سوف يكون فسيفساء(34) حية لتاريخ الإنسان.
 
[rtl]إن الجواب هو «لا». فالكثير من الصفات التي تختلف بين المجتمعات البشرية ليست تجميعية(34). وصفة اللون ليست بهذه البساطة، كما هو ملاحظ بالفعل في المجتمعات المختلطة في الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك والبرازيل. فبدلا من ذلك الجمهور عديم الملامح من النسائل التي تبدو كلها بلون القهوة بالحليب، بدأنا بالفعل نرى اضطرابا زاهيا من التباينات - بشرة داكنة لشقراوات منمشات، وتوليفات مدهشة من العيون الخضراء، والبشرة الزيتونية اللون. وكل واحد من أحفادنا سوف يكون فسيفساء(35) حية لتاريخ الإنسان.
 
[/rtl]


[rtl]المؤلف[/rtl]
 
  John Hawks
  <هوكس> مختص بعلم الإنسان anthropologist وخبير في تطور الإنسان بجامعة ويسكونسن-ماديسون.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
مُشاطرة هذه المقالة على: diggdeliciousredditstumbleuponslashdotyahoogooglelive

مازلنا نتطور (بعد كل هذه السنين)(*) :: تعاليق

لا يوجد حالياً أي تعليق
 

مازلنا نتطور (بعد كل هذه السنين)(*)

الرجوع الى أعلى الصفحة 

صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
** متابعات ثقافية متميزة ** Blogs al ssadh :: منبر البحوث المتخصصة والدراسات العلمية يشاهده 23456 زائر-
انتقل الى: