موقع للمتابعة الثقافية العامة
 
الرئيسيةالأحداثالمنشوراتالتسجيلدخول

عدد زوار مدونات الصدح

شاطر | 
 

 لم تمت الغزالة لكنها نائمة الياس خوري

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
حمادي
فريق العمـــــل *****
avatar

عدد الرسائل : 1632

تاريخ التسجيل : 07/12/2010
وســــــــــام النشــــــــــــــاط : 8

12042016
مُساهمةلم تمت الغزالة لكنها نائمة الياس خوري

[rtl]لم تمت الغزالة لكنها نائمة[/rtl]
[rtl]الياس خوري[/rtl]
APRIL 11, 2016



قالت والدة جوليو ريجيني معلقة على حادث اختطاف ابنها وقتله بوحشية في مصر: «قتلوه كما لو كان مصرياً».
تختصر هذه العبارة واقعنا العربي برمته، قتلوه كأنه مصري، ففي بلادنا لا حرمة للموت. نُقتل بالمئات والألوف كأن لا شيء. هذا اللاشيء الذي صار جثثاً وملايين من اللاجئين والمشردين، أخذنا إلى ما دون الحضيض، وأعطى المحتل الاسرائيلي ذريعة لايصال القتل إلى قعر بلا نهاية، عبر عملية قتل الموتى بعد موتهم، بحيث صارت جثث الشهداء المجمّدة في البرادات، وسيلة لاذلال اجساد الموتى، وقهر أهلهم. وهذه حكاية لو رويت ستجعل القارئ يتمنى لو كان أعمى كي لا يرى، أو كي يرى بعينين لا يملكها المبصرون.
في مسرحية لينا أبيض: «نوم الغزلان» (عُرضت الأسبوع الماضي على خشبة مسرح «أروين هول» في الجامعة اللبنانية – الأمريكية في بيروت) لا نحتاج لحرف التمني الشَرطي: «لو»، الذي استخدمته الأم الايطالية الثكلى، فنحن الضحايا بلا تورية. وحين أَستخدم ضميرالمتكلم فأنا لا أحيل إلى جمع وهمي مصنوع من متخيل آتٍ من الماضي، بل أريد الإشارة إلى أناي التي شعرتْ، في مناخات هذا العرض المسرحي المؤلمة، أن عيون الغزلان السورية تصنع مرايا لاحتمالات الحياة الطالعة من شقوق العيون نصف المغمضة في موتها الذي يشبه النوم. عرض يحيك خيوط الحاضر بالكلمات والأجساد جاعلاً منه تجربة شخصية جعلتني اتماهى مع الموتى والناجين، وأعيش في مهاجع سجن تدمر مع فرج بيرقدار وفي سراديب الغوطة الشرقية مع سميرة الخليل وياسين الحاج صالح، وأمضي في رحلة التيه المسيّجة بالأقفاص والأمواج والموت التي نسجتها لينا أبيض، وهي تروي لنا عطش الحياة إلى الحياة.
في البدء كان السجن، هكذا رسمت المسرحية حكاية غزلانها. وضعت الخشبة داخل مثلث مصنوع من ثلاثة سجون: سجن تدمر مع نصوص من كتاب الشاعر فرج بيرقدار: «خيانات اللغة والصمت»، وأقبية الغوطة الشرقية حيث تم اختطاف رزان زيتونة وسميرة الخليل ووائل حمادة وناظم حمادي من قبل جيش الاسلام، على شكل رسائل كتبها ياسين الحاج صالح إلى زوجته سميرة الخليل، وسجن التشرد واللجوء، حيث يتحول اللجوء الى أوروبا قفصاً مسيجاً بالأسلاك، وبحراً يفترس جثث الموتى، واللجوء إلى لبنان مصيدة للذل. 
سجن يسيّج العرض بالاسلاك الشائكة، فتتحول الخشبة إلى شراك والحكايات إلى مصيدة، والبحر الأبيض إلى مقبرة، والأجساد إلى ظلال تتلاشى، كأنها خيالات ظل تطفو فوق عيوننا.
لا أدري كيف أصف جرأة لينا أبيض وهي تغامر بحمل الألم بغير كلمة جرأة القلب. الجهد السينوغرافي المشغول بعناية، والاضاءة الملونة بقمر أعمى، والقصص التي ترسم ملامح الناس كأفراد يحملون في معاناتهم حكاياتهم الشخصية، واللحظات الملحمية التي تجعل من ركوب مغامرة البحر سفراً في مجهول الموت، ونصا فرج بيرقدار وياسين الحاج صالح اللذان يبنيان الحكاية من فتات الصمت، كلها لا تكفي، وكانت في حاجة إلى كيمياء تعيد خلقها. هذه الكيمياء اسمها جرأة القلب التي صهرت هذه العناصر المختلفة وبنتها بصفتها حكاية حب يحتضن الوجع جاعلة من تجربة السوريات والسوريين، حكاية انسانية كبرى تختصر حكايات الشعوب المقهورة مع جلاديها.
في المناقشة التي أقيمت في المسرح يوم الجمعة 8 نيسان – ابريل طرحت المخرجة حيرتها لأن أغلبية الممثلات والممثلين لا يتكلمون اللهجة السورية، وقالت إن ما اعتبرته خللاً في البداية تحول الى ميزة. وهذا صحيح، لأن العمل يمكن أن يُقرأ كتحية تضامن وتماهٍ لبنانية مع الشعب السوري، كما يمكن أن يُقرأ كمحاولة للتفاعل مع الألم السوري بصفته ألم كل اللاجئين والمقهورين في عالمنا.
انقسمت خشبة المسرح إلى أربعة أزمنة: زمن تدمر، زمن الغوطة، زمن الحلم الثوري والذاكرة وزمن التيه والتشرد. بدت هذه الأزمنة وكأنها زمن واحد. فالسجون والأقبية شكلت خلفية الثورة من جهة وصعوباتها في مواجهة القمع والتفكك وهيمنة عناصر استبدادية تريد احلال عتمة الهوس الأصولي مكان عتمة الاستبداد، حتى وصلنا إلى المشهد المأسوي للجوء السوري الذي صار اليوم فضيحة اخلاقية في عالم تخلى عن القيم.
لن أقول ان المسرحية نجحت في استنباط جماليات الخراب، فالفن لا يصنع هذا النوع من الجماليات مهما كان الفنان عبقريا. الفن يصنع جماليات الحياة والحلم بها. الفن حين يروي الخراب فإنه يستنطق الروح الانساني الذي يستنهض الضحايا كي يكونوا شهوداً على الحرية المنتهكة.
وهذا ما اشارت إليه لحظة النهاية في المسرحية، حيث رأينا عشرات الأيدي تمسك بشقوق بوابات السجن ومراكب الموت لتغني.»جنة جنة جنة، جنة يا وطننا». هذا الجحيم هو الجنة التي سيصنعها الضحايا وهم يستعيدون حنجرة ابراهيم القاشوش وماء غياث مطر وبراءة حمزة الخطيب، رغم كل شيء.
كانت والدة الضحية الإيطالية على حق: قتلوه كما لو كان مصرياً»، لكنها نسيت أن القتيل لم يتخلّ عن صوته، وأن صوت الأغاني التي لونت مسرح المأساة، يشير إلى أن الغزالة لم تمت، لكنها نائمة.
الياس خوري
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
مُشاطرة هذه المقالة على: diggdeliciousredditstumbleuponslashdotyahoogooglelive

لم تمت الغزالة لكنها نائمة الياس خوري :: تعاليق

لا يوجد حالياً أي تعليق
 

لم تمت الغزالة لكنها نائمة الياس خوري

الرجوع الى أعلى الصفحة 

صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
** متابعات ثقافية متميزة ** Blogs al ssadh :: استـــراجيــات متحـــــــــــــــولة يشاهده 478زائر-
انتقل الى: